“كم رئة للساحل… كتابات جديدة من العالم العربي”

كتب بواسطة هشام أزكيض

نصوص لخمسين كاتبة وكاتبا من تسع عشرة دولة عربية

بمناسبة اختيار الشارقة عاصمة عالمية للكتاب عام 2019م، وعن دائرة الثقافة والسياحة بإمارة الشارقة صدر كتاب ” كم رئة للساحل … كتابات جديدة من العالم العربي”؛ حيث وضع مقدمته كل من الشاعر البحريني قاسم حداد، والروائية العمانية جوخة الحارثي، وفي ثناياه نجد نصوصا قصصية وروائية وشعرية لخمسين كاتبة وكاتبا من تسع عشرة دولة عربية، يجمع بينهم من الناحية العمرية أنهم تحت الأربعين من العمر، كما أن بعضهم فاز بجوائز تكريمية من الشارقة التي تروم تشجيع كل سبل القراءة والكتابة والإبداع.

صحيح أن هذه الأسماء التي نطالعها في هذه الأنثولوجيا – كما صرحت الروائية جوخة الحارثي- ولدت عام 1980م، أو بعده، فهي امتداد طبيعي لحركة الحداثة الأدبية التي تأسست في المشهد الكتابي الجديد في العالم العربي، منذ ستينيات القرن المنصرم على الأقل، ورسختها أسماء أصبحت اليوم رموزا مؤسسة، مثل محمود درويش وأدونيس وقاسم حداد… في الشعر، وعبد الرحمن منيف وجبرا إبراهيم جبرا وزكريا تامر… في السرد .

فهذه التجارب الشابة التي نطالع نماذج منها ليست مجرد امتداد بل هي نبش، ومساءلة وتثوير للمشهد الكتابي الجديد في العالم العربي، وإعادة نظر مستمرة في إمكانات اللغة، وطاقات التعبير، وفي العالم والحياة والحلم والتاريخ… كما أن الغوص في تلك التجارب يؤكد تنوع القضايا، والهموم التي تعبر عنها نصوص هذه المختارات التي توحدها اللغة العربية التي وإن كانت لغة واحدة فإنها تبدي تنوعا، وتشهد حيوية.

فنحن إذاً، أمام إبداع أدبي عربي جديد، سواءً في الموضوعات أو في الأساليب، وهذا ما أكده قاسم حداد – في تقديمه الاحتفائي بالكتاب-، حيث يعتقد أن كل كتابة جديدة تستدعي بالضرورة قارئا جديدا، أو قراءة جديدة، فـ”منذ التفجرات الجديدة لجيل الحداثة الثالثة، أعلن الفتية العصاة – على حد تعبير حداد- عن رغبتهم، واستعدادهم وجدارتهم في عدم الامتثال لمقترحات ” الشكل” في الكتابة العربية، فكل تجربة جديدة تصوغ صوتها بالشكل الذي لا يتوقعه أحد، لا الكاتب ولا النص ولا القارئ. إنه ضرب من محاولة تحويل الرماد إلى ورد”.

لهذا، فمن ولد في نهايات القرن العشرين، فمن حقه – كما يقول حداد – أن يرى شؤون الحياة والعالم كما يروق له، و”ظني أن الشأن الأدبي والفني والكتابة خصوصا هو شأن لا يقبل ولا يليق به التقليد، بحكم أن كتابة الأجيال الجديدة كلما تغيرت، واختلفت عن ومع سابقيها، صارت التجربة أكثر جرأة في ابتكار سبل التعبير الصادق عن ذواتها. ولهذا فنجاح الدرس السابق – كما يحلو لحداد – إذا كان ناجحا فإنه يتمثل في كون لاحقيه لا يشبهونه، لأنهم تحرروا من تقليده، إذ “من حق الكاتب الجديد عدم اعتبار العادة (عبادة)، فليس من الحكمة ( متابعة الرب القديم)، لكن دون التفكير، والسعي لابتكار آلهة جديدة”.

في علاقة النصوص القصصية والروائية والشعرية – التي يزخر بها هذا الكتاب – بالقارئ، فيمكن القول  بأن هناك قارئا جديدا، سيجد لا محالة في تلك النصوص كتابة جديدة، وهي في عمقها “حرة”؛ حيث استطاع القائمون على تلك المختارات ملامسة التجربة الأدبية العربية الجديدة، واقتراح سكة مختلفة لعربات الكتابة الفتية التي تتسم بالحضور للمعرفة في النص الجديد، وهذه المعرفة هي بالأساس فعل جمالي، يحرر اللغة من بلاغيتها التقليدية، ويصقل طاقة الحلم اللغوي فيها، ويجعل الشعر شامل النظرة، وعميق الرؤية وفعالا؛ بعيدا عن “ضجيج الخطاب السياسي”. وهذه “الكتابة الحرة” أيضا  لم تعد تتحرك من داخل سياجات مؤسسة على ما هو سياسي أو إيديولوجي؛ مادامت تتجه نحو ما هو جمالي وإنساني، وهذا هو المطلوب والمحقق فيما بين دفتي كتاب” كم رئة للساحل … كتابات جديدة من العالم العربي”.

معلوم أن الثقة في موهبة الكاتب الجديد – كما أشار قاسم حداد في مقدمة الكتاب-  محقَّقَة، بشرط أن يثبت الكاتب نشاط مخيلته الخارقة في نصه الجديد، دون محاكمته على تخوم النوع التعبيري الذي يقترحه، مادامت “الهرطقة الأدبية – مثلا- أسلوبا أدبيا من شأنه أن يخرج على تقليد التراث وينقضه، لأن من حق الكاتب الجديد أن يعبر عن نفسه بالأشكال المختلفة، عما اعتاده السابقون في سبل التفكير الموروث، والتخيل الأدبي المتعارف عليه وتقليديته”.

المطلوب في تلك المختارات من الكتابات الأدبية تحقيق نظرة الشعرية للكتابة الأدبية، كما صرح قاسم حداد، مادام “المزج  الذكي بين النصوص الشعرية والنصوص السردية، اقتحام فاتن للتخوم التي أدمنتها النظرة النقدية لتجارب الشباب”، وتلك المختارات لا تزعم أنها تقدم بالضرورة أفضل ما كتب هؤلاء الشباب والشابات، فمعظم النصوص اختارها أصحابها لتقدم لمحة عن تجاربهم، فهي “تمثيلات” لكتابة لا “اختزالات نموذجية” لها. لكن الغاية العظمى من تلك المختارات كما جاء في السطور الأخيرة من مقدمة الكتاب” أن يجد القارئ العالمي في هذه المختارات أصداءً للقيم الإنسانية المشتركة التي تضمنا جميعا – نحن بني البشر- كما يجد فيها خصوصية العالم السردي، وفرادة اللغة الشعرية”.     

أدب السابع عشر بعد المائة العدد الأخير

عن الكاتب

هشام أزكيض

اترك تعليقاً