ساراماغو ولعبة التخيل القص الأسطوري

Avatar
كتب بواسطة سريعة سليم حديد

في لعبة الصراع الأسطوري منذ الأزل صراع الموت والحياة تغلب الخطيئة لتثبت نفسها على أرض الواقع المر وتكون سبباً في تغيُّر دفَّة الحياة لتتجه إلى الدرك الأخير من تفريغ الإنسان من إنسانيته وتصبح لعنة متوارثة منذ القدم على أجنحة الروايات المتضاربة في شتى العصور.

رواية: قايين، للكاتب (جوزيه ساراماغو). ترجمة الدكتور: صالح علماني. هي حكاية صراع أخوي، تنتهي نهاية مفجعة، تسير الأمور على غير ما يرام. يمتدُّ بها الخيال بعيداً عارضة قوالب قصصية بإضافات غير مطروقة، كل هذا وفق كشف عن قناعات تخالف ما سبق، وتضفي جوَّاً على عالم القصص الدينية المقارب للذاكرة الجمعية من جانب، والمخالف لها من جانب آخر.

منذ النظرة الأولى إلى الغلاف تستوقف المشاهد تلك القدم التي تبدو، وكأنها تهوي من السماء على جسد الرجل الهارب منها، وتعرض حياته القاسية الرازحة تحت وطأة العذاب والقسوة والمتاعب التي فطر عليها، والقدر الذي أجبره على مغادرة منزلته العالية ليسقط على الأرض وينال ما ينال من العذابات.

ومن خلال ضبابية اللون الرمادي المشبع بالأزرق الغامق، وتلك الخطوة الهارية التي يخطوها الإنسان نحو المجهول، يتبيَّن لنا مدى معاناته في صحراء حياته القاحلة المرهقة.

 وعلى الوجه الآخر للغلاف تربَّعت عدَّة مقاطع منها:

(وعلى الرغم من كل شيء، فإن هذا الإنسان المطارد الهائم على وجهه، والملاحق بخطواته نفسها، هذا الملعون، قاتل الأخ، كانت لديه مبادئ طيِّبة، لا تتوافر إلا لقليلين.

بعد خمسين سنة ويوم واحد من تلك المداخلة الجراحيَّة الموفقة التي بدأت معها حقبة جديدة من جمالية الجسد البشري، تحت الشعار المتساهل بأن كل شيء فيه قابل للتحسين وقعت الكارثة).

بهذه الأسطر نلمح ملخَّص فكرة الرواية التي ترفد العنوان، فتوجِّه القارئ إلى النظر نحو العمق التاريخي إلى الأصل الذي نبعت منه الجريمة، إلى ساحة الظلم وبؤرة الصراع البشري.

 تبدأ الرواية تسرد حكاية مخالفة حواء لأوامر الإله، أكلت التفاحة، وأغرت بها آدم أيضاً. فمنذ عقاب الخروج من جنَّة عدن، وعدم الاقتراب منها، بدأ الإنسان يسير في عالم الشقاء والمتاعب، قطع كل واحد منهما مسافات شاسعة من الأرض بحثاً عن الآخر، وعندما التقيا تغيَّر وجه الزمن، فباتت الحياة أكثر تأقلماً وأنساً مما كانت عليه سابقاً.

بين أيدينا رواية (قايين)، للكاتب (جوزيه ساراماغو) حيث يلجأ فيها إلى التاريخ الموغل في القدم، عبر الاتكاء على مرجعية دينية راسخة تتمثل، هنا في (العهد القديم). وتعدّ هذه الرواية استكمالاً لروايته السابقة (الإنجيل يرويه المسيح) التي ناقشت بدورها ما ورد في (العهد الجديد).

يعود (ساراماغو) في روايته إلى السرديات الأولى في التوراة، ويختار من هذا السفر الديني الحافل بالقصص والمرويات، حكايات معينة تشترك معاً في صوغ قصة بطله (قايين) هذا الاسم الملحمي الذي تسرَّب بطريقة أو بأخرى إلى ثقافات الشعوب المختلفة، واستقر في الوجدان بصور وأساليب شتى ووفق سياقات متباينة.

