قوس قزح صنّاع الأعالي

كتب بواسطة إبراهيم بن سعيد

مجموعة صنّاع الأعالي للشاعر زاهر الغافري

صدر مؤخرًا للشاعر العماني زاهر الغافري مجموعة جديدة (صنّاع الأعالي) عن دار خطوط وظلال، عمّان ٢٠٢١، وتأتي هذه المجموعة الأخيرة في تدفق سنوي متصل منذ مجموعته (في كل أرضٍ بئر تحلم بالحديقة) مجلة نزوى، مسقط ٢٠١٨م.

 زاهر الغافري الذي ابتدأ النشر عام ١٩٨٣م بأولى مجموعاته (أظلاف بيضاء) ثم تتالت مجموعاته الشعرية الأخرى بانقطاعات طويلة نسبيًا فيما بينها تقارب الستة أعوام أحيانًا، فما الذي يدفع صاحب عزلة تفيض عن الليل، ١٩٩٣، لهذا الفيض المتعاقب في النشر، وهل بإمكان هذه المجموعة الأخيرة أن تقدم لنا إجابة ما؟

تنجز (صنّاع الأعالي) بصدورها هذا وعدًا سلف ذكره في كتابه السالف (حجر النوم)، دار العائدون، عمّان ٢٠٢٠، والذي احتوى نصوصًا من هذه المجموعة، ومختارات أخرى بعضها لم تنشر من قبل، وحمل في غلافه الأخير وعدًا بمتوالية أعمال ومجموعات شعرية وسيرة ذاتية، من المتوقع صدورها تباعًا للشاعر المعتق صاحب أزهار في بئر، دار الجمل، ٢٠٠٠.

يعد صوت الشاعر زاهر الغافري صوتًا متفردًا في خضم تجارب الشعر العربية المعاصرة، ومن سنحت له الفرصة ليصغي إلى الشاعر وهو يلقي قصائده الشعرية بصوته وأسلوبه يصاب فورًا بسحرِ وجمال الكلمة الشعرية في الفم، كأنه حين يقرأ كل كلمة يقبّلها حتى تخرج من فمه متورّدة:

هناك أصواتٌ أتتني على ظهر الأبدية

أقاسمها حياتي.

ص١٥، صنّاع الأعالي.

 وذلك يرجعنا لما قاله مرة أوكتافيو باث: لا تأتي فرادة الشعر الحديث من أفكار الشاعر أو مواقفه، بل تأتي من صوته، من نبرة صوته ولكنته، إنه التنغيم الذي لا يمكن تمييزه، ولكنه مما لا يمكن الخطأ به، وهذا ما يجعله (آخر). ص١٢٣، الشعر ونهايات القرن، ترجمة ممدوح عدوان.

قارئ مجموعة صنّاع الأعالي سيعثر على شاعرها منذ القصيدة الأولى “استيقاظ” محاصرًا، على باب الجحيم، كأنه مدفوع باتجاه حتمي، عاصفة وشيكة بتعبير المجموعة، والشاعر من هناك يعالج الحتميّ بقصائده:

استيقظ على باب الجحيم سكرانًا من الأسى

من هذه الدودة العمياء التي تأكل ماضيّ. ص٥

وهذا الماضي حاضر بقوة في هذه المجموعة للشاعر الذي غدا الآن في ستينياته، لكن هنا في الزمن الشعري واللحظة التي حتى لو سافرت، لن تموت:

لن تموت اللحظة حتى لو سافرت

حتى لو قيل لي أنها تغادر

ولن تعود

فأنا أعرف أنها مشدودة بحبلٍ سريّ

يربطها بهنا والآن

كي نعيد معًا غزالةً إلى غابة

ثم نزرع عظام الميت فوق المنحدر. ص١١

اللحظة التي سافرت ولن تموت تقودنا للماضي كذلك، لكن الماضي مرتبط بهذا الحاضر، وتلك اللحظة تحديدًا سترافق الشاعر ليعيد الغزالة إلى الغابة، ويزرع عظام الميت، كالبذور، بدفنها تحت الأرض، ونحن قد لا نعرف جزمًا من هو الميت المزروعة عظامه على المنحدر، لكننا نعرف هذه القصيدة التي تحيي لحظة في الزمن، ترفع الماضي بعين خبيرة، تغسل لحظة بعينها وتضعها في مياه القصيدة.

إثرها يغدو الماضي صقيلًا كمرآة، ذلك أن الشاعر كما يبدو كان يخزن ذلك الحاضر القديم في أقبيته، وها هو يعيد إخراجه في الحاضر قصيدة هي قنينة نبيذ:

هل تتذكر الأغنية ذات الزوايا الحادة

عندما فتحت قناني النبيذ واحدة تلو الأخرى

كأنك كائن مسحور بالطوفان في بلد العجائب. ص٤١

الأغنية ذات الزوايا الحادة هي هذه القصيدة المسكونة بالملائكة:

هل هو الملاك الذي يحرس البيتَ عندما

يشرق الموت من نافورة الحديقة. ص١٧

قصائد زاهر الغافري معروفة بكثرة الملائكة كأنها أعمال مايكل أنجلو، حتى أن مجموعته الشعرية الصادرة عن دار الجمل عام ٢٠٠٨ حملت عنوان كلما ظهر ملاك في القلعة، ها هو الشاعر الآن يصحب ملائكته وقصائده ويبلغ هذه الضفاف:

في الأزقة التي آوتنا قرب ضفاف دجلة

مَن أنتِ وكيف يحدث أن يعودَ الفجرُ ملطّخًا بالطحالب

صوتُ مَن منَ الملائكة يتحدث معي

كي أغيب في النهر بحثًا عن مفاتنكِ الأولى

كما لو أن لمسةً من يدكِ تدعوني

إلى طيفٍ ماثلٍ خلف الشجرة.

