مخنّث

لـ
Boy_meets_barber
مخنّث

على عتبةِ الباب يجلسُ منتظراً أباه, متسلياً برسم اسمه في الهواء, وممتلئاً بالضجر الذي تسرّب إلى قميصه المكويّ بعناية فبدأ يتجعّد حزيناً عند أطرافه. يقف لينصت إلى شجار والديه. كان يتوقع أن تخرج يد أمهِ من وراء الباب لتسحبه وتنهي انتظاره الذي استطال كظلِّ في صباحٍ لاهب. فتح فرجةً للباب, كان شعر أمه المنسدل قد تطاير في كل اتجاه وهي تروح وتجيء كنمرةٍ هائجة: لن تأخذهُ إلى هذا المخنث .. لن تفعل ! يردُّ الأب بغيظ: ولكنهُ أفضل حلاقي المنطقة .. لن أضع رأسهُ بين يديّ حلاقٍ قذر يستعمل ذات الموسى لألف وجه! يرتفع ثوب الأم مع ارتفاع ذراعها المتوعدة لتنكشف ساقاها المتورمتان من أثرِ الحمل: هذا المخنث أفضلهم!؟ جد حلاقاً آخر لابني وإلا سأحرق محل حلاقته وكل عائلته معه. يصرخ الأب في وجهها: حسناً لن آخذه إليه ..ويكمل متمتماً بينما يتركها بهيئةٍ مخذولةٍ خلفه: اللعنة على هورمونات الحمل . تستمرُّ هي بشتم الحلاق بكل الشتائم التي تعرفها .. والابن الحائر من فرجة الباب يتراجع ليترك رأسه الصغير يتأرجح بدوارٍ خفيف لكلمة مخنث , بينما يهمسُ الأب في أذنه : سنذهب إليه .. لكن لا تخبرها . عندما وصلا إلى محل الحلاقة, كان الآسيوي ذو الأمواس مشغولاً بحلاقة ذقن شاب مغمض العينين, وكان الطفلُ حائراً وهو يتأملُه. لم تكن يداه ضخمتان, ولم يكن له رأسٌ بعينِ وحيدة, وحتى مشيتهُ كانت أخفَّ من أن يكون برجلين آليتين. ماذا يعني أن يكون مخنثاً إذن ؟ راح الابن يتأمل بإخلاص في حروف الكلمة, ويهمسُ بها كلما اقترب من الكرسي الجلديّ ,لكنّ الحلاق لم يبتسم , ولم يغضب , ولم يعرف اسمه الذي أسمته إياه الأم . تساءل الولد بإخلاص: لماذا كانت غاضبة يا ربي ؟ عاد الطفلُ إلى كرسي انتظاره , والده يخبئ رأسهُ في جريدةِ مهترئة الأطراف ويومئ له بصوت : هششش. كلما تمادى في حركته . عاد السؤال يرقص بأجراسه الشيطانية الصغيرة : بابااا … ماذا يعني مخنث؟ النظرةُ التي سقطت من علو الأب على رأس الطفل كانت كفيلة بجعل أجراس شياطينه الصغيرة خرساء للأبد . لم ينتهِ الحلاّق من ذلك الشاب, كان الطفلُ يراقب حركة الأصابع المتمرسة, انزلاق الموسى , بياض الكريمة المحلاة على وجهه . قبل أن ينهض الشاب صفق الحلاق للطفل الذي اندفع بحماسةٍ غير مسبوقة ليقفز على الكرسي المخصص للأطفال. أحاط جسمه بشرشفٍ لامع يعكس أضواء المحل, بدأ يركلُ بقدميه ليرى كيف يتدحرج الضوء في حجره للمرةِ الأولى . الآن سيعرف ما معنى ذلك الشيء, فكر الطفل وهو يراقب الحلاق في المرآة يدفع جهازاً عملاقاً ذو رأسٍ ضخم ليثبته فوق رأس الشاب المسترخي في جلسته والذي أغمض عينيه باستسلام الموتى. توقف عقلُ الطفل وبدأ قلبهُ بالخفقان .. ماذا سيفعل؟ ماذا يريد ! كان الأب قد ترك جريدتهُ وبدأ يراقب ما يُعرض على شاشة التلفاز . لم يلتفت لذعر الطفل الذي تيبست عيناه على نقطةٍ واحدة في المرآة , عندما رأى الطفل الرأس البلاستيكية تبتلعُ رأسَ الشاب ,وعندما فرك عينيه ليتأكد أن هذا الدخان الكثير يطيرُ حقاً من ذلك الشيء, بدأت الأفكار تصفرُ في رأسهِ كريحٍ شتائية : هذا الرأس الذي غاب تحت كثافة الدخان , مسلوقاً, سيصير بيضةً تؤكل ! مالذي ينتظرهُ رأسي إذن ؟ أن أكون بطاطا مهروسة ؟ أو … ! نبضةٌ .. نبضتان .. ثم توقف .. ثم هلع ثم نبضتان. أحسّ الطفل بأنّ أمهُ على حق وبدأ ينتحبُ بنشيجٍ حاد , بلّل بنطاله وسال أثر خوفهِ على أرضية المحل, وبينما قفز الأب ليواري سوءة ابنهِ مندهشاً: مالذي حدث؟ صرخ الطفلُ معلناً نفاد صبرهِ على جريمة والده: لقد عرفتُ كل شيء ! كل شيء يا بابا ! أخرجني من محل هذا المخنث الذي يحول رؤوس الناس إلى بيضاتٍ مسلوقة وإلا سوف أخبر أمي بأنك جلبتني إلى هنا دون علمها .. سأجعلها ترسلك إلى بائع “البليلة” – مخنثالحي الكبير- الذي لن يحول رأسك فقط إلى بيضة , بل سيحولك كلك إلى حبة حمص صغيرة لا يراها أحد .

0 2519 25 مارس, 2011 العدد الثالث عشر, حداء الروح مارس 25, 2011

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.