الدستور التعاقدي العماني وطَرْق أبواب المقدس

لـ

book2

انقسم المثقفون في عمان حول فكرة (الدستور التعاقدي) إلى مجموعتين متضادتين، الأولى ترى أنه شرط ضروري لاستمرار الدولة الحديثة، والثانية ترى أنه دعوة إلى الفتنة والفوضى والانقسامات المذهبية والقبلية والمناطقية، ولم يتوقف الأمر عند الاختلاف في الرأي بل تجاوزه إلى القذف والاتهام في النوايا، فالفريق الأول يصف الفريق الثاني بأنه عميل وانبطاحي، والثاني يصف الأول بأنه مرتزق وانتهازي، وهذا التنابز يشي بالحدية في النظرة، والشطط في الرأي، وغياب ثقافة الحوار التي فرختها أربعين عاما من الكبت ومصادرة حرية  التعبير، كما تشي أيضا بالحضور المتضخم للعاطفة عند المثقف العماني حتى أثناء الحديث عن تدشين مرحلة يفترض أن تصّعّد بعمان طبقا عن طبق إلى فضاءات المستقبل.

بداية علينا التذكير بمسألة مهمة ألا وهي أن الدساتير في الدول الملكية نوعان، دستور “الهبة أو المنحة”، والدستور “التعاقدي”.  دستور “المنحة” ينفرد الحاكم بصياغته، ولا يملك الشعب سوى الرضا والتسليم، وليس لأفراد الشعب حق الاعتراض عليه، ولا يجوز لهم مناقشته، وهذا هو الدستور المعمول به في معظم الدول الملكية العربية. مشكلة هذا النوع من الدساتير أنه يفتح أبواب الاستبداد السياسي على مصراعيها، والفئة المثقفة التي تسبّح باسم هذا النوع من الدساتير وتقدس له تذكرنا بفرقة (المرجئة) التي ظهرت في بدايات الدولة الأموية، والتي تدعو إلى الرضوخ إلى الاستبداد وتُحرّم الاعتراض عليه.

النوع الثاني من الدساتير هو الدستور “التعاقدي”، وفيه يقوم أفراد الشعب بانتخاب لجنة تقوم على عداد الدستور الذي تتحدد فيه صلاحيات الحاكم، ومسؤوليات المحكوم، وطريقة إدارة البلاد. وبعد الانتهاء من الصياغة النهائية للدستور تقوم اللجنة بعرضه على جميع الأطراف (الحكام والمحكومين) للتصويت عليه. يتميز هذا الدستور بروح ثورية يكون فيها الشعب قادرا على فرض إرادته على محكوميه، والمثقفين الذين يرفعون مصاحف هذا النوع من الدساتير يذكروننا بفرقة (الخوارج) التاريخية، وهي فرقة إسلامية نضالية مخلصة لفكرة العدالة الإجتماعية إلى درجة التطرف.

السؤال الآن: هل عمان بحاجة إلى صياغة جديدة للدستور، تنتقل فيها من مرحلة دستور المنحة إلى فضاء الدستور التعاقدي؟ يجيب الكاتب العماني الدكتور عبدالله الحراصي في مقال منشور في مدونته بالقول: (لنضمن استقرار البلاد لا بد أن يوجد دستور للبلاد يشترك في إعداده الشعب العماني مع الدولة العمانية، وربما سأل سائل “ولكن يوجد النظام الأساسي للدولة، أليس هذا كافيًا؟” والجواب كما يرى كثير من العمانيين هو “لا، غير كاف” لأسباب عديدة يأتي على رأسها أن المجتمع لم يشترك في إعداده، وإشراك المجتمع في إعداد دستور بلاده هو حق أصيل لأي شعب. والدساتير التي تضمن الأمان هي الدساتير التي يشترك الجميع في إعدادها حتى تكون المسؤولية مشتركة، وحتى لا يتهم طرفٌ طرفًا آخر بأنه سبب الإشكالات مستقبلًا لعدم إشراكه في إعداد وثيقة البلاد الرئيسية).

