في أثر عنايات الزيّات

كتب بواسطة محمد سليم شوشة

 جماليات السرد المعرفي وترميم الذاكرة الجماعية

يعد كتاب في أثر عنايات الزيات للشاعرة المصرية إيمان مرسال من أبرز الكتب الأدبية الصادرة في 2020 للعديد من الأسباب والمقومات التي تميزه، نعم هو كتاب بيني النوع، ملتبس الجنس الأدبي لدى كثيرين وإن كان بالنسبة لي شخصيا هو كتاب روائي ولا أتردد في هذا الوصف أو أحار كثيرا، ذلك لأن السرد المعرفي أو الذي يأخذ هذا الشكل من البحث التاريخي أو التنقيب المعرفي والعلمي الخالص لم يعد جديدا، ولأن السرد الروائي لم يكن أبدا مقصورا على الاشتغال على المساحات التخيليية الخالصة، أو أن الابتعاد عن الحقيقية لم يكن أبدا أحد حدود النوع الأدبي المعروف بالرواية، فضلا عن أن فكرة جمالية السرد أو الخطاب السردي قائمة أو متحققة في أشكال كثيرة، وأن التعريف الأقرب للدقة لفن الرواية أنه خطاب سردي يقوم على حكاية معينة، هذه الكيفية السردية أو الشكل البنائي لهذا السرد ليس محصورا أو محددا بتكنيكات معينة أو يكون فيه صاحب الخطاب السردي محكوما بمسارات بعينها. 

في هذا الكتاب حكاية يتم استجلاؤها أو استنهاضها وإكمالها وتحقيق عالمها في أذهان المتلقين عبر خطاب سردي يشكلها كيف يشاء أو يبدأ من أي نقطة يريد، المهم هو أن ما يتحصل في ذهن المتلقي في النهاية أنه يكون قد ألم بأبعاد هذه الحكاية على نحو وافٍ ولا يعني هذا أن يكون كل شيء حقيقيا وفق معيار الحواس أو الإدراك الحسي أو الذهني أو العاطفي، ذلك لأن الإنسان قد يتوهم حتى وهو يسرد عن نفسه، وقد يتوهم حتى دون أن يكون في مقام السرد، وقد يتخيل أشياء تخصه ولا يفصل فصلا تاما بين ما هو قطعي وحقيقي وبين ما لم يكن كذلك.

المهم أن لدينا في النهاية حكاية ثرية هي حكاية حياة عنايات الزيات التي يعرف الناس عنها أشياء قليلة محققة أو حاضرة في المدونة الأدبية المكتوبة في أخبار محدودة جدا عن أديبة كتبت رواية واحدة وانتحرت في الستينيات. ليس أكثر من هذا. وهذه الحكاية عبر خطاب كتاب إيمان مرسال أصبحت مكتملة ووافية ومتوافرة الأبعاد، بل حضرت بكافة تقاطعاتها مع آخرين مهمين جدا في تاريخ مصر أو في الحياة الثقافية المصرية أو حتى على المستوى العلمي مثل لودفيج كايمر أو ماكس مايرهوف أو غيرهما من الأجانب أو حكايات عديدة عن تاريخ المكان أو وضعية المرأة في الثقافة المصرية وأزماتها أو إشكالاتها. بما يعني أن الحكاية أصبحت مكتملة ومحققة الملامح والأبعاد مع ما توافرت عليه من المعلومات الكثيرة جدا ليس عن الشخصية فقط، ولكن عصرها وسياقها كلها وكافة التطورات والمراحل اللاحقة، بل والسابقة ابتداء من شخصية أحمد باشا رشيد جدها لأمها اليوناني الذي خطفه الأتراك وعاش في قونيّة ثم حضر إلى مصر ليصبح وزيرا وشخصية سياسية بارزة ويتحول من العبودية إلى أن يكون في قمة الهرم السياسي في مصر، لنكون في النهاية أمام حكاية رئيسة كبيرة وأساسية هي حكاية عنايات الزيات بكل جوانبها المترامية ثم هناك عديد القصص الفرعية الأخرى التي تقاطعت معها سواء ما يرتبط بصديقتها الأهم الفنانة نادية لطفي أو والدها وأمها وأختيها وكثير جدا من الشخصيات التي كانت حولها.

