في تزكية النفس مدخل وإشكال

لـ

2208270481_small_1

في تزكية النفس مدخل وإشكال

منذ فلاسفة اليونان أرسطو وأفلاطون قديماً مروراً بابن سيناء والفارابي والغزالي فلاسفة المسلمين وانتهاء بفلاسفة العصر الحديث شغلت النفس كل هؤلاء بسرّ جودها وماهيته، وحقيقة تقسيمها وغايته.
فقد قرأ أفلاطون النفس قراءة مستفيضة عميقة، واستخرج من قراءته أنها جوهر مستقل عن البدن، ومفارق له، وتحرك البدن وتصرفه، وتسعى في الوقت ذاته إلى الخلاص منه، ويرى أيضاً في تقسيمها أنها تنقسم إلى ثلاثة أنفس: نفس ناطقة إلهية، ونفس غضبية حيوانية، ونفس نباتية نامية شهوانية.
وبعيداً عن تفلسف الفلاسفة فقد تناول النص القرآني النفس في الكثير من آياته، بلغ عددها 295 آية، ويختلف مفهومها حسب السياق الذي ترد فيه، فتارة يقصد بها الذات، كقول الله تعالى: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ) المائدة:45، ومرة تأتي في محل تصوير الصفات والمضامين التي تكتنفها، كقول تعالى: (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ) الفجر:27.
وعندما يتصفح القاريء مدونات العلماء والكتاب، يرى تعدد القراءات والرؤى في تقسيم النفس، فمنهم من يراها ثلاثة أقسام، وهو الرأي الأشهر، ومنهم من يراها خمسة أقسام، وبعضهم أوصلها إلى سبعة أو تسعة أقسام.
والتقسيم كتقسيم، يثير تساؤلاً، ما مدى انسجام هذه القراءات مع الوحي المسطور؟ لكونه كتاباً (لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) فصلت:42.
جاءت إشارات في النص القرآني تشير إلى بعض الأنفس، واستشهد بها البعض على التقسيم الثلاثي للنفس: (النفس الأمارة بالسوء، والنفس اللوامة، والنفس المطمئنة) والإشارات الواردة كالتالي:
الإشارة الأولى قول الله تعالى: (وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ) يوسف:53.
الإشارة الثانية قوله تعالى: (وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ) القيامة:2.
الإشارة الثالثة قوله عزّ وجل: (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ) الفجر:27.
وهذه القراءة على حسن إشاراتها، غير أنه توجد نصوص أخرى تشير خلاف المفهوم المشار إليه من التقسيم الثلاثي، كقول الله عزّ وجل: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا) الشمس:7.
وحين تدبر القرآن الحكيم، لفهم هذه الآيات، يتبيّن أن الكتاب العزيز لم يتعرض إلى تقسيم النفس، بل رسمها نفساً واحدة بخط عربي مبين، كما تجلى في الآية الآنفة الذكر، وما اعتبر تقسيماً في الآيات الثلاث السابقة من سور (يوسف، والقيامة، والفجر) فالواضح أنه حراك نفسي، أو صفات أو أحوال -كما يعبر الغزالي- تتحول فيه النفس، ويفهم ذلك من السياق الواردة فيه، والقول بتقسيمها يحدث إشكالاً تعارضياً صارخاً، مع ما ورد في سورة الشمس من السطوع بنفس واحدة، وحين إضافة الآية التي بعدها يتجلى أنها تحمل مضمونين جُبلت عليهما:
الفجور، والتقوى.
يقول الله تعالى: (فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا) الشمس:8.
وأما السوء واللوم والاطمئنان، فالظاهر أنها لا تدخل في إطار التقسيم الثلاثي للنفس، ولا الخماسي ولا غيره، بل هو حراك مفتوح متعدد، حسب المواقف التي تمر بها النفس، فمرة يكون حراكاً بالسوء، وحراك السوء ينتج المنكر، ومرة حراك الاطمئنان وينتج الخير والمعروف، وتارة حراك اللوم وينتج الندم على الخطأ أو الندم على خلاف الأصوب، و كل ذلك حراك في المضمونين: الفجور، والتقوى.
