كارل شميت/ليو شتراوس: الحوار الخفي

كتب بواسطة أحمد الزناتي

أن تبغض أفكار كارل شميت/ليو شتراوس أو تحبّها انطلاقًا من مواقف سياسية مسبقة، فهذا رأي شخصي قيمته مقصورة على صاحبه. أما أن تضع أفكارهما وأعمالهما موضع درس وتحليل ومسائلة، واضعًا في حسبانك السياق التاريخي/السياسي العام، فـهذا ما يضفي إلى رأيك قيمة.

في سنة 1988 نـشر د. هاينريش ماير، أستاذ الفلسفة بجامعة ميونيخ ومدير مؤسسة كارل فريدريش فون سيمنس كتابًا مهمًا تحت عنوان: كارل شميت/ليو شتراوس: حول مفهوم السياسي: حوار بين غائبيْن[1] )اعتمدتُ هنا على الطبعة الحديثة الصادرة سنة 2013) والكتاب مـكوّن من مقالة طويلة كتبها د. شتراوس تعليقًا على كتاب شميت ذائع الصيت “مفهوم السياسي” = Der Begriff des Politischen فضلًا عن بضع رسائل بعث بها شتراوس إلى د. شميت تعود إلى بواكير سنة 1930 (أي قبل انخراط في العمل السياسي قبل انتخاب الاشتراكيين القوميين)، مــخــتـــتمًا بتعليقات المؤلف عن المادة الواردة بالكتاب إجمالًا.

كان المفكّر السياسي الأميركي المرموق ليو شتراوس (1899-1973) قد نشر سنة 1932 مراجعة نقدية لكتاب شميت التأسيسي” مفهوم السياسي”،  وهي المراجعة التي بدَت تبادلًا دقيقًا للغاية بين شميت وستراوس فيما يتعلق بنقد شميت لفكرة الليبرالية. على الرغم من أن شميت لم يرد أبدًا على شتراوس علنًا ، لكنه أدخل تعديلات ملحوظة على عدد من فقرات كتابه الموسوم في الطبعة الثالثة من كتابه ردًا على انتقادات شتراوس. يؤكد المؤلف د. ماير أن الحوار الخفي وضربات الكرة المتبادلة كان يدور ظاهريًا فقط حول نقد الحداثة الليبرالية ومناهضة الديمقراطية، بينما يستشكف “حوارهم الخفي” في جوهره ،” الصراع الأساسي بين اللاهوت السياسي والفلسفة السياسية، بين الوحي/الإيمان [الديني] والعقل. في البداية أوجّـه الأنظار إلى أن أفكار ليو شتراوس لم تكن بمعزل – في جوّها الفكري العام- عن محيط عالم كارل شميت، فكلاهما ينتمي إلى اليمين القومي المناهض للديمقراطية الليبرالية مع اختلاف المنظور وشدّته. طرافة العنوان الجانبي للكتاب “حوار بين غائبين” مـردّها إلى المفارقة التي جمعتْ المفكرين الكبيريْن. فرسائل الكتاب تنمُّ عن صداقة وطيدة ربطتْ بين كليهما طَوال حياتيهما، لكن “الغياب” المقصود في العنوان ربما يشير إلى الهوّة التي لم يكن ثمة سبيل إلى ردمها. د. شميت انتمى انتماءً واضحًا إلى الحزب النازي، بينما لم يتمكن شتراوس بسبب أصوله اليهودية من العودة إلى ألمانيا في حقبة حُكم الاشتراكيين القوميين، لكن ما فرقّته الظروف السياسية جمعته التصورات المشتركة الرافضة رفضًا قاطعًا لكل ما هو ليبرالي/ديمقراطي.