الألم الآن يقفز كالنسناس

في عظام الماضي

حتى يستقر في هذه الضفاف. ص٣١

هذه الضفاف بناها الشاعر بقصائده على مجرى نهر الزمن، لحظة الماضي الحاضرة، المسبوكة قصائد، لكنها لحظة إنسانية، لا يسكرها الأسى وحسب، بل هي يتذكر بألم كذلك:

أذكر أنني كنت شابًا يسافر في

منتصف الألم تتلقفه جهات العالم كلها.

لا بد أنني أضعتُ المفتاح في مكان ما

في الطريق

لا بد أنني أضعتُ ما كنت أترجاه بالأمس. ص١٥

ما سبب هذا الألم الآنيّ، صنيعة من هذا الألم الذي يسكن في عظام هذا المنحدر وهذه الضفاف:

بأيدينا، بأنفاسنا نصنع الألم حتى لا يراه أحد. ص٧

إنها لحظة صمت أليمة يكثفها الشعر ويستقطرها قصائد:

لا تكلم أحدًا في هذه الأيام يكفيك الحبر حتى تخوض في الوديان

يكفي أن تلعب بالحجارة لتستقطر الصمت.. ص٨٤

بالحبر والكلمات، ينزف الشاعر ألمه ودمه الجماليّ هذا، فنّه ولوحاته، وهذه الكلمات هذه الكلمات، هي المرض وهي العافية:

أسير وأنا أخاطب الأبدية

كي ترأف بي،

بهذا الذي ودّع الكلمات

وصار يلعب بالسكين والحجر.

مرض، الكلمات مرضٌ يقول لنفسه. ص٢٥

لكن داخل القصائد جرس مستمر خافت وواضح، يعيد تذكيرنا بالعاصفة الرهيبة الوشيكة الحدوث:

هل هذه رحلتي الأخيرة لأن العاصفة

وشيكة والموجة قادمة

وأنا كالأعمى أكاد أزحف منذ قرون

لأودع كلماتي الأخيرة على صخرة

تشرب من الينبوع. ص٦١

ماذا سيصنع الشاعر إذًا أمام هذه العاصفة الرهيبة، ماذا بيده قبل أن تأتي اللحظة التي نظل العمر نتهرب منها، متجاهلين وجودها السافر، ماذا بيده:

قبل أن يسرق الموت اللؤلؤة ويسدل ستائر الماضي. ص٧٤

ليس الشعر تسلية جوفاء، مقروءة لملء أوقات الفراغ، أنهار دموع داخل الشعر، لكن الشاعر يقطرها من عيني قصيدته، بهدوء، بروية تدرك ثمانتها، وضيق مجرى الدموع، يرفع الحياة بعينيه السابرتين وينحني عليها بدأب ويدي شاعر، جسده مجدافه.

ها يهيئ الشاعر نفسه، لهذه المحطة، يواصل مهمته بجسارة وشجاعة شعرية يكمل كلامه وقصيدته لكن بفمٍ مختلف، آخر:

تكلم بفمٍ يرحب بالعميان والموتى

نجوم كثيرة تعبر هذه الصحراء

عجلات القطار تمضي إلى المحطة

التي لا يعود منها أحد

هناك ينبغي انتظار الماذا والأين؟

هناك تضرب الشوكة المسمومة قلب المسافر

الذي لا ينام. ص٩٠

يهيئ الشعر شاعره بطريقته الخاصة حتى يجعله ندًا لتهديد الموت الوجودي:

اذهب وعندما تعود أريدك

أن تبدو أنيقًا كما يتأنق الرسل أمام الموت. ص٧٤

لا ينهار الشاعر أمام الموت، بل يصعد به جبل روحه، يعرف كيف يهيئ قلبه وجسده، على رأي رينيه شار: لا تثير الشاعر انطفاءة الموت الشنيعة، ولكنه، واثقًا بلمسته الخاصة، يحوّل كل شيء إلى وبر ممتد. ص٦٥ ترجمة شاكر لعيبي.

مجموعة صناع الأعالي مجموعة شعرية كشاعرها، تعتَّقَ شعرها حتى راق وسال قصائد، ليس الكتاب إلا جسدًا من أجسادها المتعددة، تلك التي تسكننا حين نقرأها لأنها خرجت حارقة من صدر شاعرها، مجموعة شعرية تعالج الموت ليس كموضوع أدبي بارد يناقش في الندوات والصالونات، بل كحرقة وجودية صعبة، مواجهة شائكة ومخيفة، ليس هيّنًا حتى مجرد الكتابة عنها، لكن ها هو الشاعر المخضرم ينجز لحظته الشعرية، ويرفعها بالصحة قوس قزح في صنّاع الأعالي:

هذه الدمعة لن تخسر شيئًا

لأن العين لم تعد ترى

ثم أن الدرب اختفى حين وصلنا

وعلينا الآن أن نبتكر قوس قزح

لنجمع الأموات. ص٩٢

مصدرالصورة:https://2u.pw/ePBQP

أدب السابع عشر بعد المائة ثقافة وفكر

عن الكاتب

إبراهيم بن سعيد

اترك تعليقاً