وهناك حراك غير هذا متعدد ومختلف حسب المواقف والظروف وحسب الحراك الاجتماعي الذي يعاركه المرء في الحياة، ففي مضمون الفجور مثلاً يكمن حراك الهوى، وحراك الحسد، وحراك الحقد، وحراك الكراهية، وحراك الرياء، وحراك العجب، وحراك الحزن، وحراك الغضب، وحراك الخوف، وهذا الحراك الأخير تارة يكون في مضمون الفجور ومرة في مضمون التقوى، حسب الحالة التي يمر بها الإنسان، فلكل مقام حالة ولكل موقف صفة، فالحراك في مضمون الفجور متلون بتلون الحياة ومعاناة الإنسان اتجاهها.
وفي مضمون التقوى يكمن حراك السعادة، وحراك الفرح، وحراك حسن الظن، وحراك الرضا، وحراك الحب الخيري، وحراك الطيب، وحراك الهمة نحو فعل الخير، وحراك التواضع، وغيرها، وهو أيضاً متعدد الألوان وفق ظروف الحياة وتلونها، وحسب الاختيار الإنساني.
فهذا الحراك أو هذه الصفات في المضمونين بالإمكان الإطلاق عليه تجوزاً أسماء للنفس، كأن يقال: النفس الحاقدة، أو النفس الخائفة، أو الغاضبة، أو النفس الفرحة، أو المحبة، أو الراضية، وحينها لا يمكن حصر هذا الحراك في تقسيم معين، ومن هنا جاء الخطاب القرآني في سور (يوسف والقيامة والفجر) في سياق مسمى الحراك النفسي، فأطلق عليها مسميات: الأمارة بالسوء، واللوامة، والمطمئنة، غير أن النفس واحدة وسطوع ذلك واضح من خلال الآيات الربانية.
والظاهر أن التقسيم الذي قسمه أهل العرفان، ناتج من التأثير بالفكر الهرمسي الأفلاطوني، فعهد الترجمة للتراث اليوناني لم يكن ترجمة للمؤلفات الفسلفية فحسب، بل حتى المؤلفات العرفانية الهرمسية، فابن سيناء تجده في مؤلفاته متأثراً بالهرمسة اليونانية وتبنى النظرية الهرمسية التي تقوم على اعتبار النفس جوهراً مستقلاً عن البدن، ويعتبرها جزءاً من الإله المتعالي فإذا خضعت لعملية التطهير تطهيراً كاملاً تعود إلى أصلها الإلهي وتنكشف لها الكشوفات. تجد ذلك في مختلف مؤلفاته مثل: كتاب “الشفاء” و”النجاة” و”الإشارات والتنبيهات”، وكما يذكر محمد عابد الجابري بأن ابن سيناء تبنى الهرمسية بكاملها بتصوفها وعلومها السرية، وإحياء علوم الدين لم يعط أي دور للعقل وسعى خلف الكشف والوصال والرياضة والتطهير( ).
ومسألة تطهير النفس أو تزكيتها، تعرض لها النص القرآني، برؤية كلية شمولية، وصور ذلك بطريقين؛ السمع والعقل، والشاهد قوله تعالى: (قَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِير) الملك:10، فما تحمله النفس من مضامين الفجور تكون سبباً في شقاء الإنسان في الآخرة إن فعّلها، ولذا يتحسر الكفار في الآخرة لأنهم فعّلوها، فلم يستجيبوا لإنذار المنذرين من الأنبياء والمرسلين، والدعاة والمصلحين، وأخبروا عن أنفسهم بأنهم لو كانوا يسمعون أو يعقلون، أي يسمعون آيات الله القرآنية والكونية ويعقلونها، ما كانوا من أصحاب السعير.
من هنا يفهم أن إصلاح النفس يكون بطريقين:
الطريق الأول: هو الطريق القرآني، أي السمع، لكونه يحمل شفاء لكل مضامين الفجور يقول الله تعالى: (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلا خَسَارًا) الإسراء:82، وهو في الوقت ذاته كتاب هداية يقول تعالى: (ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ) البقرة:2.
فمن هنا يكون إصلاح النفس عبر القرآن الكريم بأسلوبين:
الأول: التزكية، ويؤخذ ذلك من قول الله تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ۝ وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا) الشمس:8-9، فالنفس في الحقيقة تزكى وتطهر، من مضامين الفجور، وذلك بعرضها على النص القرآني وحملها على العمل بمقتضاه، وفق فهم القاريء وتدبره ووعيه.
الثاني: النهي، ويؤخذ من قوله تعالى: (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى) النازعات:40، فالنفس تُنهى عن فعل السوء والشر وكل ما تحمله من مضامين الفجور.