ما أعنيه إجمالا في هذه النقطة المبدئية أن هذا الكتاب لا يختلف في كافة مقوماته عن السرد الروائي أو فن الرواية فهو يقوم على تخطيب حكاية بل عدد من الحكايات وفق عدد من الوضعيات السردية المختلفة والخاصة بالساردة التي تحضر في النص وتصبح شخصية فيه، لا تقل عن بطلة الحكاية الرئيسة عنايات الزيات، ذلك أن إيمان مرسال في حضورها في عالم كتابها يأتي حضورا إنسانيا متكاملا، لها نبض حياتها الخاص وإيقاعه وتقاطعاتها مع عنايات والشخصيات الأخرى خارج حكايتها، ممن يساعدون أو يساعدن إيمان في كشف غموض ما أو إبراز حقيقة معينة أو تقديم معلومة أو يطرحون سرا عن حياتها.

لهذا الكتاب السردي الذي لا أراه غير رواية عالمه الصاخب والحيوي والحافل بالحركة والنبض الإنساني والمصائر العديدة، يحكي حكاية وعلى هامشها عديد الحكايات الفرعية الأخرى المهمة كلها ذلك لأن الخطاب السردي نحج إلى حد بعيد في ربط كافة هذه القصص بالسياقات المختلفة المرتبطة بالسياسة أو الطموح الثوري والسياق الجغرافي والمعماري والتغيرات الطبقية والحرب العالمية وثورتي 19 ويوليو 52 وفترة عبد الناصر التي لها الحضور الأكبر وبخاصة في جانبها الثقافي أو ما يرتبط بالنشر أو المؤسسة الثقافية في طموحها وقلقها أو اضطرابها بوجود بعض الشخصيات وطبيعة هذا العصر الذي لم يكن رحيما بالفردانية أو بحياة الفرد ويتشكل بحركة المجموعات أو التكتلات بدرجة أكبر.

 سياقات عديدة نجح الخطاب السردي لهذا الكتاب في أن يبلورها ويبرزها في إطار حكايته الرئيسة أو حكاية شخصية مهمة من شخصيات حياة عنايات الزيات، مثل ما نرى مع حضور الأجانب في مصر وبخاصة اليهود الألمان أو سياق دولة محمد علي الطامحة وما يرتبط بالجد البعيد أحمد باشا رشيد. وهذا الأمر يجعل الكتاب أكبر بكثير من مجرد التنقيب في حياة شخصية ثقافية نالها قدر كبير من الغبن والإجحاف الذي تضافرت على إنتاجهما عوامل كثيرة وأسلمتها في النهاية لأن تنتحر وهي أم وكاتبة تطمح لأن تجد ذاتها عبر الكتابة والإبداع وأن تستكشف مساحات جديدة من الوجود والحياة وأن تمنحها الكتابةُ الحرية التي طالما كانت هدفها.

تنطلق رحلة إيمان مرسال في تعقب حكاية عنايات من أسئلة تتدرج في عمقها، ابتداء من أين مقبرتها وكأنه قد تكون شخصا وهميا أو أسطوريا إن لم نجد لها مقبرة حقيقية، وهكذا وصولا إلى الأسئلة العمق حول مسودات أعمالها أو مشروعاتها غير المكتملة أو قصة حبها الموءود أو نزاعها القانوني من أجل الطلاق أو التفاصيل الدقيقة المرتبطة بعملها في المعهد الألماني وصولا إلى الرغبة العظيمة في ترميم كافة الفراغات في حكايتها وسدها بالتخييل وصولا إلى اليوم الذي ابتلعت فيه الأقراص بعد طقس نسائي هو قمة التمرد على الأنوثة أو الاحتجاج فعلته غيرها كثيرات وهو قص الشعر.

تتراوح هذه الأسئلة من المحققة وتتفاوت لتمثل زوايا رصد متنوعة وكاميرات متغيرة الوضعية بين التقريب والابتعاد أو بين العام والخاص والفردي والجماعي الخارجي والداخلي، ما يرتبط بملابسها وحقيبتها وأحذيتها ومزاجها الخاص في تأسيس شقتها أو كافة التفاصيل الصغيرة الأخرى الحاضرة بقوة وبنعومة شديدة وشعرية في سرد هذا الكتاب، وبين سماتها النفسية وإشكالاتها المتجذّر وتاريخها المرضي والمستشفيات أو الأطباء الذين تعاملوا معها أو أي العوامل كان أبعد تأثيرا في حالتها.

