ثورةُ الحُبِّ في الفلسفة

كتب بواسطة محمد كزو

بحث الإنسان منذ زمن بعيد عن معنى وجوده، وما زال يبحث، وطرح العديد من الأسئلة مُحاولاً إيجاد حلول علّها تشفي قليلًا من غليله؛ فكانت الفلسفة من السُّبل الهامّة في هذه الرّحلة الوجوديّة الإنسانيّة، بحيث بدأت الإرهاصات الأولى ما قبل الميلاد، تحديدًا في العصر اليونانيّ ثمّ الرّومانيّ، وتدرّجت الأسئلة بعد ذلك في العصر الوسيط إلى مطلع الحداثة مع الثّورة الفَلكيّة حتّى وقتنا الرّاهن.

    فتنوّعت الأطاريح والمقاربات الوجوديّة للإنسان الذي يفنى في نهاية المطاف لا محالة، إذ كان الأمر بمثابة محاولة للعيش وِفْقَ هذا القانون الطّبيعيّ المحتوم، وكيف يكون الإنسان في تناغم مع الطّبيعة ونفسه في الوقت ذاته.

    ولِمقاربة هذا الموضوع نستعين بالأسئلة التّالية: كيف بدأت فكرة معنى الحياة عند الإنسان؟ ما تجلّياتها في العصر الوسيط؟ كيف ثارت الحداثة ضدّ الأنساق المعرفيّة القديمة؟ وما البديل الذي جاء به عصر ما بعد الحداثة؟ وكيف كانت ثورة الحبّ، حاليًّا، من بين أهمِّ الحلول القويّة الرّائجة؟

    لأَجْل هذا إذاً، كانت ثورة الحبّ جوابًا للفيلسوف الفرنسيّ المعاصر “لوك فيري”(1)، الذي اقترحه إجابة، مِن بين أجوبة أخرى سنتطرّق لها، عن سؤال المعنى في الوجود، أي أنّ الحياة رغم زوالِها تكتسب مُسوِّغًا على أساس التّضحيّة مِن أجل مَن نُحِبّ؛ فكان كتابه “أجمل قصّة في تاريخ الفلسفة”(2) ماتعًا في هذا السّياق.

    ولكن قبل الخوض في الحلّ الرّاهن، نبدأ بالجواب الأوّل المُتمثِّل في الجواب اليونانيّ، وهو العيش في تناغم مع الكوسموس، أي العيش في وئام مع سُلّم التّراتُب الكونيّ المُنظَّم، فيُقصَد بالكوسموس الدّور الذي يؤدِّيه كلّ إنسان على حدى وِفق المكانة التي يشغلها داخل المنظومة البشريّة حسب قُدُراته، فيكون معنى الحياة أو معنى الوجود، بتعبير أدقّ، هو الانسجام الكامل مع المخلوقات الأخرى ليصل الإنسان إلى تحقيق طمأنينة وسعادة، وهي الأفكار التي سادت إبّان الفترة الرّومانيّة مع أساطير “هوميروس”(3)، التي اعتمدها فلاسفة كبار مثل “أفلاطون” و”أرسطو” وأضْفَوا عليها الطّابع العقليّ المنطقيّ في معزل عن الآلهة، إذ يَسْتَعْمِل الإنسان عقله وإرادته في تفسير الظّواهر التي يراها ويعيشها، بِمَلَاذٍ كاملٍ عمّا وراء الطّبيعة، بحيث كما يرى “لوك فيري”: «أنّ العالَم ليس فوضى وعدم انتظام، بل هو على العكس متناغم تماماً؛ وهو ما يطلق عليه اليونانيّون اسم “الكوسموس” أو النّظام الكونيّ»(4). فمعرفة الإنسان مكانته الطّبيعيّة داخل الكوسموس تعطيه أماناً تامًّا في الأبد البعديّ، وبالتّالي يكون الموت مجرّد حالة انتقال، ينتفي معها الخوف منه، ويكون الإنسان قادراً على عيش حاضره مطمئنًّا.