الطريق الثاني: هو طريق العقل، كما أشارت الآية 10 من سورة الملك، فالعقل ينهى النفس عن غيّها وهواها وعن كل مضامين الفجور، ويدعوها إلى الرجوع إلى الرشد والحق، لذا يسمى العقلاء أولي النهى، يقول الله تعالى: (إنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لأُولِى النُّهَى) طه:54، قال اطفيش: “والنهى جمع نهيته بضم النون، وهي العقل وسمي لأنه ينهى عن الباطل، كما سمي حجراً لأنه يحجر عنه أي يمنع وعقلها لأنه يكف عنه”( )، فالعقل ينهى ويكف ويحجر النفس عن تحريك مضامين الفجور نحو الباطل.
كما جاء في الأثر: “وسمي العقل عقلاً لكونه مانعاً النفس فعل ما تهواه مأخذه من عقال البعير المانع لها أن تهيم على وجهها”( )، ويقول الله تعالى: (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ) الأعراف:179.
لقد كثر التعبير لدى الكتاب والمفكرين حول النفس وتزكيتها، وكتاباتهم لها قيمتها ووزنها الذي لا يستهان به، بيد أنهم يعبرون عن تزكية النفس بتغيير النفس، ويستشهدون بقول الله تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) الأنفال:53، وبقوله: (إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) الرعد:11.
وهذا الاستشهاد في الحقيقة بحاجة إلى استئناف النظر فيه، لأنه حينما يقف المتدبر للقرآن مع لفظة التغيير الواردة في النص يراها تأتي في موضع السلب، وهذا ينسحب على جميع الآيات القرآنية الواردة فيها اللفظة، وقد وردت في أربع آيات وهي:
قوله تعالى: {وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ اْلأنْعَامِ وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا} النساء:119.
وقوله: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} الأنفال:53.
وقوله: {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ} الرعد:11.
وقوله: {مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ} محمد:15.
ومن البيّن أن هذه الآيات الأربع ذكرت “التغيير” بخمسة ألفاظ وهي :”فليغيّرن، مغيّرًا، يُغيّروا، يُغيّر، يتغيّر”، وتكررت فيها لفظة “يغيّروا” مرتين في سورة الأنفال الآية 53، وفي سورة الرعد الآية 11، فأصبح العدد 6 ألفاظ، ومع اختلاف اللفظ لكلمة التغيير في الآيات الآنفة الذكر إلا أنها ذكرت كلها في التصور السلبي، بمعنى التحويل والتبديل إلى الأسوأ أو الأقبح.
لم تأت لفظة “التغيير” في القرآن الكريم بالمعنى الإيجابي بتاتـًا، ففي الآية 53 من سورة الأنفال جاءت الآية واضحة في سياق المعنى السلبي.
أي أنها تتحدث عن قوم غيّروا ما في أنفسهم من حراك مضامين التقوى والصلاح إلى مضامين الفجور والطلاح، فكانت النتيجة أنْ غيّر الله النعمة عليهم، ومثـّل ذلك بقوم فرعون، فهو تغيّر سلبي، من النعمة إلى النقمة.
والآية عندما ذكرت: {حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} الأنفال:53 يفهم منها أن الله أراد لهم حراك مضامين التقوى والنعمة، فإذا أحدث قوم تغييرًا في مضامين التقوى بحيث يقومون بترجيح مضامين الفجور على مضامين التقوى فإن الله حينها يغيّر النعمة عليهم إلى نقمة.
وتشير الآية أيضـًا إلى أن النفس تُنهى إذا قصد لها الإصلاح أو التزكية، ومضامين الفجور في النفس من السوء والحسد والحقد والهوى وغيرها لا تغيّر لأن النفس جُبلت عليها، يقول الله تعالى:{وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ۝ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} الشمس:7-8، وإنما يقوم المرء بنهيها عن حراك مضامين الفجور فيها، كما سبق ذكره، يقول تعالى: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى} النازعات:40، أو يقوم بتزكيتها، يقول تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا} الشمس:9، لا بتغيير أمر جُبلت عليه.
فما يعبر به اتجاه النفس بالتغيير في نطاق الإصلاح من قبل المصلحين، هو في الحقيقة تزكية للنفس أو نهي عن حراك مضامين الفجور.
