الطّيب صالح مرة أخرى!!

كتب بواسطة رشيد الخديري

رغم مرور أكثر من نصف قرن على صدور الطّبعة الأولى من رواية “موسم الهجرة إلى الشمال” للروائي السوداني الطيب صالح، إلا أنها ما زالت تحظى بشغف القرّاء، وتستأثر باهتمامهم وميولاتهم،  وكلما حدث تماس مع الآخر/ الغرب، إلا وتذكرنا هذه الرواية وأعدنا قراءتها من جديد، بالشغف نفسه، كمحاولة لفهم وتفكيك هذه العلاقة الملتبسة بيننا وبين الآخر المختلف عنا أفقا وهوية وتفكيرا. إنها رواية تعيد لهذا الشرق الجريح هويته وتاريخه وشغفه بالحياة، خصوصا في ظل تنامي هذا الصراع الخفي بين الشرق والغرب، ولعلّ الطيب صالح من خلال هذه السرديات حاول مَوْقَعَةَ الفضاء الشرقي الممتد والمتراحب في فضاءات مختلفة ومغايرة، كنوع من السيرورة التي يفرضها سؤال المثاقفة أو تجسير للصلات والعلائق، وإلى جانب ذلك، يمكن اعتبار هذه الهجرة إلى الشمال، بمثابة رد فعل رمزي على ما اقترفه الغرب الغازي الأمبريالي من نهب لخيرات الكون العربي ومحاولاته طمس الهويّة العربية، وها هنا، في كلَّ صفحات الرواية، تتردّد هذه العبارة الأثيرة: “جئتكم غازيا“، فنسمع أصداءها وترجيعاتها بين سطور الرواية، وفي ذاكرة القرّاء والمتلقّين، إلى درجة أنه يمكن أن نعُدّ ذلك وبتعبير بيل أشكروفت “رداً بالكتابة“، فعل إزاء فعلٍ، أو لنقل أفعال اقترفها الآخر، وهو ردٌّيسمح بتبئير العملية السردية والانتقال بها من مستوى سطحي إلى مستوى آخر، أكثر عمقاً ودفقاً،  واللافت أن هذه الرواية تعكس وعيا مثاليا بفن الرواية، خصوصاً أن الفترة التي صدرت فيها هذه الرواية، تُعد مرحلة الإرهاصات الأوليّة لتبلور الفن الروائي عربياً، ومع ذلك فالطيب صالح أستطاع الكتابة بحرفيةٍ عاليةٍ وبحنكة مجرّبٍ، مستجمعاً الأصوات المتعددة والمتعدية بالمفهوم الباختيني، حيث ثمة رهان على ثلاثة أصوات: صوت الراوي/ السارد، وصوت البطل مصطفى سعيد، وصوت الجد؛ وتبرز هاهنا دلالات الجيلية في تقمص أدوار الحكي والاضطلاع بمهمة السرد والتعبير عن وجهات نظر مختلفة، وهو ما تكشف عنه رؤى الرواية وعوالمها المنشغلة بتأثيت الفضاءات والفراغات والأماكن البيضاء، لكن هذه الأصوات ورغم اختلافها وتعدديتها، فإنها تقيم في التخوم نفسها، في دائرة القلق والشغف والبحث عن الخلاص في محاولات الإجابة عن سؤال الهوية المفقودة، وعن جدلية الشرق والغرب ثم عن هوس الإنسان وشغفه بكل ما هو حميمي، بيد أن موسم الهجرة إلى الشمال؛ تمنح القارئ عالما مدهشا ورائقا، تتخلله بين اللحظة والأخرى، نتف من الأراء والافكار حول الوجود والحياة والحب والجنس والصراع حول السلطة، وكلها قيم أثيرة لا تزال تسكن وتعشش في ذاكرة الإنسان العربي، والسوداني بشكل خاص، لذلك، فإن الرواية ترتبط دلاليا ورمزيا برؤية الطيب صالح للعالم، وما ينطوي عليه من مفارقات وتناقضات، كون هذا العالم المسكون بالطوباوية ودوكسا الحلم والحلم الرؤيوي ومعادلات الخسارة والربح في معترك الحياة، وهنا تتبدى شخوص هذه الرواية وكأنهم يتحركون ضمن رقعة شطرنجية ضيقة رغم شساعة الكون، فالعبرة ليست بالرقعة، بل بطريقة اللعب ووضعية البيادق والقواعد، وهنا نستهدي بستيفان زفايغ للتعبير عن ذكاء اللاعبين أمام صرامة القواعد، وطريقة اللعب وتوزيع الأدوار، إلا أن الطيب صالح له طريقة لعب خاصة، وله قواعد خاصة في الكتابة أيضاً، أثناءها وبعدها، فهو الكاشف عن لعبة سردية بثلاث لاعبين، وما تبقى من فراغات تملؤها الذاكرة.

   بهذه الحفريات في سؤال الهوية، تضاعف رواية الطيب صالح الشعور بضبابيّة الأفق، وتجعل القارئ على تماسٍ دائمٍ مع فورة الإحساس بالتلاشي والدونيّة وانعدام الأمان، وتحفيزه على الانخراط في بلورة مفهوم جديدٍ للهوية، ضداً في أنساق الهيمنة والتّسلط التي مارسها الغرب ولا يزال وكأنه الوحيد الذي يمتلك ويحتكر الحقيقة، وفي هذا السياق من الصراع حول المصير الإنساني، سواء في الشرق أو الغرب تتعالق أحداث الرواية وتتشابك لتحرير الذات من تاريخها الشخصي، شاعرةً بحالات من اليأس والإحباط والانتهاك، فمصطفى سعيد (البطل) يُمثِّل نموذج الشاب العربي الحالم بالعبور الضفة الأخرى، مقابل شخصيات أخرى لا ترى في الغرب إلا نوعاً من التّبعيّة العمياء، وبين هذا وذاك، تبقى للرواية شغفها بالسرد الرائق الشائق، مما بوأها مكانة رفيعة في خريطة السرد العربي.

مصدر الصورة: https://2u.pw/ibBpT

أدب التاسع عشر بعد المئة العدد الأخير

عن الكاتب

رشيد الخديري

اترك تعليقاً