وليسمح لي القاري أن أمهد تمهيدًا سريعًا لأفكار د. شميت، أتبعها بعرض موجز بعرض موجز لأفكار ليو شتراوس لنفهم مقصد الكتاب. نعرف أن شميت هـو أعنف وأقسى ما صوّب سهام نقـده إلى الديمقراطية الليبرالية في صورتها الغربية الشائهة [في رؤيتي] طَوال القرن العشرين. إذ كان يرى أن الليبرالية طالما قـدّمت نفسها على أنها المسيح المخلّص، والشكل السياسي المنقذ القادر على إقامة الفردوس الأرضي الذي يرفل في الحرية والرفاهية، فحـشد جهوده وأطروحاته على دحض تلك الادعاءات الباطلة في نظرِه، مقدمًا نظرية “السيادة الشعبية”. كان شميت ينطلق من تصور مؤداه  أن الديمقراطية هي في جوهرها سيادة شعبية، قبل أن تكون حقوقًا فردية أو حريات ليبرالية”[2]، كان شميت يميل – والكلام هنا على لسان د. أشرف منصور في ورقته البحثية الممتازة- إلى تفضيل فكرة أن السيادة الشعبية ينبغي أن تتجسد في قائد شعبي، يكون ممثلًا للمجتمع، ويكون هو نفسه أداة المجتمع في اجتراح وتنفيذ ما يلزم من الاجراءات لحماية الدولة والشعب، وعلى القائد أن يتخذ ما يراه من اجراءات للقضاء على الفوضّى والتشتت والسيولة الهدّامة التي تخلقها الأنظمة الليبرالية (أو الفوضى التي تفرضها الأنظمة الليبرالية فرضًا لتحقيق مآربها)، مقيمًا الحدود الفاصلة بين العدو والصديق. ففي مقابل الديمقراطية الليبرالية التي اختزلتْ الشرعية في الانتخابات/الدستور، ينادي د. شميت بفكرة السيادة الشعبية عبر قائـد قـوي يعبّر عن الهوية الموحدة للشعب دون تفرقة مذهبية/دينية/عقائدية، قائد يصون كيان الدولة وتمساكها. كان شميت يرى أن الليبرالية عاجزة عن تحديد العدو والصديق، والخطر والأمن، وكأنه سوق بـعير والكلّ سارح ببضاعته.  أما ليو شتراوس (1899-1973) فهو مفكّر يهودي ألماني الأصل، تتلمّذ على يـد الآباء البطاركة للفلسفة الألمانية في القرن العشرين، أقصد بالطبع إدموند هوسيرل ومارتن هايديغير وإرنست كاسيرر. لاذ شتراوس بالفرار من ألمانيا النازية ومنها إلى الولايات المتحدة حيث تجنّس بالجنسية الأميركية وعاش هناك حتى وفاته المنية.  

ما يهمني هنا هـو رؤية د. شتراوس لفكرة الديمقراطية الليبرالية. يذهب الرجل إلى أن الديمقراطية الليبرالية من مخلفات الحداثة السياسية، فينطلق من فكرة أن الليبرالية فلسفة غير أخلاقية لأنها تجزيء الحقيقة وتقسّمها[3]، وعندما تنسحب الديمقراطية الليبرالية إلى السياسة تتحول إلى براغماتية منحطّة، كما رأى أن الديمقراطية هي حكم الغوغاء (مقتديًا بالمفكر الألماني أوزفالد شبينغلر في كتابه انهيار الغرب) الذي ذهب إلى أن الديمقراطية هي ثقافة الغوغاء، بسبب الأفكار الزائفة/الأوهام المسيطرة على عقول العامّة، مقدمًا الدليل من الواقع، ضاربًا المثل بالوهن الذي أصاب جمهورية فايمر بسبب الديمقراطية، وما تعرّض له اليهود من اضطهاد نفسي واجتماعي في ظل نظام جاءت به الديمقراطية البرلمانية نفسها (يقصد انتخاب الحزب النازي بمعرفة البرلمان)، مشاطرًا في ذلك رأي المفكرة الألمانية/الأميركية اليهودية حنا آرندت قولها:” إن كلاً من هتلر وستالين ما كان لهما أن يقبضا على زمام السلطة لو لم يكونا حائزين على رضا الجماهير وثقتها”[4]، ومقتبسًا عبارة جان جاك روسو:” إذا كان هناك شعب من الآلهة، فإن حكومتهم ستكون ديمقراطية، إن مثل هذه الحكومة ليست للبشر”. فشل النظام النازي لأنه أخفق في تحديد العدو من الصديق، لم يدخل في موائمات سياسية، فعدَّ اليهود جميعهم أعداءً.

أظنّ أن الرؤية قـد بانت، فلنعد إلى كتابنا.

انطلاقًا من اهتمام أدبي شدّني في الأمر أن حوارًا خــفــيًا دار بين العقليْن الجبّاريْن، لم يكن حوارًا صريحًا مباشرًا، فأنّى لكارل شميت، وهو المتألّه المنعزل، أن يحاور أحدًا سوى نفسه. في الفصل الأول من الكتاب يقول المؤلف إن مراجعة ليو شتراوس التي نشرها عن كتاب شميت “مفهوم السياسي” قـد دفعتْ شميت دفعًا إلى أن يوجّه مزيدًا من سهام النقد اللاذع إلى الليبرالية، مستشهدًا بالتعديلات التي أضافها كارل شميت إلى الطبعة الثانية من مفهوم السياسي، بل أنه أجرى مزيدًا من التعديلات الحرّاقة (إن جاز لي التعبير) إلى الطبعة الثالثة من مفهوم السياسي الصادرة سنة 1933، مما يُظهر تأثير شتراوس القوي، وإن لم يبيّن شميت ذلك بطبيعة الحال.

كان انتقاد شتراوس الأساسي أن هجوم شميت الضاري على الديمقراطية الليبرالية بقي حبيسًا داخل جدران المعسكر الليبرالي ذاته على الصعيد السياسي، إذ سعى شميت (وهذا انتقاد شتراوس الأساسي) إلى التمسك بالسياسة بوصفها حقلًا إنسانيًا مستقلًا منعزلًا، على عكس الليبرالية التي سعت – بخبثٍ- إلى نقل رؤيتها المهيمنة إلى مجالات أخرى: كالاقتصاد والثقافة مثلًا، وهنا مكمن الخطورة التي لم يتنبه لها شميت، وكأن شتراوس كان يستشرفُ “حصان طروادة العولمة” ورغبتها في القضاء على الخصوصيات الثقافية/القومية المميزة لكل دولة.

