شهداء المسيحية في الإسلام: العنف الديني وتشكُّل العالم الإسلامي

Avatar
كتب بواسطة مصطفى الفقي

المؤلف: كريستيان سانير

أستاذ التاريخ الإسلامي بجامعة أكسفورد

مراجعة: ستيفين شوماكر

أستاذ الدراسات المسيحية بقسم الدراسات الدينية جامعة أوريغون

منشورات دار بريل

ترجمة: مصطفى الفقي

في هذا الكتاب، يقدّم لنا كريستيان سانير دراسة مميزة لموضوع مهمل منذ زمن طويل غير أنه مهم للغاية: العودة المفاجئة لعصر الاستشهاد المفاجئ والخطاب حول الاستشهاد بين مسيحيي الشرق الأدنى بعد ظهور الإسلام في القرنين الثامن والتاسع الميلاديين. وعلى الرغم من بعض الاقتضاب الملحوظ، إلا أن الكتاب يكاد يكون معالجة شاملة في تحليله لهذه الظاهرة، كما أنه يعرض النصوص ذات الصلة وأسماء الشهداء الورادة بها وفقا لفرضيته التي تسعى إلى تفسير ظاهرة عودة الاستشهاد وفق الظروف الاجتماعية والدينية المتغيرة. وبحسب منهج التناول الخاص بالدراسة، فإن الكتاب يقدم حجاجا ناجحا ومقنعا. ورغم ذلك، ثمة بعض الاضطراب الذي يشوب التفسير المختار لهذه الظاهرة، وبإمكان المرء أن يقرأ الأدلة التي يقدمها الكتاب قراءة مختلفة إلى حد ما عن تلك التي قدمها سانير.   

يستهل سانير البحث بتوصيف موجز للظاهرة محل البحث قبل أن ينتقل سريعا إلى الأطروحة التي تهدف إلى “تتبع حالة المد والجزر في المشهد الديني والثقافي في الشرق الأوسط بعد الفتح العربي” مستخدما تلك النصوص. يلاحظ سانير أن حالات الاستشهاد المسيحية لا تعاود الظهور مرة أخرى إلا بعد ما يقرب من قرن من الزمان بعد أن غزا أتباع محمد الشرق الأدنى، ويسعى إلى تفسير عودة ظهور الشهداء في القرن الثاني الهجري. مؤكدا على أن الاختلاف الحاسم الذي اتسم به هذا العصر هو أنه “في هذا العصر، بدأ المسلمون والمسيحيون في التفاعل مع بعضهم البعض كأعضاء في مجتمع مشترك ومندمج بشكل متزايد، بدلا من ثنائية الحكام والرعايا في مجتمع منقسم طبقيا واجتماعيا كما حدث في أعقاب الفتوحات مباشرة. فقد بدأت الفروق التقليدية بين المسلمين والمسيحيين –مثل: عرب وغير عرب، جنود ومزارعين، مدينيين وقرويين- في الذوبان أوائل العصر العباسي. وقد نتج عن هذا العالم المشوش مخاوف جديدة بشأن

 التمايز الاجتماعي والديني، مما أدى إلى مستويات أعلى من عنف الدولة”.  

تحلل الفصول الثلاثة الأولى من الكتاب النصوص المختلفة وفقا لهذه الفرضية، متبنيا مقاربة ميثودولوجية يسميها سانير بـ”الوضعية النقدية”. وكما يوضح سانير، فإن من الوضعية النقدية أن نفترض أن النصوص ذات الصلة ليست مجرد بُنى أدبية منفصلة عن الحقائق التاريخية، بل هي تشهد في الواقع على مستوى ما من الأحداث التي وقعت في الماضي. إذن، لا تتعاطى هذه المقاربة مع السرديات ببساطة على ظاهرها وتخضعها لتحليل تاريخي نقدي دقيق من أجل تحديد ما يمكن اعتباره سردية محتملة تاريخيا. إنها مقاربة رصينة وجيدة التنفيذ في الكتاب، وهي مقاربة أتفهمها كثيرا، على الرغم من أنني أعلم أن بعض القراء المحتملين يصرون على مزيد من القراءات الأدبية البحتة للنصوص. وفي الواقع، كثيرا ما يكون سانير متفائلا بشأن قراءة الأحداث الفعلية من خلال هذه النصوص. ومع ذلك، فإن حجاجه القائل بأن حالات الاستشهاد هذه ذات طبيعة مختلفة وتنتمي إلى سياق مختلف عن عصر الاستشهاد المسيحي القديم، وهو ما يغري بقراءة أدبية أكثر صرامة، هو حجاج جيد ومناسب في رأيي.   