يفتح (ساراماغو) لبطله قايين نوافذ للخروج من أزماته عبر الدروب والوهاد، وعبر القفار والسهول الخصبة عارضاً إياه في الكهوف وعلى سفوح الجبال وفق رحلة أدبية تجعل المتلقي يطَّلع على المدن والبلدات، وعلى قصور الطغاة والزاهدين، وعلى ساحات القتال والنزاعات موظفاً الدلالة الدينية التاريخية للأسماء والمواقع على نحو تهكمي ساخر.

 (هابيل) الذي قدَّم قرباناً للرب وهو خروف مشوي، وقد اندفع دخانه نحو السماء، ليكون دليلاً على أن الربَّ قد قبل منه القربان، يسخر من (قايين) الشاب المحب للزراعة، وقد أحرق بعض الحبوب والنباتات، فشبَّت النار، لكن الدخان سرعان ما تبدَّد في الهواء، فلم يرتفع إلى الأعلى، هذا يعني أن القربان غير مقبول عند الرب. من هنا تبدأ المشكلة، فكيف يغيظ هابيل قايين، فلا بدَّ من أن يدفع ثمن سخريته؟

قايين هي رواية الهرطقات العقلية يظهر قايين بمظهر المتحدى للإله، فهو لا يتقبل فكرة قبول الإله لقربان أخيه، واستبعاده، وهو الذي حرث وزرع وعمل بإخلاص لكي ينال رضا الرب، وحين تستبد به الغيرة يقتل (هابيل) ليصبح بذلك أول قاتل في تاريخ البشرية، قاتل مطارد بلعنة الرب. فقد مارس لعبة العصيان التي لم يتوقَّع نتائجها أبداً.

هي لعبة الألفاظ والأفكار المشبعة بالخيال يعتمدها (ساراماغو) مخالفاً عرف القصص الدينية بما تحمل من روايات ووجهات نظر ليثبت وجهة نظره الشخصية بغض النظر عما سيواجهه من إشكاليات واتهامات.

وعلى الرغم من كل شيء، فإن هذا الإنسان المطارد (قايين) الهائم على وجهه عبر الصحاري، هذا الملعون، قاتل أخيه، كانت لديه مبادئ طيِّبة وأحاسيس لطيفة لا تتوفَّر إلا للقليلين.

يبدو قايين بمنتهى الرقة، عندما يحدِّث أمه عن نمو الأشجار، فهي تخجل من النمو عندما يراقبها الإنسان، لذلك يطلب من أمه ألا تنظر إليها، وحده هو فقط من لا تخجل منه الأشجار، فتنمو كما يحلو لها، هذه الطبيعية الرقيقة لا تناسب حاله كقاتل أخيه، بل هي صفة إنسانية نادرة.

القصص الدينية تلبس أثواباً متغايرة، لها عالمها الخاص بها. علاقة غير عادية تنشب بين قابيين والمرأة المشهورة بإغواء الرجال (ليليث) علاقة تودي بقايين إلى شفير الموت، لكنَّ العلامة التي على جبينه تنقذه حيث يتحوَّل السيف في يد الرجل المعتدي عليه إلى ثعبان، ومن هذا الباب تظهر قوَّة العلامة في حياة قايين.. هذا ما يذكِّرنا ببعض المعتقدات الدينية التي تقول: إن لكل نبي نور موجود على جبينه وعند قرب موته يضعف بريق ذلك النور، ومن ثم ينتقل إلى نبي آخر.

تبدأ رحلته عبر الأزمنة، فتبدأ بالالتقاء بـ (ليليث) ليبذر مولوده الأول، ويتابع الرحلة فيبدو كأنه يعبر من زمن لآخر من خلال آلة الزمن غير المرئية، وفي مشاهد متتابعة يمر على أزمنة مختلفة للأنبياء مراقباً للمحن التي تعرضوا لها مغتاظاً من قسوة الرب وتحميله اللوم لكل عذابات البشرية.