    وكان الجواب الثّاني في رحلة “لوك فيري” الفكريّة، هو الحياة طَمَعًا في الآجلة، أي الحياة على أمل الوصول الآمن للآجلة، وهي الفترة التي سادت طيلة العصر الوسيط، وكان عِمادها الحلّ الدّينيّ الذي يُغري الإنسان بحياة أفضل من حياته، وعيشًا أَهْنَأَ مِن عيشه اعتمادًا على الإله الخالق، فيتخَلَّص من أثقالٍ فكريّةٍ تجثمُ على معنى وجوده، بحيث لا يحاول بذل أيّ مجهود من قِبَلِه للبحث والغوص في معنى الحياة.

    لا شكّ، من هذا المنظور، أنّ الأديان تغوي بحياة أبديّة مثاليّة جدًّا، أكثر ممّا كانت عليه الفلسفة في العصر القديم، إذ الحبّ أقوى من الموت، فبِالحبّ نحقّق الخلاص، وننتظر الحياة الأبديّة مع من نشتاق، بالتّقاسيم والنّبرات والهيئة الخارجيّة نفسها حين أحببناهم، وكما يقول “لوك فيري”: «يظلّ الحبّ إلى الأبد، وتكون الحياة الطّيّبة بهذا المعنى حياة تُؤدِّي بفضل الحبّ إلى الخلود»(5).

    وتَلَخَّصَ الجواب الثّالث في العيش وِفق العقل، وجعلُ الإنسان شيئاً مذكورًا، بمعنى تكريس مفهوم الإنسان الخالد بإنجازاته، معنى ذلك الجمع بين الإيمان واستقلال العقل في الزّمن الحديث، مع عصر النّهضة والثورة الفَلكية التي أعطت بعدا آخر مختلفًا تمامًا عمَّا ساد في المراحل السّابقة، فالحداثة مع القرن السّابع عشر ميلاديّ، كانت فيْصلًا في أشياء عديدة، قطعت مع الماضي الإنسانيّ، وأَسَّسَت على أنقاضه فكرًا جديدًا، يعتمد على الذّات والعقل في تفسير الظّواهر، إذ انقلبت الأمور وعاد الإنسان إلى الذّات لا الموضوع، من الذّات يبدأ كلّ شيء، ولعلّ أحسن من جَسَّد هذا المُعطى الجديد كان الفيلسوف الفرنسيّ “رونيه ديكارت” في قولته المشهورة [أنا أفكر إذا أنا موجود]، وهو تعبير صارخ بفكرة الذّات والأنا فقطّ، والشّكّ في ما سواهما كلّه شكًّا منهجيًّا يقود إلى المعرفة الصّحيحة والإحساس بالذّات وانفعالاتها، مع كون الإله ضامنًا للحقيقة المُطْلقة، فيقول “ديكارت”: «إنّ الذي أعتمد عليه يملك في ذاته كلّ هذه الأشياء العظيمة التي أشتاق إليها، والتي أجد في نفسي أفكاراً عنها، وأنّه يملِكها(…)، في الواقع وبالفعل وإلى غير نهاية، ومن ثمّ أعرف أنّه هو الله»(6).

    بينما كان الجواب الرّابع هو الحبّ في الحياة باستنفاذ الحاضر أو خِفَّة الرَّاقِص، أي الانغماس في الحاضر واستنفاذ إمكاناته كلِّها باعتباره شيئًا نادرًا وثمينًا؛ سيتّجه هذا الحلّ رأساً إلى الفيلسوف “نيتشه”، باعتباره صاحب لقب “فيلسوف المطرقة” التي تضرب لتُزيل القشور عن الإنسان لِرؤية لُبّه وفَهْمِه من الدّاخل، بل وتخليصه من القيود التي تُبعده من عيش إنسانيّته الحقّة، والخالصة بعيدًا عن الالتزامات الإنسانويّة والدّينيّة على السّواء، بمعنى آخر حاول “نيتشه” إزالة الأقنعة التي تُخفي وراءها حقائق عديدة تُظهر الإنسان على فطرته، وما أحوجنا إلى الابتعاد عن المظاهر الخدّاعة لنفهم معنى حياتنا، إذ المعنى عنده في الحاضر الذي يعيشه الإنسان.