ثمة نقطة مهمة جدا في سرد هذا الكتاب ترتبط بتوزيع مادته أو فكرة التجاور والتقاطع والأنساق البنائية التي حكمت توزع مادته أو تراكبها لتكون على هذا النحو من الشعرية والجمال الأدبي الاستثنائي. ثمة نسق من التحاور والتقاطع المثالي المرتبط بشعرية الحالة أو برابط الحالة العاطفية للشخصية، فنجد مثلا مقطعا من روايتها الوحيدة يبدو مثاليا حين يضعه سرد إيمان مرسال في مجاورة أو عقب جزء معين من حياتها تمكنت من كشفه، أن تكشف الترابط بينها وبين نجلاء أو تصل بين اليوميات وبين جزء استطاعت فيه أن تضيء مساحة من تكوينها النفسي أو رغباتها أو اهتماماتها مثل إحساسها بالاغتراب مع الناس والزمن والمكان، أو أن تربط بين حال مدفنها بين عائلة أمها لأسباب كثيرة تتبعها وبين حياتها التي عاشتها على النحو ذاته.

على أن هذا التوزيع للمادة السردية ولم ينتج فقط الشعرية والترابط النفسي والدلالي والموضوعي فقط، بل أنتج كذلك طاقات تشويقية عظيمة لأن فكرة التأجيل أو تأخير الكشف عن شيء أو البوح به وإيثار وضعه في الخطاب متأخرا وفقا لتأخره في الانكشاف في إطار حكاية البحث والتنقيب ذاتها، كلها من العوامل التي جعلت خطاب هذا الكتاب السردي يبدو أقرب ما يكون إلى الرواية البوليسية التي تلعب فيها إيمان مرسال دور المحقق الذي له حكايته وسياقه وعالمه وشخصياته كما في حكاية عنايات بالضبط، تتحدث إيمان عن زوجها وابنيها وأختيها وأبيها كما يطالع المتلقي مواقع ومواضع وأثر هذا في حياة عنايات، تتقاطع الأمومة لديها مع عنايات، آمال الكتابة ومعاناتها والصدام بقيود المجتمع وحواجزه وطبقاته، حتى نصل إلى أشياء خفية ترتبط بالمكان سواء الدقي التي عاشت فيها الشخصيتان في عصور مختلفة وأماكن متقاربة جدا وكانت تمر عليها إيمان مرسال مئات المرات دون أن تدري، أو النجار الذي هو نفسه من صنع مكتبة إيمان مرسال وكان قد صنع قبلها أثاث المعهد الألماني في وقت عمل عنايات فيه وجدده بعد ذلك، أو كنبة الأنتريه نفسها عند مدام النحاس التي تبدو في الصورة التي عمرها أكثر من خمسين عاما ومازالت تجلس عليها إيمان مع فقط في التنجيد، ليكون المتلقي في النهاية أمام عالم سردي ثري وتتشكل شعريته من هذا المزيج بين الثابت والمتغير، من القيم والمعاني الراسخة عن الاستبداد ومعاناة المرأة وصراعها لتحقيق ذاتها واستقلالها أو تحسن وضعيتها في القانون الاجتماعي وبقاء مشاكلها أو أسئلتها، والمتحول أو المتغير المرتبط أحيانا بتغير اسم شارع أو شركة لتوزيع الألبان أو اسم ميدان أو تقاطع. لنكون أمام عالم سردي فيه قدر كبير من الديناميكية التي تصنع حالا كثيفة من الشجن لدى المتلقي وتحرضه على التساؤل والتأمل وإعادة النظر في حياته، بل بالتأكيد سيحاول أن يرى ما يخصه في إطار هذه الحكاية العامة والخاصة في الوقت ذاته، يرى نفسه أو دوره في الحكاية المعاصرة رحلة تعقب الأثر، ويرى أباه أو جده في إطار من حياة عنايات أو الأحداث التاريخية الكثيرة عن الثورات والحروب والنهضة العلمية أو حتى تغيرات الجغرافيا والعمران وغيرها الكثير.