وما ذكره الدكتور الحراصي يقترب كثيرا من قواعد تأسيس المجتمعات التي ذكرها عالم الاجتماع الفرنسي إيميل دوركهايم الذي يرى أن الوجود الاجتماعي ينتهض على ركزتين أساسيتين: الأولى هي وجود القانون أو الشريعة، والثانية هي المشاركة، فبدون مشاركة ينتفي حس الانتماء، وتتقلص فرص التماسك والتلاحم الاجتماعيين.

يمكننا القول بكثير من الثقة أن المشاركة في صياغة الدستور لأي مجتمع هي أمر فطري، يؤدي تعطيلها إلى فساد اجتماعي يمكن أن يتجلى في مظاهر كثيرة مثل الفساد الإداري والمالي والانشقاق السياسي والعسكري، وظهور التنظيمات السرية وعصابات الجريمة ومجموعات التخريب.

ونحن إذا ما حاولنا تحليل أسباب اعتراض بعض المثقفين العمانيين على فكرة الدستور التعاقدي سنجدها أسبابا ليست موجهة نحو فكرة “المشاركة” الشعبية، وإنما هو اعتراض على محاولة تقليص صلاحيات السلطان قابوس الذي كان -وما يزال- ليس رمزا للوحدة الوطنية العمانية فحسب، بل هو أيضاً شخصية حكيمة ومبدعة وقادرة على التجديد والعطاء والاستمرار في التنمية، بيد أن الأهم من هذا وذاك أن السلطان قابوس يحتل في الضمير العماني مكانة كاريزمية أقرب إلى الطوطم المقدس منها إلى الرمز الملهم، فمن الصعب على الشارع العماني القبول بخطاب يحاول تجريد هذا السلطان من صلاحياته مهما كان هذا الخطاب وطنيا، ومتطلعا نحو الديمقراطية والعدالة الاجتماعية.

الحلّ في تصوري يكمن في التوفيق بين النظريتين المطروحتين، ومحاولة شق طريق وسط بين الفريقين المتعارضين، حلّ يأخذ بمبدأ المشاركة الذي يطرحه “الخوارج الجدد” دعاة “الدستور التعاقدي”، كما أنه يستصحب فكرة المحافظة على صلاحيات السلطان التي طرحها “المرجئة الجدد”. هذا الحلّ ينطلق من مبدأ المنزلة بين المنزلتين الذي اعتمدته فرقة “المعتزلة” المعروفة في التاريخ الإسلامي بالحكمة وتغليب العقل.

هذا الحلّ يقوم على فكرة تشكيل السلطان –وليس الشعب- لجنة من حكماء الشعب وخبراءه تقوم بإعداد دستور جديد للبلاد، ويتم فيه تأكيد الفصل بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، ويؤكد على حرية الأعلام والتعبير عن الرأي، ومحاسبة المسؤولين عن الفساد ومعاقبتهم. كما يؤكد كذلك على رجوع المؤسسات السيادية مثل وزارة الدفاع والداخلية والخارجية والقوات المسلحة والاستخبارات إلى المسؤولية المباشرة للسلطان، ومن ثم يتم عرض الدستور على الشعب أو على ممثليه.

مع التأكيد على ضرورة المراجعة الدورية للدستور كل عشرين إلى خمس وعشرين عاما، لتجديد قواعد العمل الوطني برؤى جديدة تمثل استحقاقا للأجيال المتعاقبة، فنحن لا نملك الحق في صياغة طريقة حياة الأجيال القادمة، وإلا لكنا متسببين في جمود تاريخي لا يغتفر، كما أننا لا نستطيع ادعاء الإلوهية والكمال لكُتّاب الدستور، بحيث لا يجوز مراجعة ما قاموا بكتابته وتعديله، فالدستور ليس كتابا مقدسا، وإنما هو جهد بشري قابل للنقض والتعديل.

0 2570 11 مارس, 2011 العدد الثالث عشر, سياسة مارس 11, 2011

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.