(عبد/عباد/عبيد)

بين مآلات القرآن والتاريخ

شاع في الجمع الروائي/اللغوي أن معنى كلمة (عبد) هو المملوك أو الرقيق، وقد عرف الطاهر بن عاشور (ت: 1868م) العبد بأنه “الْإِنْسَانُ الَّذِي يَمْلِكُهُ إِنْسَانٌ آخَرُ بِالْأَسْرِ أَوْ بِالشِّرَاءِ أَوْ بِالْإِرْثِ”([1]) وهو التعريف الشائع في أعراف الرق التي ارتضاها الفقه وأقرها، والصواب أن كلمة (عبد) هو عكس ما جمعوه من لغو الناس وهيمنوا به على لسان القرآن المرتبط بحركة الكون والحياة، فالكلمة تدل على معنى الإنسان المنطلق في الحياة الذي كرمه الله ورزقه من الطيبات.

-1-

وردت كلمات “عبد، عباد، عبيد” في القرآن في مواضع  عديدة منها:

(قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا) مريم:30  

(وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) البقرة:186

(وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ) آل عمران:15

(ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ) آل عمران:182

الجذر “عَبَدَ” في القرآن في الآيات السابقة يدل على الإنسان المنطلق في الحياة، فعلاقة الإنسان بالله قوامها انطلاقته في الحياة بآياتها وسُننها، وفي الحياة الأخرى يحاسب الإنسان على أعماله (يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِّيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ، فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) الزلزلة: 6-8، الحياة الدنيا دار عمل والدار الآخرة دار جزاء، والإنسان في الدنيا يتفاعل مع أقدار الله، لا تصيبه صاعقة من السماء إن كسب ظلماً، بل يؤخر الله العباد إلى أجل مسمى، وهذا التأخير إلى أجل مسمى هو مدلول الانطلاق في الحياة بآياتها وسُننها: (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ) النحل:61 (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا) فاطر:45 .

ومن أظهر ما يدل على أن عبودية الإنسان لله هي انطلاقته في الحياة أنه سبحانه قد أعطى الإنسان حرية الاختيار في الإيمان من عدمه، وذم القرآن المنافقين الذي آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم:

(لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ) البقرة:256

(وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا ) الكهف:29

(إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا ) الإنسان:3

(إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللّهَ إِلاَّ قَلِيلاً) النساء:142

وبقراءة البنية الداخلية لكلمة “عَبَدَ” يظهر أن:

– العين؛ وهي مقدار معين واضح (متمثل في كيان الإنسان)

– الباء؛ بطبيعتها الانفجارية (تمثل ما يأتيه الإنسان من أفعال وأعمال)

– الدال؛ اتجاه ووظيفة الفعل

وبالتالي فإن كلمة “عبد” تمثل حالة انطلاق الإنسان في الحياة، وهذه الانطلاقة إن لم تهذب بمعايير أخلاقية (الرحمة، العدل، الانتهاء عن الفحشاء…) يمكن أن تكون مدمرة ما في طريقها.

 -2-

اتفقت كلمة المعاجم اللغوية على أهم معنى لكلمة “عبد” هو الرقيق، بحيث عد هذا المعنى هو الأساس الذي ترجع إليه بقية المعاني، ومن بينها العبارات القرآنية بـ(عبد الله، عِبَادِنَا)، حيث صار معناها يفهم من خلال علاقة المملوك بسيده في أعراف الرق. 

