أنتم

كتب بواسطة إبراهيم بن سعيد

المحمولون في سفينة نوح

هذه المرة

ورثة وديانها وبحار صحاريها وجيرة بحرها

في حواضركم الصامتة

ومعتزلاتكم الضاجة.

حَمَلة الروح الأثيرة

تلك التي تحكمني

وتتدفق فيّ

أنهار حياة.

أنتم ضياءٌ بشريٌ

أنزرع بين البحر والبر

تجذر في الأرض وطال في السماء

تسلق الجبال وسال في الأودية

ملأ الواحات وذرع الصحاري

حتى ينطفئ باشتعاله.

بكم تحولت أشجار الكيذا إلى نخيل

والآبار إلى أفلاج

تجوس أحشاء الأرض

حتى صارت الورقة غصنًا

والغصن جذعًا متينًا

يبحر في السماء.

أنتم وأنا معكم

كنا ولم نكن نحن

بل آخرين

أنجبهم البحر من التراب

والتراب أنجبهم من الجبال

والجبال أنجبتهم من السماوات

وعهدت بهم إلى الرمال

التي ربّتهم

حتى دفنتهم بنفسها.

كانت الجبال أمهاتنا

وكان البحر أبانا

وكنا نحن الرمال الذارية.

وقفنا على حد الحرف العربيّ

الغارز في البحر

ملوحين لكل مهاجرٍ منا

ستطوح به الأشرعة والرايات

في أصقاع الأرض.

ها نحن الآن

هبّت علينا الرياح

ونحن روح ترابٍ إنسانية

شغف أنفس

ولدت من صلوات صمتٍ وسكينة.

خطوة خطوة

من نهارٍ وليل

نسجتنا

حتى أدرك الزمن سرعة فناءهِ

وطول بقاء الأشياء.

كنا أمواجًا

يدفعها خضم التيار

في قلب الطبيعة

ترتطم مكابرةً بصدر البحر

وتعود إلى التراب.

أشجار مرجان بحري

عشب وأشجار جبلية

نخلٌ متشابك الجذور

موانئ ملتحمة بانصهار النيازك

تحولت إلى بشر

حيث الأجساد أسماء

والكلمات رموز غامضة.

ثم كرّت القرون

على عهدة دموية في الأجساد

تتخطفها الأقدار والحوادث

وهي تنجو

بدورة يد الغيب الساحرة.

عركتنا الحياة

وعركناها فسحة أمل صعبة

علقّنا في عروتها

خطام ركابنا ومراسي سفننا

ثم غرقنا

في مجيء وذهاب الشمس.

في آخر العمر سنغدو

سهولاً وبساتين

جبالًا ورملا ونارًا ومياه

لآخر لمعة من السراب في الأفق

مخلفين بضع صورٍ ضبابية

للذكرى.

شعرة ميزان روحية

داخلنا

لا تطالها يد ولا قوة

تحفظها ظلال السماء

وتزنها الأرض.

ونحن صاحَبنا حيوات كثيرة

مياهًا وشجرًا وحيوانات وجنًّا

اختصروا لنا في تجلياتهم

معنى الحياة

وارتفعوا بنا معهم

عامًا بعد آخر

للسماء.

ثم أصبحنا كتابة إلهية

في الحجر والشجر والكائنات

تقرأها وتتبع خطاها

الروح العاشقة.

مرّت طاقات حيوية

في أجساد كثيرة وفيزيائيات

دفعتنا كل عصرٍ

بإتجاه أفق غامض

لا يتضح معناه الكلي

إلا بعد دهور.

أقف على جبالكم

أرى شموس الماضي

أتأمل وأقرأ روح الأرض

عبر أجسادكم المتناسلة.

ها أنا ذا

صحبة أخوّةٍ وجودية

تسحرني

فتستيقظ في نخاعي الشوكي

رعشات عصبية

دفينة.