تعرض لنا الفصول الثلاثة الأولى من الكتاب الشهداء وحالات الاستشهاد في هذه الفترة بطريقة منهجية إلى حد ما، وتجمع مناقشاتهم معا وفقا للموضوع. يتناول الفصل الأول الشهداء الذين لاقوا حتفهم لأنهم اعتنقوا الإسلام ثم عادوا إلى الإيمان المسيحي مرة أخرى. ويمكن للمرء أن يتصور وجود الكثير من هؤلاء الأشخاص في تلك الفترة، وكما يلاحظ سانير حقا، فمن المرجح أن عددا قليلا جدا من هؤلاء أصبحوا شهداء في الواقع. ومع ذلك، تسمح لنا هذه الحالات الاستثنائية بالوقوف على ظاهرة غير مرئية إلى حد كبير تعود إلى هذه الفترة. ويتناول الفصل الثاني قصص الشهداء الذين كانوا مسلمين في الأصل ولكنهم اختاروا التحول إلى المسيحية. وفي هذا الفصل، كما في الفصل الأول، كثيرا ما يتم التركيز على بزوغ الشريعة الإسلامية فيما يتعلق بأحكام الردة. ليس من الواضح تماما كيف نظر المسلمون الأوائل إلى أولئك الذين تخلوا عن دينهم، ولكن المؤلف يبين كيف ظهرت عقوبة الإعدام بحق المرتدين في هذه الفترة، مع توظيف حالة هؤلاء الشهداء المسيحيين كدليل رئيسي على هذا التطور. وفي الفصل الثالث، ينتقل الحديث إلى حالة مختلفة من الاستشهاد، وهي الحالة التي ينخرط فيها الشهيد بنشاط مشجعا على إعدامه من خلال الطعن العلني في الإسلام ونبيه. تدعو هذه الحالات إلى التفكير أيضا في تطور أحكام الكفر/ التجديف المبكرة. ثم يركز الفصل الرابع على الإجراءات القضائية والإعدام الموصوف في حالات الاستشهاد محل البحث، ويجدها متفقة نسبيا مع ما نعرفه بطريقة أو بأخرى عن الممارسات الإسلامية المبكرة.

وفي الفصل الخامس والأخير، يجمع المؤلف بين بعض البيانات المعروضة في الفصول الأربعة الأولى، محاججا بأن حالات الاستشهاد هذه كانت تهدف بسبل مختلفة إلى الرد على تهديد مُتخيَّل لأسلمة المجتمع المسيحي وتحديد الطرق المختلفة التي يعملون بها لمواجهة التحولات المسيحية إلى الإسلام. عند هذه النقطة، يستدعي سانير أيضا نموذجا لدراسة أكثر تطورا عن الاستشهاد المسيحي في بدايات إسبانيا الإسلامية تفترض وجود انقسام داخل المجتمعات المسيحية في الشرق الأدنى في العصور الوسطى بين “متكيفين” و”مقاومين”. لا شك أنه كان هناك الكثير من المسيحيين، وخاصة في المناطق الحضرية وبين النخب المجتمعية، الذين سعوا قدر الإمكان إلى مسايرة الإسلام وإيجاد تسوية مؤقتة. ومع ذلك، قاوم مسيحيون آخرون بشدة أية تسوية مع هؤلاء الكفار الجدد، وهذا هو المنظور الذي تم التعبير عنه في قصص الاستشهاد وقتئذ. أخيرا، يلاحظ سانير أن المسيحيين الخلقيدونيين والملكيين كانوا نشطين بشكل خاص في إنتاج قصص الشهداء والاستشهاد خلال هذه الحقبة. ويقترح المؤلف أن هذا التوجه ناتج على الأرجح عن حقيقة أن هذا المجتمع، الذي كان يتمتع بقدر معين من النفوذ من خلال ولائه للكنيسة الإمبراطورية الرومانية قبل الفتح الإسلامي، قد استجاب للتغيرات الجذرية في ظروفه من خلال سردية الاستشهاد أكثر من الآخرين.

وفي الخاتمة، فسّر سانير بسرعة الأدلة التي قدمها على حالات الاستشهاد  وفقًا لفرضيته: أن بروز مسألة الاستشهاد مرة أخرى في القرنين الثامن والتاسع يرجع إلى تغيرات الظروف الاجتماعية في الشرق الأدنى. ويقول سانير إن حالات العنف ضد المسيحيين تتفق تحديدا مع “اللحظة التي كان فيها المسلمون وغير المسلمين يتصلون ببعضهم لأول مرة ويتنافسون كأعضاء في مجتمع متكامل ذي انقسامات رأسية، وليس كطبقة حاكمة من الغزاة وقاعدة معقدة من دافعي الضرائب ذات انقسامات أفقية …. في هذا العالم، كان الاحتكاك والمنافسة بين المسلمين القدامى والمسلمين الجدد وغير المسلمين في ازدياد ولابد أن يكون لهذا تأثيرا مزعجا على النظام الاجتماعي. ويبدو أن هذا أدى إلى نشوء مخاوف جديدة بشأن التمايز الاجتماعي والديني، وربما أدى ذلك بدوره إلى مستويات أعلى من العنف”.