    وفي الإطار نفسه، حسب “نيتشه”، أنّ الإنسان حينما يعيش أوقاتًا ممتعة يحسّ فيها بنشوة كبيرة، يجب عليه أن يستغلّها إلى أبعد مدى لأنّ المستقبل مجهول، ولا يجب التّفريط في الحاضر من أجل مستقبل غير معروف، فالموقف هذا يسمّيه “خفّة الرّاقص”، أي عندما يحسّ الإنسان بالتّصالح مع الواقع، فيبلغ آنذاك قوّة تجعله يتمسّك بتلك اللّحظات إلى الأبد، إنّها قمّة الخلاص الإنسانيّ، إذ يقول “نيتشه”: «عندما يعرف المرء “ما الغاية”؟ من حياته. فإنه يرتاح تقريبا لكل “كيف”؟»(7).

    أما ثورة الحبّ، فكانت الجواب الخامس في فلسفة “لوك فيري” باعتباره روحانيّة لائكيَّة(8)، والمُراد هنا التّضحيّة من أجل من نُحبّ، وهي المرحلة الحاليّة التي نعيشها وأساس أطروحته، والتي يسمّيها بـ”الإنسانويّة الثّانية” أي مرحلة ما بعد الحداثة والأنوار، بمعنى آخر مِن الحقبة الحديثة إلى المُعاصرة القائمة على الحبّ، «بل أنّه قد أصبح مبدأً ميتافيزيقيًّا جديداً إذ هو الذي يعطي حياتنا معنى»(9)، فالحبّ بالأساس يتمّ التّعامل فيه مع طرف بما يخدم الفرد والمجتمع، وهو السّبيل لِخَلق مناخ مثاليّ لنا وللأجيال القادمة، وعموماً لِمَن نحبّ.

    أضف إلى ذلك، أنّ الإنسان عامّة والأوروبي خاصّة، قد عاش وجَرَّبَ مجموعة من الأشياء مثل: التّضحيّة في سبيل الوطن، القِيَم، الدِّين، والثّورات… لكنّه وَجَدَ ضالَّته في الحبّ، فأصبح الإنسان حاليًّا يعيش من أجل عائلته وأولاده أي في سبيل من يُحِبّ، ومنه يستمدّ قُوَّةَ وُجوده، وزادًا خصبًا لاستمراريَّةِ عيشِهِ حياةً سعيدةً رغم الأجل المحتوم.

    فثورة الحبّ، حسب “لوك فيري”، هي بمثابة حداثة أخرى تسعى لتقديم مبدإٍ جديد في المعنى يروم البحث عن الأبعاد الإنسانيّة المُهمَلة إلى حدّ الآن، وإخراجها للنّور من خلال الحبّ الذي نُكنُّه اتّجاه مَن نُحبّهم جميعاً، آملين تحقيق السّعادة لهم حاضراً ومستقبَلًا، «وهكذا فإنّ أولويّة الحبّ سَتُنَمِّي فينا مجدَّدًا معنى ما هو جَمْعي، بعيدًا عن الدّفع بنا إلى انطواء فردانيّ»(10)، ما يعني تجاوز الفردانيّة إلى المجتمع، بل وأكثر من ذلك إلى العالَم الذي سنتركه بعدنا لِمَن نحبّهم.

