تجليات التاريخ والمثاقفة في الرحلة النسائية- من خلال مؤلف اثنتا عشرة سنة من الاستعباد رحلة أسيرة هولندية في بلاد المغرب

كتب بواسطة مينة عبلة

تعد الدراسات في مجال الرحلة دراسات غزيرة، لعل الريادة فيها تعود إلى المركز العربي للأدب الجغرافي الذي خصص جائزة سنوية للمبدعين والباحثين في مجال الرحلة، وتعد رحلة “ماريا تير ميتلن ” المعنونة بـ”اثنتا عشرة سنة من الاستعباد رحلة أسيرة هولندية في بلاد المغرب 1731-1743″، والتي قام بترجمتها وتقديمها بوشعيب الساوري، من الرحلات النسائية التي حظيت بجائزة ابن بطوطة لأدب الرحلة حيث قيل في حقها: “من النادر أن نجد عنصرا نسويا بين الرحالين الغربيين إلى العالم العربي مشرقا ومغربا، وإذا ما استثنينا بضعة أسماء من الغربيات اللواتي توجهن إلى المشرق العربي، لاسيما البريطانيات ممن زرن الشرق في القرن التاسع عشر، فإن اللواتي ظهرن في المغرب كن غالبا من الأسيرات. ومن بين هؤلاء صاحبة هذه المذكرات، الهولندية “مارية تير ميتلن” التي وقعت أسيرة في يد القراصنة المغاربة، وتركت لنا نصا رحليا مهما عن الحياة اليومية في مغرب أواسط القرن الثامن عشر، وما عرفته السنوات التي قضتها هناك من أحداث سياسية واقتصادية واجتماعية متقلبة وصادمة [1].

بالحديث عن الرحلة وجب التذكير بأنها كلمة تعلن عن سرد للأسفار وتتضمن معنى الذهاب بعيدا عن الموطن الأصل، كما تفتح أفق انتظار يرتبط بالنوع نفسه، أي أن القارئ ينتظر وصفا للبلدان التي زارها صاحب الرحلة [2].  فالرحلة جولة في الفضاء، في الحاضر، بينما التاريخ جولة في الزمن الماضي، الرحلة وصف، والتاريخ سرد، إلا أن هذه المقابلة تبقى نسبية؛ لأن الرحلة تتضمن قسطا من الخطاب الوصفي [3].

إن الرحلة ارتبطت عبر مساراتها وتاريخها بالتأليف الرجالي، بمعنى أن أغلب الرحالة الذين كتبوا عن الرحلة ودونوا أخبارهم وأسفارهم كانوا رجالا، ونذكر على سبيل المثال لا الحصر: رحلة ابن بطوطة الشهيرة، رحلة ابن جبير، رحلة التمكروتي، رحلة الأفوقاي الأندلسي، كلها رحلات صدرت عن رحالة رجال، لكن من الندرة أن نجد الحديث عن رحالات نساء، ومن هذا المنطلق جاء فضول البحث في الرحلة المسرودة بصيغة المؤنث ومن هنا كان التساؤل حول وجود المرأة ودروها في السرد الرحلي الموثق للثقافة والمثاقفة مع الآخر؟  فكان اختيار هذا المتن المعنون بـ”اثنتا عشرة سنة من الاستعباد، رحلة أسيرة هولندية في بلاد المغرب 1743-1731″ لماريا تير ميتلن.

لقد اتسمت هذه الرحلة بحضور المرأة حضورا فعالا وأثيرا، ظهرت في المتن بوجوه متنوعة وأدوار وأوضاع مختلفة، في المجالين الاجتماعي والسياسي، وتجلت بصور مختلفة عما درجت عليه بعض الرحلات. فالرحلة التي تدونها امرأة ربما لها مميزات خاصة تختلف عن تلك التي يكتبها رجل.

لقد جاءت نصوص هذه الرحلة منفتحة على خطابات متعددة، شملت عالم النساء، وعالم الرجال من المغاربة والإسبان والفرنسيين والهولنديين والمسلمين والنصارى، من خلال عقد مناظرة ومقارنة بين الأنا والآخر، عن طريق الصورة التي قدمتها الكاتبة عن الوقائع والأحداث التي عاشتها طوال مدّة الأسر.

لقد شكلت الرحالة الأسيرة عنصرا مهما في الخطاب السوسيو سياسي للرحلة، في تجاوز لنظرة العربي إلى الغربي، فإذا كانت رحلة ” أفوقاي الأندلسي رحلة الشهاب إلى لقاء الأحباب التي كانت 1613-1611 م لأحمد بن القاسم الحجري” من الشرق باتجاه الغرب، فإن رحلة “ماريا تير ميتلن” هي رحلة عكسية من الغرب إلى الشرق، فهي رحلة لم تكن اختيارية أو سفارية، بقدر ما يمكن أن تُعدّ جبرية قسرية اضطرارية، رحلة أسر وسجن لمدة لم تكن باليسيرة أبدا، طرحت عددا من الإشكالات الدينية والعقدية والأعراف والتقاليد، بحيث كانت الرحالة الأسيرة صوتا كاشفا عن الاختلافات الكبيرة والعميقة التي وجدتها بين موطنها الأصل هولندا وبلد الأسر المتجلي في المغرب، بحيث برزت لنا صورة الآخر الغربي ضئيلة وشبه متلاشية.

