عندما يثور البركان

لـ

volcano_hawaii_kilauea_Puu_oo

عندما يثور البركان

عندما أرى الثورات التي تتابع علينا ،وأرى الشعوب العربية تتداعى منتفضة من الأقطار العربية ،ولسان حالها :أن كفى ظلما وهضما وقضما لحقوقنا , وعندما أرى الأنظمة وهي تتهاوى كما تتهاوى المنشأة التي أكلتها دابة الأرض، بعد أن نخرت في أجزائها ،عندما أتذكر كل ذلك تعود بي الذكرى إلى نصر بن سيار والي الأمويين على خرسان حيث كتب إلى أمرائه:

أرى تحت الرماد وميض جمر*ويوشك أن يكون لها ضرام
فإن النار بالعودين تذكـــــــــى* وان الحرب مبدأها كــــلام

محذرا من ثورة البركان التي ستأتي على الدولة فتلتهمها وتنتقضها من أطرافها ،وان النار لا تزال في بداية استعارها لكنها ما تلبث أن تتوهج ويزداد سعيرها إذا لم تقفوا على الأسباب ،وتعالجوا المشكلات، ولكن رسالة نصر لم تقابل إلا بأذن من طين وأذن من عجين:

فقلت من التأوه ليت شعري* أأيقاظ أمية أم نيام

فقد ظل الأمراء في غيهم فحبابة عن يمينهم تسقيهم كؤوس الهوى وسلامة عن شمالهم تغنيهم وتطربهم ، محيطين أنفسهم ببطانة تزين لهم القبيح ،وتملي عليهم ما يحلو لهم سماعه، غير واعين بما يعتمل في صدور الشعب من غيظ وحنق وهم يرون مال الله يتخذ دولا وعباده يتخذون خولا ،ويرون أنفسهم كالأيتام على مائدة اللئام، وأنهم يورثون كما تورث القطعان، فكان أن قامت الثورة وهبت الشعوب من مختلف الأقطار وفر الأتباع والبطانة وسقطت دولة بني أمية وقتل مروان بن محمد آخر ملوكها شريدا طريدا .
على أن الثورة على الأمويين سرعان ما تم الالتفاف عليها حيث انتقلت إلى من هو أظلم وأغشم وبعد أن كانت الدولة عربية أعرابية صارت أعجمية فارسية –على حد تعبير الجاحظ- وبعد أن كان الأمير يخرج إلى الناس ويلقاهم ،أسدلت الأستار الكثيفة والحجب المنيعة بينه وبينهم بل سار الخليفة ألعوبة في يدي الفرس والترك يولون من شاءوا ويعزلون من شاءوا

رب زمان بكيت منه* فلما تولى بكيت عليه.

وقد يكون هناك من هو غير مبغض للدولة والنظام القائم باعتبار انه لم يقع عليه حيف أو ظلم ولكنه مع ذلك يتمنى زواله حيث إنه يمني نفسه بشيء من المكاسب التي قد تتحقق له على حد قول الشاعر:

إذا لم يكن للمرء في دولة امرئ *نصيب ولا حض تمنى زوالها
وما ذاك من بغض لها غير أنه*يرجي سواها فهو يهوى انتقالها

فما بالك بمن كان مسحوقا يلتحف السماء، ويتوسد الغبراء ،لا يجد ما يسد جوعته ،أو يواري سوأته ،فهذا لن يتمنى زوالها فحسب ،بل سيعمل جاهدا من أجل ذلك.

إن التاريخ يعيد نفسه اليوم، فالظلمة هم الظلمة يستبيحون الحرمات ،ويسطون على المقدرات، ويدوسون الشعوب غير آبهين بأنات الثكالى، ودموع اليتامى، وصيحات الأرامل ،وصرخات الجوعى والمحرومين، فكما سقط الظلمة وداستهم سنابك الخيل قديما، فسوف تدوسهم أقدام الشعوب اليوم، وسيجلبون عليهم بخيلهم ورجلهم ،فعندما تثور الشعوب فلها القول الفصل والحكم العدل ،فهي- قضاء الله الغالب وقدره الذي لا يرد -كما يقول إقبال ،وإذا كانت قوى الاستكبار العالمي تريد حكاما مستبدين في منطقتنا العربية فإنها تريدهم مستبدين ولكن بشرط ان يكونوا حائزين على الرضا الشعبي لأن عدم استقرار الأحوال سيودي بمصالحهم في النهاية، وهذا ما يفسر تخليهم عن زين العابدين بعد أن كان طفلهم المدلل وشرطيهم المبجل ،وإذا كانت السلطات إما أن تكون قسرية أو تعويضية أو تلاؤمية كما يقول جون كينيث في كتابه “تشريح السلطة” فان ممارسة السلطة القسرية لوحدها بما تحمله من إخضاع وخنوع وتهديد قد أثبتت فشلها في الإبقاء على الكراسي منتصبة أمام مطارق الشعوب المهضومة ، و أثبتت فشلها في تركيع الشعوب في الماضي فما بالك بالشعوب الحية اليوم التي باتت تدرك تماما حقوقها و وواجبات حكامها وأصبحت تعي أن بقاء الحاكم وعزله هو بيدها وحدها .

ولذلك ينبغي للحكام أن يعوا هذه الحقائق فلا تقوم الحكومات على القسر والقهر بل ينبغي أن يمزجوا بين السلطات الثلاث مكثفين من استخدام السلطة التلاؤمية فهي التي تحوي الجميع بما توفره من تبادل للآراء وما تستخدمه من إقناع وما تقوم عليه من تنظيم،وما تستدعيه من رضا بها وقبول بمبادئها،وما يصحبها من تطور حتى يكون الجميع صفا واحدا آخذا بعضهم بحجز بعض نحو ما من شأنه رفعة البلاد واستقرارها .

0 1283 25 مارس, 2011 العدد الثالث عشر, سياسة مارس 25, 2011

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.