رغم شيوع معنى الرقيق المملوك لكلمة (عبد) في الجمع الروائي/اللغوي وفي الثقافة الشعبية وعده المعنى الأساس للكلمة إلا أن الجمع اللغوي لا يزال يحتفظ في باطنه بمعان أخرى لكلمة “عبد” أهيل عليها التراب ردحاً من الزمن:

1. معجم العين لمؤلفه الخليل بن أحمد: (العبد: الإِنسان حرًّا أو رقيقاً. هو عبد الله، ويجمع على عباد وعبدين. والعبد: المملوك، وجمعه: عَبِيد)([2]). الشاهد من النقل أن في الجمع اللغوي رأيين لمعنى كلمة “عبد” هما:

– الإنسان بإطلاق

– الرقيق المملوك

2. المحكم والمحيط الأعظم لابن سيده: (العبد: الْإِنْسَان حُرّا كَانَ أَو رَقيقا يُذْهَبُ بذلك إِلَى أَنه مَرْبوبٌ لِباريه جَلَّ وعزّ. والعَبْد: المملوك)([3]). وكذلك فإن ابن سيده يورد معنيين لكلمة “عبد” هما: الإنسان بإطلاق، ومعنى الرقيق المملوك.

3. لسان العرب لابن منظور: (الْعَبْدُ: الإِنسان، حُرًّا كَانَ أَو رَقِيقًا، يُذْهَبُ بِذَلِكَ إِلى أَنه مَرْبُوبٌ لِبَارِيهِ، جَلَّ وَعَزَّ… والعَبْدُ: الْمَمْلُوكُ خِلَافُ الْحُرِّ؛ قَالَ سِيبَوَيْهِ: هُوَ فِي الأَصل صِفَةٌ، قَالُوا: رَجُلٌ عَبْدٌ، وَلَكِنَّهُ استُعمل اسْتِعْمَالَ الأَسماء، وَالْجَمْعُ أَعْبُد وعَبِيد)([4]). وهو ذاته ما قاله ابن منظور في لسان العرب.

4. مقاييس اللغة لابن فارس: (عَبَدَ الْعَيْنُ وَالْبَاءُ وَالدَّالُ أَصْلَانِ صَحِيحَانِ، كَأَنَّهُمَا مُتَضَادَّانِ، وَالْأَوَّلُ مِنْ ذَيْنِكَ الْأَصْلَيْنِ يَدُلُّ عَلَى لِينٍ وَذُلٍّ، وَالْآخَرُ عَلَى شِدَّةٍ وَغِلَظٍ.

– فَالْأَوَّلُ الْعَبْدُ، وَهُوَ الْمَمْلُوكُ، وَالْجَمَاعَةُ الْعَبِيدُ، وَثَلَاثَةُ أَعْبُدٍ…

– وَالْأَصْلُ الْآخَرُ الْعَبَدَةُ، وَهِيَ الْقُوَّةُ وَالصَّلَابَةُ، يُقَالُ هَذَا ثَوْبٌ لَهُ عَبْدَةٌ، إِذَا كَانَ صَفِيقًا قَوِيًّا. مِنْ هَذَا الْقِيَاسِ الْعَبَدُ مِثْلُ الْأَنَفِ وَالْحَمِيَّةِ. يُقَالُ: هُوَ يَعْبَدُ لِهَذَا الْأَمْرِ. وَفُسِّرَ قَوْلُهُ تَعَالَى: “قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ”أَيْ أَوَّلُ مَنْ غَضِبَ عَنْ هَذَا وَأَنِفَ مِنْ قَوْلِهِ. وَذُكِرَ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ قال” عبدتُ فَصَمَتُّ “أَيْ أَنِفْتُ فَسَكَتّ)([5]).

يؤخذ من هذه الشواهد من الجمع اللغوي أن كلمة “عبد” تستعمل في معان عدة منها:

  • الإنسان بإطلاق؛ أي إنسان
  • –        بمعنى القوة أو الغضب أو الأنفة
  • الرقيق المملوك

والذي يظهر أن كلمة “عبد” كانت تطلق  في لغو الناس على الناس جميعاً، أو أنها استعملت لوصف الإنسان في أحوال الغضب أو القوة التي تعتريهم، لكن بشيوع أعراف الرق وهيمنتها على المجتمعات القديمة شاع معها استعمال كلمة “عبد” بمعنى الرقيق المملوك، وفسرت كلمات القرآن بناء عليها، وصارت هي الأساس الذي تفسر به علاقة العبد بربه.

