أنا، وزكي نجيب محمود

كتب بواسطة ممدوح عبد الستار

حينما جلست وحدي، وانتابني شعور بعدم جدوى الكتابة والثقافة، تذكرت مقولة الديكتاتور: (حينما أسمع كلمة ثقافة؛ أتحسس مسدسي)، تلك المقولة الشهيرة، التي تعبر عن ما نحن فيه من ثبات وجمود، لا يرقى لمستوى طموح الفرد، أو الدولة، من خوف السلطة للوعي الجمعي، حينئذ أدركت معاناتي الأولى، وتذكرت كل التفاصيل الصغيرة، التي جعلتني ما أنا عليه الآن ( كنت الابن الأول لأبوين من بسطاء الناس، ويعوزني الكثير من الأشياء، وأدركت من خلال حبي للسينما، والتلفزيون، أنه يجب تغيير وضعي، وتحسين معيشتي، وكانت الأحلام أكبر من صغر حجمي، وأمراضي التي سببها لي الجهل، وقلة الموارد، فبدأت بشراء كتب المسرح، وبعض الروايات من مصروفي الضئيل جدا، كانت رغبتي، وإرادتي هي كل ما أملك، وكانت القراءة هي الفاعل في معرفتي، وإدراكي لنفسي وللعالم من حولي).

الثقافة إذن هي إدراك، وسلوك يتوافق مع المعرفة، ورغبة في التغيير إلى الأفضل، هذا ما يجعلني أتساءل، هل تصنع الثقافة تقدما؟ ورغم كل الامكانات ما زلنا متخلفين عن دربنا الحقيقي، الذي نستحقه عن جدارة، وهنا يحضرني ما قاله الدكتور زكي نجيب محمود في كتابة القيم: (مجتمع جديد، أو الكارثة).

قال لي: هناك ظواهر عجيبة تحدث تتحدى العقل، وتحتاج منا إلى البحث عن مصدر آخر غير العقل لتفسيرها، قلت: أمثال تلك الظاهر التي تشير إليها، لم تكن أبدا، ولن تكون من الدعائم التي تبنى عليها الحضارات، لا فرق في ذلك بين حضارة المسلمين إبان قوتها، وسائر الحضارات التي قامت وسوف تقوم، فلقد قامت حضارة المسلمين، كما قام غيرها على الواقع، وعلى علم بذلك الواقع، وأما الظواهر التي تشير إليها، مما يثير العجب ويتحدى العقل، فهي أمور يذكرها الناس بعضهم لبعض، أو لا يذكرونها، دون أن يكون لذكرها أو عدم ذكرها أثر في سير الأحداث التي تصنع التاريخ.

العقل إذن هو أداة الإدراك، والمعرفة، ولمعرفة ما نواجهه، علينا الاعتراف أولا بمشكلاتنا الحقيقة، والاهتمام بالوعي الجمعي، ومواكبة العصر بأدوات مختلفة عما سبق، وتكاتف الجميع، وتحملنا معا المسؤولية كاملة، والرغبة في التغيير للأفضل، وعلينا بتنشئة الطفل بطرق حديثة، يكون دور الإبداع، والابتكار، والمعرفة، هي العوامل التي يرتكز عليها صناعة المستقبل، فالتلقين، وفكرة السمع والطاعة دون قناعة، ونبذ الشفهية والموروثات التي تحمل جينات الخرافة، لابد من استبعادها بقوة.

     من هنا تحضرني واقعة عشتها بنفسي، وعانيت منها حتى الآن: كنت في لحظة فارقة، رافضا كل أفكار، وسلوكيات المجتمع، وكان ابني ما زال يحبو، ومتعلقا بي، فجلست مع نفسي، ولفّني الاكتئاب، أنا لا أستطيع منحه فكرة سليمة، ماذا سيكتسب مني، وهو يحاول تقليدي ومحاكاتي، وأنا قدوته!

 فطلبت من زوجتي ترك المنزل، لأكتب له بعض القصص، وبعد فترة، قرأت ما كتبته، فوجدت أنني كتبت له قصص تحمل المعاني الكبرى دون تفاصيل، كقيمة العمل، والعلم، والمحبة، والأصدقاء، ساعتها، أحسست أنني يجب أن أعلمه القيم الكبرى، وأترك التفاصيل الصغيرة له، لأنني كنت أتمثل بالمثل الشعبي: (فاقد الشيء لا يعطيه).

     ويحضرني هنا ما قاله الدكتور زكي نجيب محمود، في كتابه قيم من التراث:

(قيم من التراث تستحق البقاء هي حقيقة توشك أن تكون واضحة بذاتها، ليست بحاجة إلى برهان يقام على صوابها ، لأنها حقيقة يدركها الإنسان بفطرته إدراكا مباشرا، أو تكاد؛ وأعني بها أن الولد إذا أراد أن يحيا على نهج والده، فهو لا يطالب أن تجيء المحاكاة قولا بقول وفعلا بفعل، فذلك في منطق الحياة ضرب من المحال، فشجرة الورد تجيء على صورة شجرة الورد التي سبقتها، لكنها لا تجيء مطابقة لها مطابقة كاملة في فروعها وأوراقها وورودها؛ وإن أصحاب المعرفة بدنيا النبات ليزعمون لنا بأنك لن تجد في ملايين الملايين من وحدات النبات، ورقتين تطابق إحداهما الأخرى في كل أجزائها؛ وذلك هو سر الحياة في شتى كائناتها: أن يكون لكل كائن على حدة فردية لا يشاركه فيها كائن آخر؛ وحتى التوائم، فمهما بلغ التشابه بينهم، فيكفي لاختلافهم اختلاف البصمات. وإذا كان ذلك هو مبدأ الحياة في تصويرها للأحياء من أدناها إلى أعلاها، فكيف بالإنسان الذي جعله الله مسؤولاً عما يفعل، لا يشفع له أن يكون قد رجى في فعله مجرى السالفين، وكما قلت حقيقة توشك أن تكون من البدائة الأولية، لا يكون المقصود بمحاكاة والأخر للأوائل، محكاة لا تدع مجالاً للإبداع وللإرادة الحرة تختار لتقع عليها تبعة اختياره).

     علينا إذن بالبدايات الصحيحة، أطفالنا ،فتربية الطفل داخل الأسرة لها الدور الأكبر في تعوّده على سلوكيات معينة، وفي تكوين شخصيته المستقبلية – سلبًا أو إيجابًا-، ومن المعلوم أن المراحل الأولى التي يمرّ بها الطفل هي مرحلة تقليده، ومحاكاته للآخرين، وهو بأسرته أحرى بالتقليد ،والمحاكاة، ومن هنا تأتي أهمية وجود القدوة القارئة للطفل ،وبعدها تأتي المدرسة، وهي الحاضن الثاني له، والموجه الذي يلعب دورًا موازيًا لدور الأسرة، والذي قد يتفوق عليه في بعض الأحيان، ثم طرح الدين على أنه نظام حياة، وليس مجرد طقوس، وعبادات فردية، والاحتفاء بالحياة، وليس الموت، والاهتمام بالمعرفة بشتى صورها.

مصدر الصورة:https://2u.pw/LFwc1

الثامن عشر بعد المائة العدد الأخير ثقافة وفكر

عن الكاتب

ممدوح عبد الستار

اترك تعليقاً