قصَّة عشق يعيشها مع (ليليث) تدفعه في النهاية إلى الرحيل عبر البادية، لينتهي به المطاف إلى أرض خضراء ذات هواء لطيف، وأشجار مثمرة وطيور مغرِّدة لم يرها قايين من قبل. علماً أنه يعود في مراحل متقدِّمة من القص إلى (ليليث) ليجدها، وقد أنجبت طفلا، ما هو في الحقيقة إلا ابنه.

تمتدُّ الحياة لتصل إلى قصَّة الأضحية التي تتعلَّق بابن إبراهام، ولتخالف المتعارف عليه بأسلوب محكم في السرد والتشويق على الرغم من القفز فوق المتعارف عليه.

مع كل قفزة مرور من حياة شخصية إلى أخرى نلمس أسلوب الروائي السهل البسيط بمفرداته الرشيقة، نمضي عبر الزمن معه بسهولة رغم هول ما يجري، برفقته نصل إلى سفح جبل سيناء لنشهد أناساً يعبدون عجلاً ذهبياً، فتحل عليهم لعنات الإله ليلقى الكثيرون نهايتهم بسبب قصة العجل وعبادته. فإذا ما بلغنا أسوار مدينة أريحا التي هدمت بدوي نفخات من أبواق الكباش فيباد كل سكانها بشكل مرعب.

 مع الروائي (جوزيه ساراماغو) نصل إلى مدن عدة، أبيدت بكل ما فيها من بشر وحيوانات ونباتات، تكريساً لفكرة الخطيئة والعقاب.

وتتابع القصص مروراً بقصَّة موسى والعجل، والقضاء على قرية (سدوم) وغيرها، ليصل قايين إلى متابعة ما جرى مع النبي أيوب، ومحاولة الشيطان إغوائه ليضلَّ سبيل الإيمان بالله، صعوداً إلى قصَّة نوح، وصناعة الفلك العظيم، والعذاب الكبير الذي لاقاه البشر والملائكة في صنعه، مروراً بقصَّة الطوفان، وما تبعها من مشاكل وحالات قتل وتزاوج، لتنتهي القصَّة بانتحار نوح، وبقاء قايين، وهو يحدِّث السيد، ويلومه عما فعل بالناس على مرِّ العصور، وقد انتهت البشرية جمعاء من خلال الطوفان العظيم، وأية بشرية ستكون بعد ذلك؟

من اللافت أن تنهي الرواية بهذا النوع من التجدد للبشرية، فكل من غرق كان مذنباً، ومن نجا سيشكِّل حياة جديدة خالية من الذنوب، وتبدأ قصة حضارة جديدة بعد كل هذا العقاب.

 ولكن هل سارت الأمور كما كان يعتقد، ويخمَّن لها (ساراماغو)؟ بالتأكيد: لا.

الرواية بالمجمل محاولة لهدم فكرة الخالق، وإظهاره في صورة الظالم، القاسي، الضعيف الذي لا يمكن له بأي حال أن يكون سيِّداً على الكون، على البشرية، ولا يستحق العبادة من وجهة نظر المؤلِّف.

لكن المتتبع يلاحظ مدى فجاجة الأسلوب في محاورة السيد الذي هو بنظر المؤلِّف الله الخالق المستبد، فبرز جانب الفظاظة في إظهار صورة الخالق بهذه الصورة المقزَّمة الباهتة الضعيفة حيال أحداث تاريخيَّة غير موثَّقة بشكل دامغ، بل هي مجرَّد أحداث تناقلتها البشرية على مر الأزمنة، وأخذ كل شعب يبني عليها ما بنى من اعتقادات وديانات متنافرة حيناً، ومتجاذبة حيناً آخر.

قد يحقُّ للروائي أن يحلِّق بخياله كيفما شاء، يمكن له أن يتجاوز المعقول إلى أشياء قد لا تخطر على بال، لكنه ليس من المقبول أن يفرض وجهة نظره في عمله الأدبي كما فعل (ساراماغو) فهو تخيَّل أحداثاً دينية، بناها على خطوط عريضة لروايات دينية معروفة تاريخياً، زخرفها فنياً وخيالياً من حيث المكان وطرق العرض والتشويق، نصب أفخاخاً وكمائن لإيقاع السيد (الخالق) في مواطن الضعف، ومن وجهة نظره قد نجح في ذلك.