تمزج الرواية بين الواقع والحلم، التخييلي والحقيقي والوثائقي مع التصور والتخيل أو الخبر الضعيف، في رحلة سردية نحو كشف الألغاز والأسرار، تبدو أقرب إلى مغامرة بوليسية لا ندري من التي تلعب فيهما دور البطولة إيمان مرسال في رحلة بحثها وتحقيقها أم عنايات الزيات في محاولات العيش والإبداع والكتابة والتعايش مع الواقع وأن تجد لنفسها موضع قدم وهي المرهفة الحساسة ذات التكوين الأدبي والنفسي المغاير عن كثيرين من معاصريها أو مجايليها من الأدباء والأديبات. وهذه التفاوتات تصنع تنوعا في الإيقاع السردي للكتاب بين السرعة والبطء، بين الانفعال والتوتر والقلق والخوف والإحساس بالخطر أو الهدوء والثقة والسعادة، في وقت معين  نجدها تتحول من لحظات الأمل والسعادة والضحك بينها وبين بولا أو نادية لطفي في جمعية الأدباء وما يكون بينهما من الضحك والفكاهة لنكون في مساحة يهيمن عليها الأمل والاطمئنان، ثم في مساحة أخرى يكون التحول إلى صداقاتها القديمة مع بعض الألمانيات في المدرسة ومصائر هذه الأسر أو الفتيات ما بين الهجرة، والغريب أن نكون في مجمل هذا الكتاب السردي أمام عالم إنساني عجائبي فيه الإنسان غريب مرتحل على الدوام، من يتحول من الجنسية اليونانية إلى العثمانية ثم المصرية هو أحفاده لعقود أو ربما قرن كامل ثم يصبح في قارة ثالثة وعالم آخر مغاير تماما في لغته وثقافته، لكن تبقى الجذور التي يمكن تتبعها بدقة.

في الكتاب تاريخ شخصيات وحيواتهم وتاريخ كتب وحضارات ودول، حالات من النهوض والازدهار ثم المرض والموت أو الخلود، يموت البشر ولكن يبقى أثرهم وسيرتهم، وهذا هو السؤال الجوهري والفكرة الأسياسية في هذا الكتاب وهي فكرة الذاكرة أو الأرشيف وإعادة تأمل التاريخ وقراءته؛ الجماعي والفردي على السواء؛ لأن لا معني لفصلهما فلا يكون هناك تاريخ بدون الحالات الفردية أو التمثلات الذاتية والتفاصيل، ولا يكون هناك معنى للفرد في ذاته إن لم يكن متصلا بالكل أو يصب في نهر المجموع أو الجماعة.

وهكذا فإن كتاب في أثر عنايات الزيات الذي أصر على عده رواية من حيث النوع الأدبي دون أي تردد هو كتاب من الناحية البنائية والشكلية على قدر كبير من الخصوصية في تشكيله السردي وينتج جماليات عديدة تبعا لهذا التشكيل، كما أنه من الناحية المعرفية ومن حيث الموضوع والقيم الدلالية هو مضاعف القيمة والأهمية لأنه ينقب عن حال خاصة هي شاهد على تاريخنا وثقافتنا وتطوراتنا وشكل دولنا وأرشيفنا والذاكرة الجماعية لدينا، يثير عددا مهما من الأسئلة عن المرأة وسياقاتها الاجتماعية والسياسية والتعليمية وتطور الدولة المصرية وتاريخها في التنظيم والإدارة وهي حالة خاصة شاهدة على تحولات عديدة في مسار المجتمع أو الدولة أو التنامي الحضاري أو العكس. يقارب هذا الكتاب عبر حكايته الرئيسة قصة عنايات الزيات وتاريخها الأسئلة المتجذرة والراسخة حول المرأة ومشاكلها في الثقافة العربية والإسلامية مثل الزواج والطلاق وسرعة التقاضي والتنظيم والطابع الهراركي وأحيانا الكهنوتي للمؤسسات الثقافية أو للمثقفين البارزين وفكرة النشر والتحقق والاعتراف وصراع الأفكار والأجيال وغيرها العديد من الأسئلة والقضايا المهمة التي تجعله إلى جانب كونه حكاية مشوقة ومفيدة معرفيا يمثل حالة تأملية وقرائية لتاريخنا الحديث عبر تتبع رأسي لنموذج أو مثال يبدو كاشفا للكل أو للعام. والحقيقية هو كتاب في غاية الأهمية ويمكن قراءته وبحثه والتأمل فيه من أكثر من زاوية بشكل تفصيلي أوفى من هذه القراءة المتعجلة سواء من حيث اللغة أو الإيقاع السردي أو من حيث التأويل والتفسير وما يمكن أن تكشف عنه حكاية عنايات الزيات من الأنساق الثقافية والحضارية الحاكمة لمجتمعنا عبر عقود من التطور أو التغيرات.

مصدر الصورة: https://2u.pw/14CZG

أدب الثامن عشر بعد المائة العدد الأخير مختارات الثقافة والفكر

عن الكاتب

محمد سليم شوشة

اترك تعليقاً