التراث العربي

كتب بواسطة رشيد الخديري

من الشَّفَاهةِ إلى الرَّقْمَنَة

   التراث هو عنوان الوجود والهويّة، وكلُّ أمةٍ لها تراثها وذاكرتها، والأمة العربية لها تراثٌ مختلفٌ ومتنوع وضاربٌ في جذور التاريخ، لذلك وجَبَ الاهتمام بهذا التراث الدافق في أفق ترسيخه وتجذيره في الذاكرة، خاصةً أن هذا التراث في مخاضاته العسيرة ومحطاته المُتَشَعِّبَة، كان ولا يزال الملاذ الآمن للدراسين والنقاد والمبدعين، ينهلون منه ويسترفدون من معينه الذي لا ينضب.

    تلك محطات مضيئة في صيرورة الثقافة العربية، ولعلَّ التسريع بتدوينه رقمياً، أضحى مطلباً أساس، لاسيما أننا نعيش الآن في زمن التكنولوجيا والعولمة وتعدد وسائل الاتصال وآلياته. إن الانتقال من الذاكرة الطباعية/ الكتابة، وقبلها الشفاهة، إلى الذاكرة الرقمية، يبقى ضرورة ملحةً، بالنظر إلى قيمة هذا التراث وثرائه وخصوبته، رغم ما يعتري ذلك من مآزق وصعوبات، ومردُّ ذلك إلى تشعُّب مسالكه وشساعة دوائر اهتمامه، لكن ذلك لا يمنع من بذل جهود مضاعفةٍ، لكن السؤال الذي يتردد ويُطرح بقوةٍ، كيف السبيل إلى رقمنة هذا التراث؟ هذا سؤال متاهة، وفي تصوري، لابد أوَّلا من مراجعة كل ما كُتِبَ، والتَّحري فيما أُنتجَ، حتى لا نضيع في كنف الوهم، ثم نبدأ بنقل أمهات الكتب والمؤلفات في الأدب والنقد والفلسفة واللغة والموسيقا وغير ذلك، في ظل أننا نعاني من خصاص في هذا الباب، لكن هذا لا يمنعنا من القول أن تدوين التراث العربي في مراحله الأولى، نقصد بذلك الانتقال من الثقافة الشفهية إلى التدوين لم يكن بتلك السهولة، بل تطلب الأمر ردحاً من الزمن، ونظن أن نشر التراث إلكترونيا سيعم بالنفع الكبير على مستقبل أجيالنا اللاحقة، حيث يمكن تحويل المكتبة الورقية إلى مكتبة رقمية في ظرف وجيز، وهنا يظهر الحيز المكاني الذي سيمكن من تخزين المصادر، خصوصاً أن مجرد قرص صغير سيمكننا من حفظ مجموعة كبيرة من أمهات الكتب التراثية العربية، إلى جانب الحيز المكاني ستمكننا رقمنة الموروث العربي تجنب التكاليف الباهظة التي يتطلبها الكتاب الورقي، خصوصاً في ظل ارتفاع أسعار الورق وتدني نسبة القراءة في العالم العربي، إضافة إلى إمكانية تبادل المعلومة بمجرد نقرة صغيرة على الشابكة، بل يمكن المشاركة في تتبع تلك الكتب التراثية في جغرافيات بعيدة وأماكن متعددة، سواء البيت أو المقهى أو نادي الإنترنيت.

       يمكن القول في ضوء هذه الانشغالات نحو تدوين أمهات الكتب التراثية إلكترونيا، أننا نستثمر وسائل التكنولوجيا الحديثة في حيز ثلاثي الأبعاد، يهم تخزين المعلومة أولاً بالاعتماد على عدد هائل من الكتب التراثية، ثم الدقة في نشرها على نطاق واسع ثانيا، ثم استعمال المعلومة كخيار ثالث يمكننا من الاستفادة والإفادة، وحتى الآن لا توجد معايير محددة لنشر التراث العربي إلكترونياً، نظراً أن التدوين الإلكتروني يُعد شكلاً جديداً في الوسط الثقافي العربي، رغم أننا بدأنا نلحظ في السنوات الأخيرة طفرة نوعية في النشر الإلكتروني سواء المدونات الرقمية أو المواقع أو الشركات الإلكترونية أو المكتبات، مع أن هذه الوسائط ما زالت غير قادرة على استيعاب مصادر التراث العربي بأكمله، لكن مع ذلك تبقى جهوداً محمودة في سبيل حفظ هذا التراث وحمايته حتى يبقى شامخاً، ناطقاً بحضارتنا وهويتنا.

مصدر الصورة: https://2u.pw/ebw5c

أدب السابع عشر بعد المائة ثقافة وفكر

عن الكاتب

رشيد الخديري

اترك تعليقاً