ومع ذلك، على الرغم من أن هذه الفرضية مثيرة للاهتمام، إلا أنني أعتقد أن التفسير الأقرب لزيادة اضطهاد المسيحيين بداية من القرن الثامن يرجع في المقام الأول إلى تغير الحدود والهويات الدينية، وليس الاجتماعية. شهد مطلع القرنين السابع والثامن، كما يلاحظ سانير، تحولا كبيرا في المجتمع الديني الذي أسسه محمد. بداية من عهد عبد الملك (685)، كانت هناك تحركات لتحديد هوية أتباع محمد بشكل أوضح كإيمان ديني جديد ومتميز يرتكز على اللغة العربية والهوية والجغرافيا المقدسة والنبي العربي والنص العربي منقطع النظير. قبل تلك الحقبة، يبدو أن الحدود الطائفية بين أتباع الأديان التوحيدية المختلفة في الشرق الأدنى في القرن السابع كانت أكثر مسامية وغموضا. وأعتقد أن هذا التغيير الديني داخل الطبقة الحاكمة، وما نتج عنه من تمييز واضح بين المسلمين والمسيحيين، كان على الأرجح هو الدافع لتجديد عصر الاستشهاد، وليس التحول من الانقسامات الاجتماعية الرأسية إلى الأفقية. في الواقع، كنتيجة لهذه التطورات الدينية، أود أن أجادل بأن موقفا سابقا ساد فيه قدر أقل من الاختلاف والإقصاء بين الجماعات الدينية المختلفة قد تغير إلى موقف أدى فيه التفاضل الديني إلى نشأة هيراركية اجتماعية جديدة لم تكن فعّالة في القرن السابع. يعترف سانير بهذه التطورات الدينية بالتأكيد، وهذا هو سبب قولي أعلاه إن تفسير سانير الاجتماعي – التاريخي يشوبه بعض الاضطراب.

أخيرا، أختم بما أراه الخلل الأهم في هذا الكتاب المميز. في حين أنه من الظلم دائما أن تنتقد مؤلفا بسبب كتابة الكتاب الذي أراد أن يكتبه بدلا من الكتاب الذي يحب المراجع أن يراه، لا يسعني إلا أن أشير إلى بعض الإغفالات المهمة التي كان من شأنها أن تجعل الكتاب أكثر فائدة. إن حالات الاستشهاد في تلك الفترة ليست كبيرة لدرجة أنه لا يمكن استقصائها بشكل أكثر شمولا. صحيح أن كل حالة ذات صلة بالموضوع تعبر مهمة، إلا أن هناك حالات أهم من حالات أخرى. وفي هذا الصدد، أود أن أذكر بشكل خاص الشهداء العشرين لدير مار سابا (ت. ٧٩٧) والشهيد الجديد رومانوس (ت. ٧٨٠). وعلى الرغم من أن سانير ذكر كلا الحالتين في عدة مواضع، إلا أنه لا يولي اهتماما لقصص استشهادهم المميزة. وذلك أنهم، على الأرجح، لا يناسبون المجموعات الثلاث التي استخدمها في تحليله. ومع ذلك، فإن هذا هو السبب، في رأيي، في أنها تستحق عناية خاصة: بسبب حقيقة أنها تختلف عن حالات الاستشهاد الأكثر شيوعا في هذا العصر مما يجعلها تتطلب تحليلا أعمق. وبالمثل، فإن تدوين هذه المرويات في دير مار سابا بواسطة ستيفن منصور يجعلهم أكثر أهمية، كما أعتقد، في هذا النقاش.

ومع ذلك، فإن أكبر خلل (ما لم يكن فاتني الأمر) هو قصة المسيحي العربي مجهول الاسم في سيناء والذي جاء ذكره عند أناستاسيوس السينائي (وهو مصدر يعتمد عليه سانير بانتظام). فعندما غزا المسلمون المنطقة، قرر هذا الرجل أن يلقي بنفسه من أعلى جبل سيناء بدلا من مواجهة الإكراه على اعتناق العقيدة الجديدة للعرب. فتعنّفه زوجته بسبب أنانيته وتخليه عنها وعن أطفاله وتطلب منه أن يقتلهم أولا. يقتل الرجل عائلته ثم يقفز من أعلى جرف ليحيا في النهاية ويلقى ترحيبا جماعيا من قبل شهداء سيناء وهو يقوم من جسده. ربما نعثر في هذه القصة الشهيدة الأنثى الوحيدة من تلك الفترة، حيث اختارت الزوجة الموت بدلا من اعتناق الإسلام قسرا، وكذلك الأسئلة المعقدة للغاية المتعلقة بالإكراه الديني. من المحبط حقا ألا نرى كيف كان من الممكن أن يفسر سانير هذه القصة، وهي إحدى أكثر القصص غرابة عن العنف الديني في العصر الإسلامي المبكر.  

السابع عشر بعد المائة ثقافة وفكر سينما وأفلام

عن الكاتب

Avatar

مصطفى الفقي