يقول الروائي (ساراماغو): إن تاريخ البشر هو تاريخ خلافاتهم مع الإله فلا هو يفهمنا ولا نحن نفهمه.

رواية أخذت حيزاً كبيراً من النقد وخاصة من رجالات الدين لتذكرنا بروايته السابقة (الإنجيل كما يرويه المسيح) التي تم عرقلة ترشيحها لجائزة أدبية مهمة جداً وذلك بتدخل من الحكومة البرتغالية.

(ساراماغو) هو في الحقيقة إنسان ملحد ومن ثم لا توجد لديه أي موانع من تحويل تلك الفكرة إلى رواية ذات طابع جنوني مثل (قايين). لقد أستخدم الأسلوب التهكمي الساخر واقتباسات من الكتاب المقدس لإظهار شخصية الإله بطريقة هزلية ومشوهة.

كذلك ركَّز على ثنائية الخير والشر وعلى الخطيئة والغفران وعلى الثواب والعقاب محاولاً الاهتمام بصوته الخاص. فجاءت روايته غنية زاخرة بالتأملات وبلغة سهلة ومفردات محببة وقريبة من القارئ.

جوزيه ساراماغو:

الميلاد: 16 نوفمبر 1922

 الوفاة: 18 يونيو 2010

روائي برتغالي حائز على جائزة نوبل للأدب وكاتب أدبي ومسرحي وصحفي.

قيل عنه: إنه (أعظم الروائيين الموجودين على قيد الحياة. وأعتبر أنه جزء هام ومؤثر في تشكيل أساسيات الثقافة الغربية

كان (ساراماغو) ملحداً. أعتقد الكثير من الناس أنه كان معاديا بشكل كامل للدين في مؤلفاته. وجهت له الكنيسة الكاثوليكية الكثير من النقد في مناسبات كثيرة بسبب محتوى بعض رواياته، وعلى الأخص الإنجيل يرويه المسيح وقايين.

من المواقف المشرِّفة التي تذكر له خلال الانتفاضة الفلسطينية الثانية، وأثناء زيارته لمدينة رام الله في شهر مارس لعام 2002 قال ساراماغو:” ما يحدث في فلسطين هو جريمة من الطراز نفسه الذي حدث في معسكر أوشفيتز”.

أحتج بعض النقاد على هذه الكلمات واعتبروها معاداة للسامية

بعد مدة قصيرة أوضح ساراماغو:” المزعج في تصريحي ليس أنني أدنت ما تقوم به السلطات الإسرائيلية، وارتكابها لجرائم حرب – فلقد اعتادوا على مثل هذه التصريحات ـ ما يزعجهم حقاً هي كلمات محددة لا يستطيعون تحملها. وبما أني ذكرت (أوشفيتز)… ولاحظوا جيداً، أنني لم أقل: إن رام الله تشبه (أوشفيتز)، لأن ذلك سيكون شيئاً سخيفاً. ما قلته: إن روح (أوشفيتز) كانت حاضرة في رام الله”.

أعماله البارزة:

رواية العمى.

وراية الإنجيل يرويه المسيح

نال عدة جوائز:

1998 – جائزة نوبل في الآداب

2004 – جائزة أمريكا

2009 – جائزة ساو باولو للآداب..

أقام (ساراماغو) مؤسسة ساراماغو في المبنى التاريخي في لشبونة.

أسسها في يونيو 2007، وذلك بهدف حماية ونشر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وتعزيز الثقافة في البرتغال مثل الدول الأخرى، وأيضاً حماية البيئة.

قايين رواية.

المؤلِّف: جوزيه ساراماغو

ترجمة: صالح علماني.

الطبعة الأولى 2011

سورية دمشق، الناشر دال للنشر والتوزيع.

مصدر الصورة:https://2u.pw/0Ps4q

أدب الثامن عشر بعد المائة

عن الكاتب

Avatar

سريعة سليم حديد