    وختامًا كانت هذه الثّورة الرّومانسيّة مِن الحلول التي أعادت الدِّفء للإنسان في مواجهة المجهول، وأيضًا في مواجهة الثّورة الصّناعيّة والرّأسماليّة المُتوحِّشة، التي جعلت الإنسان آلة من الآلات تتحكَّمُ فيه كما تشاء ووقتما تشاء، فظهرت العاطفة واحتواها الحُبُّ، وهكذا أصبحت ثورة الحبّ نتيجةَ ثورة صناعيّة جارفة استعْبَدَت الإنسان من أجل المال، ولكنّ الحبّ انتصر عليها.

الإحالات والهوامش

(1) فيلسوف ومفكّر معاصر، وُلد سنة 1952م، عَمِلَ وزيراً للتّربيّة والتّعليم في فرنسا ما بين سنة 2002 و2004م، يُعدّ من الفلاسفة الجدد المتفائلين بالحداثة وإنجازاتها، والدّاعين لروحانيّة لائكيّة انطلاقاً من حلّ هو الحبّ.

(2) أجمل قصّة في تاريخ الفلسفة، لوك فيري، ترجمة محمود بن جماعة، دار التّنوير، ط1/2015م.

(3) ابن كريثيس ابنة ميلانوفوس ولدته أمّه على ضفة نهر ميليس ضاحية أزمري وسمّته ميليسا جينيس أي: ابن النّهر ميليس، للمؤرّخين أقوال مختلفة في زمن ظهوره تتراوح بين القرن الثّاني عشر والقرن السّابع قبل الميلاد. تُنظر تفاصيل في: الإلياذة، هوميروس، ترجمة سليمان البستاني، مؤسّسة هنداوي، مصر، ط2/2001م.

(4) أجمل قصّة في تاريخ الفلسفة، مرجع سابق، ص:23.

(5) نفسه، ص:34.

(6) تأمّلات ميتافيزيقيّة في الفلسفة الأولى، رونيه ديكارت، ترجمة وتقديم وتعليق عثمان أمين، تصدير مصطفى لبيب، المركز القومي للتّرجمة، العدد 1297، ط1/2009م، ص:153-154..

(7) أفول الأصنام، فريدريك نيتشه، ترجمة حسان بورقية ومحمد الناجي، أفريقيا الشّرق، ط1/1996م، ص:10.

(8) اللّائكيّة “La Laïcité” لفظة تُستخدَم عند الفرنسيّين بمعنى العَلمانيّة، وهي كلّ نظرة دنيويّة محايِثة لا تخرج عن هذا العالَم إلى عالَم آخر مفارق.

(9) أجمل قصّة في تاريخ الفلسفة، مرجع سابق، ص:59.

(10) نفسه، ص:62.

مصدر الصورة: https://2u.pw/nhMc5

أدب الثامن عشر بعد المائة العدد الأخير فلسفة

عن الكاتب

محمد كزو

التعليقات

  • قال تعالى (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ )
    هذا هو الهدف من خلق الإنسان، كلام واضح وصريح لا يحتاج إلى فلسفة الحياة.
    وأما فلسفة ففي قوله تعالى(كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۖ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ)، فإذا كان الفلاسفة قادرين على تحويل مساره إلى الديمومة، عندئذ يمكن مناقشة أقوالهم..

  • قال تعالى (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ )
    هذا هو الهدف من خلق الإنسان، كلام واضح وصريح لا يحتاج إلى فلسفة الحياة.
    وأما فلسفة الموت ففي قوله تعالى(كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۖ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ)، فإذا كان الفلاسفة قادرين على تحويل مساره إلى الديمومة، عندئذ يمكن مناقشة أقوالهم..

  • تاريخ فلسفي يمتح من مجموعة أفكار بشرية استطاعت تكوين وتطوير نسق الفكر عامة والفلسفي خاصة.
    من منظور شخصي لو تم التفصيل شيئا ما في الأجوبة، حتى نفهم أكثر، سيكون أمرا رائعا وشيقا..
    موفقين

اترك تعليقاً