النقطة العجيبة واللافتة للنظر أن مقالة شتراوس الناقدة لكتاب شميت دفعت شميت أيضًا إلى أن يفشي على الملأ شخصيته اللاهوتية المؤمِــنة (بالمعنى الديني طبعًا بسبب تـديّنه الكاثوليكية). يرى المؤلف أن شميت كان يخفي مقاصده الأخلاقية الطهرانية ويداري خـوفه من أن تؤدي الفردانية individualism المفرطـة التي تنطوي عليها الديمقراطية الليبرالية إلى انهيار أخلاقي عام، وهو فكر لا يخرج من فيلسوف سياسي، بل من قسيس أو مبشّر ديني.

النقاط السابقة مجرد فرضيات أو لنقل مجرد تأويلات المؤلف د. هاينريش ماير الشخصي للأمور، وأظنّ أن أحدًا لا يقدر على التفتيش في النوايا ولا البتَّ في أمور خلافية كهاته، كما أنني – شخصيًا- لا أقيم وزنًا لمفكّر/فيلسوف لا ينطلق من رؤية كلية للعالم، أيًا كان مصدرها.

 يشير المؤلف إلى رسالة بعث بها كارل شميت إلى د. لوفيغ فويشتفانغلر، مؤرخة في يونيو 1932، يمدح فيها ملاحظات ليو شتراوس الثاقبة الواردة في قرائته الممتازة لكتابه “مفهوم السياسي”. وفي مقدمة الطبعة الأميركية للكتاب، يقول غونتر كراوس، الذي كان أحد طلاب الدكتوراه  عند شميت في جامعة برلين أن د. شميت أخبره بأن: “شتراوس كان الشخص الوحيد القادر على سـبر غوري ورؤيتي بأشعة إكس كما لم يفعل أحد سواه”.

دار الحوار الخفي وفق عنوان العمل على عتبة الاختلافات بين الطبعات المختلفة لكتاب شميت مفهوم السياسي، وهو حوار من جبهة واحدة. يتفق المفكّران على رؤية واحدة قاطعة مناهضة للعدو المشترك، وهو شبكة الرأسمالية العالمية والليبرالية، وهو عدو يُناصَب العداء أبد الدهر، ويعرب ليو شتراوس عن اتفاقه الكامل مع كارل شميت على رفض النظام العالمي المهيمن.  

يكشف الكتاب أن معارضة الديمقراطية الليبرالية كانت في جوهرها معارضة بين اللاهوت السياسي (شميت) وفي مواجهة الفلسفة السياسية (شتراوس). حيث تتكأ مناهضة د. شميت للحداثة الليبرالية على إيمان ديني/لاهوتي بالله وعلى فكرة أن نزع السياسي/القومي وتمييع الهويات وإزالة الحدود وفرض الليبرالية غير المؤطرة بضوابط هو إيذان بقدوم عدو المسيح = Antichrist لتأسيس مملكته. يقول د. ماير إن رؤية شميت – إذا نظرنا إليها نظرة فينومينولوجية خالصة- ترى أن رؤية السياسي يتحتم أن تكون متجاوِزةً الحكم الأخلاقي/القانوني. مبدأ الإيمان الديني يخلق أرضية تأسيسية لتحديد مفهوم العدو/الصديق، ويمنح البصيرة على تحديد مَن معي ومـَن ضدي، بهدف الوصول إلى رؤية شاملة الحفاظ على كيان الدولة القوية التي هي صائنة الجميع.

 بينما ينطلق شتراوس من رؤية فلسفية نقدية مؤداها أن الحداثة الليبرالية أخفقتْ في التمييز بين الحكم الديمقراطي والحكم الاستبدادي، مستلهمًا فكر أفلاطون السياسي في نقده للديمقراطية الليبرالية ورؤية الأخطار الخارجية التي تجد نواتها داخل هذه الديمقراطية بما يجعلها الحاضنة للديكتاتورية، حيث انتقد أفلاطون فكرة الديمقراطية وتصورها القائم على المساواة بين الجميع الذي سيفضي بالضرورة إلى كارثة لأن الجماهير ستعيش في فوضى مطلقة.


[1] Carl Schmitt, Leo Strauss und “Der Begriff des Politischen”: Zu einem Dialog unter Abwesenden (German Edition), Publisher : J.B. Metzler,2013.

[2]  نظرية كارل شميت في السيادة الشعبية ودورها في نقد الليبرالية، د. أشرف حسن منصور.

[3]  الفكر السياسي عند ليو شتراوس: حنين عماد، الرافدين 2017

[4]  المصدر نفسه، صفحة 161

الثامن عشر بعد المائة العدد الأخير ثقافة وفكر

عن الكاتب

أحمد الزناتي

اترك تعليقاً