كنت نسيت نفسي

حتى صرت أتذكر بالنسيان

أنا الذكرى الآن

وفي النسيان بقائي.

غسلني موج البحر

هبت داخلي الرياح الرملية

حتى تجدد بالتفتت

وجودي.

الآن هنا

وكنت في مكان آخر

مسحني رمل النسيان

ووهبني دوران الأرض

ذاكرة جديدة.

ثم لم يبق جسم إنسان

اندثر جسدي

وسرت في عالمٍ روحاني

وكل خطوة وصول.

شجرة على البحر

بيذامة على الساحل

سدر في بطون الأودية

ونحن الظلال والثمر والأوراق

تظهر وتختفي.

من الظلال الغامقة

التي تشبه حبر الكلمات

كتبتُنا

كتبت نفسي ومحوتها بالنسيان

بذرت ذاكرة جديدة في رحم وجداني

والآن تذكرتكم أنتم

ربما جئت كي أعرفكم

وأكتب ما أعرفه.

أنتم السلاسل الجبلية التي تقابل البحر من جهة

والصحراء من جهة

أنتم حراس التيه

في رمل الربع الخالي

حيث ذهب الشعراء المعاصرون

ولم يعودوا.

أنا هنا أنتظرهم في ظفار وطائف هذه القصيدة

أجمع لآلئ دموعي اليمنية

وأنظمها أغنية

استعيد أبعادنا

جذورنا الجنوبية

جيرتنا الشمالية

شرق أيدينا وغربها.

كانت موانئكم يدًا أرضية ممتدة

جسر محبّة جبلية

وكان كل حدثٍ تاريخي

عبرةً للعارفين.

في رمل الربع الخالي

أقف واستعيد أعماقنا

أمّنا الأفريقية حيث عدنا نلوذ بأحضان الأمومة

مدارسنا الهندية

أنظمتنا الفارسية

فنوننا العراقية

وشبه جزيرتنا العربية

التي أكملناها ببحرين أرواحنا.

ما تشاركنا فيه

من دم ولغة وفن

ما جرحنا به أيدينا

وما عالجناها به.

وأنحني لذلك كله

لكل ما يكوّننا

ما محاه

وما كتبه الزمن.

ثم أعود رفرفة خيال

أحلامًا بهيجة غامضة

في قيلولة أطفال بدوٍ وفلاحين منسيين

تحت ظل عيدان الغاف والسدر

في أحلام صبية صيادين وبحارة

غافين في كهف الزمن

بدأوا يستفيقون جميعًا الآن

ويستفيق عالمهم بهم.

في المستقبل الغيبي

ستصبح آفاق الأساطير حقائق

 في الغد الذي يبدأ الآن دورته

بسرية لا يتوقعها أحد.

اكتب بحبر الهشاشة والشفافية

أقبض آثار النهار والليل القديمة

أرسم طيوف جبال هائلة

تظهر وتختفي

في أفق أبيض.

أسير حشد كائنات وأشياء

إبلًا ووعولًا وظباءً ومهًا وسيارات

على الرمال

آثاري ملجأ بذور دقيقة

طوّحتها الرياح الزمنية

ريثما يأتي ويوقظنا المطر.

كل الخُطا التي خطوناها

في سجلات الأرض

مثلما كانت تبتعد بنا

ها هي تعود الآن.

وأنا بقيتُ أسجل عودة خطاكم

نهوضها الغامض من رماد العدم

دخانها العائد إلى ناره ووقوده

حتى وجدتكم أنتم

مولين وجوهكم صوب وجوه الأرض

متأملين تيارات العصور

وهي تدفعكم في كل اتجاه.

ها أمكم الأرض

باللين والقسوة

بالشدة والحنان

تربيكم جيلًا بعد جيل

حتى تبلغوا

معنى الإنسان.

مصدر الصورة: https://2u.pw/CVxpq

أدب السابع عشر بعد المائة العدد الأخير

عن الكاتب

إبراهيم بن سعيد

اترك تعليقاً