إن المتأمل لهذا المتن سيرى نوعا من الحركة ومخالطة الناس والأقوام، وهنا تبرز قيمة الرحلة التثاقفية، كمصدر لوصف الثقافات الإنسانية، ولرصد بعض جوانب حياة الناس اليومية في مجتمع معين خلال مدّة زمنية محددة، لذا كان للرحلات قيمة تعليمية من حيث إنها أكثر المدارس تثقيفا للإنسان وإثراء لفكره وتأملاته عن نفسه والآخرين [4].

كل رحلة بطبيعتها اكتشاف للعوالم وبحث عن مكنونات ثقافية واجتماعية عند عشيرة ما، فالرحالة يقوم في أغلب الأحيان بوصف لمختلف المكونات الاجتماعية والسياسة والثقافية والدينية وغيرها. كما يتطرق في بعض الأحيان للجانب اللغوي، وذلك للأهمية التي تكتسيها اللغة لأنها تعبير عن رؤياه، وهي مرآة تعكس تاريخ الشعوب وثقافتهم [5]. وتبرز الترجمة في هذا النص الرحلي كعنصر أساس في تشكل المثاقفة بين الأنا والآخر منذ وصول الرحالة إلى أرض المغرب ووقوفها بين يدي الملك الذي لم تستوعب كلامه إلا بحضور ترجمانة خاصة كانت بين حضور مجلس الملك، وهنا يظهر لنا الدور القوي للترجمة في ربط الجسور بين اللغات وتحقيق التواصل وتبليغ الرسائل، واستقبال الآخر الغريب بدل صده أو السيطرة عليه.

إن هذه الرحلة رحلة التعدد في اللغة والانتماء والعرق والديانة، بين عرب مسلمين مغاربة، ومسيحيين ويهود، واسبانيين وهولنديين وبرتغاليين، إنها رحلة الأسر الممتد عبر اثني عشرة سنة من الاستعباد، ولهذا فإننا أمام تنوع اجتماعي وثقافي يغص باللغات والأصوات ذات القطب المتنوع، الشيء الذي يجعلنا أمام خطاب تعبيري من أهم ملامحه التعدد والتنوع، من خلال عملية سردية لحكايات السفر والتنقل بين أمكنة مختلفة، ومن هنا يمكن القول إننا كنا أمام تمثيل سردي لحكاية واقعية يرويها شخص بضمير المتكلم أو الغائب من خلال تمثيل لأحداث ومواقف فعلية أو افتراضية متسلسلة زمنيا، رغم وجود توترات سياسية ملتبسة عاشها المغرب تلك المدّة.

والناظر في هذا النص الرحلي سيجده شذرات سردية تارة وحوارية تارة ووصفية تارة أخرى، زيادة على عنصر التأريخ والتوثيق الحاضر بقوة من خلال ذكر بعض التواريخ المرتبطة بأحداث واقعية عاشتها الأسيرة وحدثتنا بها وجعلتنا نتقاسم معها محنة الأسر والاستعباد والغربة والبعد عن الضفة الأصل. فنحن لم نكن مطلقا أمام مواجهة حضارية بين الأنا والآخر وإنما أمام تمازج ثقافي صرف بين بنيات مختلفة في ظروف متباينة.

لائحة المصادر والمراجع:

أولا: المصادر:

-تير ميتلن ماريا: اثنتا عشرة سنة من الاستعباد، رحلة أسيرة هولندية في بلاد المغرب 1731-1743 ترجمة وتقديم بوشعيب الساوري، دار السويدي للنشر والتوزيع، الإمارات العربية المتحدة، الطبعة الأولى 2018.

ثانيا المراجع:

-كيليطو عبد الفتاح، الحكاية والتأويل، دراسات في السرد العربي، إصدارت دار توبقال، الطبعة الثانية 1999.

ثالثا المقالات:

– الشامي نزيهة، وصف الرحالة الغربيين للوضع اللغوي بالمغرب، الرحلة بين الشرق والغرب، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، تنسيق محمد حمام، الطبعة الأولى 2003.

– فهيم حسين، أدب الرحلات، عالم المعرفة، العدد 138، يونيو 1989.


* مقتطف من الغلاف الخلفي لنص الرحلة.[1]

-الحكاية والتأويل، دراسات في السرد العربي، عبد الفتاح كيليطو، إصدارت دار توبقال، الطبعة الثانية 1999، ص 73,[2]

-نفسه ص 73.[3]

– أدب الرحلات، حسين محمد فيهم، عالم المعرفة، العدد 138، يونيو 1989، ص 15.[4]

– الرحلة بين الشرق والغرب ، وصف الرحالة الغربيين للوضع اللغوي بالمغرب، نزيهة الشامي ،ص 319[5]

مصدر الصورة: https://2u.pw/PBHIa

أدب التاسع عشر بعد المئة العدد الأخير

عن الكاتب

مينة عبلة

اترك تعليقاً