ولذا فالآية 53 من سورة الأنفال تتحدث عن التغيير من الإيجاب إلى السلب في مضامين النفس أي من مضامين التقوى إلى مضامين الفجور، وهذا التغيير السلبي لكونه غير مطلوب من الإنسانية عُبر عنه بالتغيير، كما عبر الشيطان في قوله تعالى: {فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ} النساء:119، لأنها كلمة تدل على الإصرار والشدة.
ولو كانت الآية تتحدث عن التحول من مضامين الفجور إلى مضامين التقوى لعبرت بالنهي أو التزكية كما جاء في باقي الآيات المشار إليها آنفـًا، بمعنى أن التغيير في الآية لمضامين النفس يعبر به في التحول من مضامين الإيجاب إلى مضامين السلب، لا من مضامين السلب إلى مضامين الإيجاب، وما يؤيد ذلك أن لفظة “التغيير” في الخطاب الإلهي تأتي دائمـًا في موضع السلب كما تبيّن ذلك من الآيات السابقة في سرد لفظة “التغيير”، بينما في سياق موضع الإصلاح للنفس يعبّر الخطاب الإلهي بلفظة “النهي” أو لفظة “التزكية” ومشتقاتها.
وفي الآية 11 من سورة الرعد كذلك جاءت في نفس السياق، حيث إن الله ذكر بعد التغيير أنه إذا أراد بقوم سوءًا فلا مردّ له، وذلك بسبب تغيير ما في أنفسهم من مضامين التقوى إلى مضامين الفجور، فسبق الجزاءَ السلبي التغييرُ السلبي.
قد تأتي اللفظة في المعاجم اللغوية بالمعنيين السلبي والإيجابي، ويغلب عليها الجانب السلبي، يقول ابن منظور: (وتغيَّر الشيءُ عن حاله: تحول، وغيَّرَه: حوَّله كأنه جعله غير ما كان)( ).
وأحيانـًا تأتي بالمعنى الإيجابي يقول ابن منظور: (يقال: غَيَّر فلان عن بعيره إذا حط عنه رَحْله وأصلح من شأنه)( )، ولكن هذا المعنى يقصد به ردّ الأمر إلى وضعه السابق بمعنى ممارسة العملية الإصلاحية اتجاه المجتمع.
ولا يعني ما عرض حول صيغة “التغيير” من أن القرآن خصمـًا لفكرة التطور والتغيير الإيجابي، بل هو المؤسس لهذه الفكرة من خلال آياته الربانية، التي تدعو إلى النظر في آيات الأنفس والآفاق، وإرشاده إلى الإعمال العقلي والتدبر الفكري في الآيات التشريعية والكونية، لمسايرة الأزمنة والعصور والتحولات والتطورات.
والفهم الموروث أدى ببعض أهل العرفان أن يتعاملوا مع النفس بطريقة التغيير حين إرادة تزكيتها، أي بالإصرار والشدة، وبالتالي جاءت تصورات وممارسات تحمل مغالطات في كيفية التعامل مع النفس، كأكل خبزة واحدة في اليوم، بقصد الزهد أو عقوبة للنفس على أخطائها، أو الوقوف في الشمس ساعات طويلة، أو ضرب الإنسان نفسه ليعاقبها في تقصيرها في بعض الطاعات والمندوبات، وغير ذلك وهي ممارسات أحدثت إشكالاً ناتجاً من القراءات الخاطئة للنفس والبعيدة عن النص القرآني وتدبر آياته التشريعية والكونية.
وأما ما يذكر من بعض الأسباب التي يدخلها البعض في طرق تزكية النفس، كصحبة الصالحين، وقيام الليل، والذكر، وغيرها، هي في الحقيقة لا تعتبر من ضمن أساسيات التزكية، بل هي عوامل مساعدة على التزكية، وثمة هي داخلة تحت النص القرآني أو التدبر الكوني، وفي الوقت ذاته تعتبر نتيجة إيجابية للتزكية النفسية، وهي ذخيرة يسير المرء عليها في طريق صلاحه وهدايته.
فالنفس بحاجة إلى تزكية وتطهير، وفق الآيات القرآنية وتصورتها، والآيات الكونية ومعطياتها، لا وفق القراءات الهرمسية الأفلاطونية.

0 3260 25 مارس, 2011 العدد الثالث عشر, ثقافة وفكر مارس 25, 2011

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.