حاتم علي: علامة فارقة في عالم الإخراج التلفزيوني

كتب بواسطة بدر الجهوري

حتى في السنين الباردة من عمر هذه الأمة كان لنا مبدعونا، شذرات مثل النسائم تهب بين حين وحين، ولكنهم يا للخسارة يرحلون فجأة، وقد ملؤوا الدنيا إبداعاً، وأضاؤوا في الرأس وميض فكرة، ووضعوا في القلب ذكرى لا تنسى، وقد أبت تلك السنة المشؤومة أن تنصرف قبل أن تتخطف أحد مبدعي الإخراج العربي من القطر السوري، وتلك سُنّة الله في خلقه وكلنا على هذا الطريق سائرون.

وأنا أكتب هذا المقال ليس بصفتي ناقداً فنياً، فليس لي في ذلك نصيب، ولن أتكلم عن حركة الكاميرا أو عددها وتعدادها، ولكني ابتغيت أن أكتب شيئاً عن مخرجنا الراحل وعن أعماله بعين المُشاهِد العادي لا غير، الذي رأى وعاصر وأعجب بأعماله.

إن ما يميز أعمال الراحل هو تلك التقاطعات الإنسانية بين الخطوط الدرامية، بالواقعية في التمثيل الدرامي يسندها حوارات عميقة على مستوى المشهد، في سلاسة من العبارة، ودقة في الكلمة، مع اختيار طاقم من الممثلين على مستوى عالي من الاحتراف، وخلفيات موسيقية مميزة لكل عمل. ويلاحظ هذا في أعماله سواء في مسلسل صلاح الدين أو في ثلاثية الأندلس بالاشتراك مع الكاتب والأديب د. وليد سيف، إذ تجد عملاً تاريخياً متكاملاً يحمل الفكرة ونقيضها، فالمسلسل ليس تكريساً لتمجيد شخصيات تاريخية لها سطوتها في ذاكرة التاريخ، بل أقرب لمحاكمات تاريخية على بساط من الموضوعية والحياد، يضع فيها المشاهد حكماً فيها فيعرض ما للشخصية التاريخية وما عليها.

حاتم علي هو نفسه القائل بأنه حطّم أسطورة الزير سالم في مسلسل الزير سالم عند لقائه في برنامج خليك بالبيت مع المقدم المميز/ زاهي وهبي، وقد صدق فهناك تلك الرواية الأسطورية للزير سالم الذي لا يهزم ولا يكسر والذي يقتل ويثأر إلى ما لا نهاية، وهناك رواية أكثر منطقية أو لنقل واقعية أو هي المآل الحقيقي للإسراف في الانتقام والطغيان وقد كان في نهايته ما كان، وما صدم به المشاهد العربي الذي لم يستوعب النهاية الأليمة لذلك الفارس وكيف تجرأ المخرج أن يصور نهايته بتلك الطريقة المذلة.

تلك هي فلسفة حاتم علي التي أوجبت أن يكون المشهد واقعياً وحقيقياً وإنسانياً في الوقت ذاته، وإن كان لا يتوافق وتوقعات المشاهد، والأمر لا يقتصر على القصة فقط فعمل كعمل الزير سالم كان قريباً من الكمال بدأً من القصة إلى مواقع التصوير وانتهاءً بالحوارات والعبرة في نهايته والقواطع الموسيقية التي لا تنسى، وكذلك الأمر في ثلاثية الأندلس وأخص بها مسلسل ربيع قرطبة والذي يعتبر قطعة فنية خالصة، تطور درامي متسلسل، وحبكة محكمة، وقصة عظيمة و ضعت بين يدي مخرج مميز فأخرج لنا مسلسلاً عظيماً، ضم كوكبة من الممثلين المميزين من مثل خالد تاجا وجمال سليمان و صاحب التميز تيم حسن في دور محمد بن أبي عامر (المنصور)، وبين تلك القصور والروابي والأزياء التاريخية والخلفيات الموسيقية الخالدة. جميعها لامست وجدان المشاهد العربي. أنا هنا لا أبخس حق البقية فمن الطبيعي ألا تكون مثل هذه الأعمال الكبيرة سوى جهود متضامنة لمجموعة من المبدعين، ولكن إخراج القيمة الفنية الجمالية في نهاية المطاف هي مسؤولية المخرج ولكل مقام مقال.

أن المسلسل الأكثر قرباً إلى قلب الراحل والفخور هو بإنجازه، هو مسلسل ( التغريبة الفلسطينية) وهو من ذاق مثل مرارتها عندما هجر هو وأهله من الجولان السوري المحتل، فقد كان المسلسل شرحاً حقيقياً عن معاناة الشعب الفلسطيني الذي تعرض لاحتلال أرضه وإلى التهجير القسري، متناولاً فيه قصة بلد عربي يرزأ تحت الاستعمار كحال بقية البدان المجاورة ولكن بمخططات أكثر سوداوية، فهو يتتبع الحالة الإنسانية للشعب الفلسطيني، التقاطعات بين المدينة والقرية، الثورة والخذلان، النصر والهزيمة، التهجير من القرية ومن الوطن، الظلم الصريح والبقية ما تعرفون، وما زالت حاضرة.

إن الراحل وبحسب تصريحاته لم يكن يميل إلى الأعمال التاريخية – رغم نجاحه منقطع النظير – بل الى الأعمال المعاصرة الواقعية التي تلامس الشارع، وقد أخرج أعمالاً لا تنسى من ذاكرة الأجيال لمن شاهدها في مقدمتها مسلسل أحلام كبيرة ومسلسل الفصول الأربعة ومسلسل عصي الدمع، تجد تفاصيل الشارع الشامي حاضرة بعلاماته الفارقة، ونبض الشارع بأزقته، متضمنة حوارات فلسفية عميقة أحياناً أو مجرد حوارات بسيطة للإنسان العادي حول الهموم المشتركة.

أنه لحق علينا أن نمنح التقدير الحقيقي لمبدعين مثل حاتم علي كمخرج وكاتب وفنان، وهو في مقابلاته التلفزيونية تجده شخصية متواضعة ومثقفة وقادر على تفنيد خطه الفلسفي في الإخراج بكل وضوح وبدون مواربة، أن حاتم علي كان علامة فارقة في عالم الإخراج لأنه أولاً إنساني من الدرجة الأولى ومثقف بدرجة كبيرة، لا أستطيع في الحقيقة اختصار حياة مهنية لشخص مثل حاتم علي في مقال واحد، ولكن هذا جهد المقل.

رحم الله المخرج حاتم عليه وأثابه الجزاء الواسع وأدخله واسع جنانه.

مصدر الصورة: https://2u.pw/pQHZe

السادس عشر بعد المائة العدد الأخير سينما وأفلام

عن الكاتب

بدر الجهوري

كاتب ومترجم عماني

اترك تعليقاً