-3-

ورد استعمال كلمة (العبد) بالتعريف في الآيات:

1. (وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ) ص:30

(وَخُذْ ضِغْثًا فَاضْرِب بِّهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ) ص:44

وُصِف الأنبياء: سليمان وأيوب بوصف (العبد) بالتعريف، وبدهي أنه وصف لا متعلق له بأعراف الرق، ومعناه الإنسان المنطلق في الحياة بقيم أخلاقية (نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ).

2. (ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً عَبْدًا مَّمْلُوكًا لاَّ يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ) النحل:75

الآية ضربت مثلاً بـ(عبد) والاكتفاء بهذه الكلمة يدل على الإنسان المنطلق في الحياة، ثم اتبعت الآية بوصفين اثنين هما:

– مملوكاً

– لا يقدر على شيء

وهذان الوصفان هما اللذان دلا على تقييد حرية وانطلاق (عبد)، فالعبد في أصل خلقته إنسان بإرادة حرة، فجاء أخوه الإنسان وامتلكه كأي متاع من الأمتعة، فصار لا يقدر على شيء.

3. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَان) البقرة:178

القصاص في القتلى قائم على العدل الذي جوهره الملاءمة: الحر بالحر والعبد وبالعبد، والفرق بين كلمتي (الحر) و(العبد):

  • أن كلمة “عبد” تعني الانطلاق في الحياة، وقد تكون هذه الانطلاقة مدمرة إن لم تهذب بمعايير أخلاقية.

– أما كلمة “حُر” فتعني صاحب الخيارات الواسعة في الحياة.

تشترك الكلمتان في تعبيرهما عن مجمل الحركة الإنسانية في الحياة في مواجهة ظروف الحياة، وتفترقان في كون كلمة “الحر” تعبر عن الإنسان ذي الخيارات الواسعة المتاحة له، أما كلمة “العبد” فتعبر عن الانطلاقة الإنسانية بشقيها الحسن والسيء، والفارق بين الكلمتين هو أن الدائرة الأوسع هي “العبد”، فكل حُر هو عبد، وليس كل عبد حر.

مثال (1):

(س) من الناس لديه وظيفة مرموقة ومستوى اجتماعيا راقياً؛ فهذا بحكم إمكاناته لديه خيارات واسعة في الحياة (حُر)، لكنه في يوم من الأيام ضرب شخصاً وأصابه إصابة بالغة، فهذا يقتص منه بحكم كونه (حُراً) أي يملك خيارات واسعة في الحياة.

مثال (2):

(ص) من الناس عضو في تنظيم يعتنق فكرة القتل العشوائي للناس، (ص) خاضع ذهنياً لأفكار التنظيم القائم على الطاعة المطلقة دون تفكير، ارتكب (ص) عدة جرائم قتل في فترة وجوده في التنظيم، يقتص من (ص) بكونه (عبداً) أي منطلقاً في الحياة وانطلاقته سبت دماراً وخراباً، لكن لا يصنف على أنه (حُر) لوقوعه تحت تأثير معنوي لأفكار لا مجال فيها للنقاش والتعقل.        


[1] الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير، ج14 ص224.

[2] الخليل بن أحمد الفراهيدي، العين، ج2 ص48.

[3] علي بن إسماعيل بن سيده المرسي، المحكم والمحيط الأعظم، ج2 ص25.

[4] محمد بن مكرم بن علي، لسان العرب، ج3 ص270.

[5] أحمد بن فارس، مقاييس اللغة ج4 ص 205-207.

مصدر الصورة: https://2u.pw/L5ACq

السابع عشر بعد المائة فلسفة مختارات الثقافة والفكر

عن الكاتب

خالد بن مبارك الوهيبي

اترك تعليقاً