أشياء خاطئة بي

كتب بواسطة سماح ممدوح حسن

تأليف: ليديا دايفس

ترجمة: سماح ممدوح حسن

 صارحني بأنه لم يحب بعضا من صفاتي منذ البداية، لم يقل ذلك بطريقة فظة أو قاسية، فهو ليس شخصا قاسيا، أو على الأقل ليس عن قصد. فقط صارحني بذلك لمّا طلبت منه أن يشرح لي لماذا تغيّر معي فجأة هكذا.

 ربما سأل أصدقاءه، ربما حكى لهم عن شيء من هذا. فهم يعرفونه أفضل مني، فهم أصدقاء منذ أكثر من خمسة عشر عاما، بينما لا تتعدى معرفتي به العشرة أشهر. أحببت أصدقاءه، وأظنهم أحبوني، رغم معرفتنا السطحية القصيرة. كل ما أسعى إليه، مجرد دعوة غذاء أو مشروب مع واحد أو اثنين منهم، ويأخذنا الحديث عن صديقي لتكوين صورة أفضل عنه.

من السهل استنتاج وتكوين أفكار خاطئة عن الناس. وقد أدركت الآن، أنني طوال الأشهر الماضية كونت صورة خاطئة عنه. مثلا، عندما ظننت أنه سيكون غير لطيف معي، وجدته لطيفا. ولمّا فكرت أنه مسرف في المديح والتعبير عن مكنونات قلبه، كان بالكاد لبقا. وحين اعتقدت أنه سينزعج من سماع صوتي على الهاتف، وجدته فرحا. وخمنت أنه سينقلب ضدي عندما عاملته ببرود، إلى حد ما، وجدته قلقا أكثر من أي وقت. مر بمشكلات كثيرة، ونفقات أكثر، فقط حتى نتمكن من قضاء وقت ولو قصير معا. وعندما قررت أنه الرجل المناسب لي، فجأة، ألغى وتجاهل كل شيء ورحل.

يبدو الأمر كما لو إني تفاجأت، رغم إني أشعر بابتعاده من الشهر الماضي. فهو لم يكاتبني كما اعتاد أن يفعل من قبل. وعندما كنا معا، حدّثني عن أشياء غير لطيفة أكثر من أي وقت مضى، وعندما رحل، عرفت أنه بدأ يفكر في الانفصال، واستغرق في التفكير مدة شهر كامل، وعرفت أنه أوشك على اخباري بما سيفعل.

  قلت أنني تفاجأت بهذا الابتعاد، ذلك بسبب الآمال التي عقدتها عليه، والتي تمنيتها لكلينا، والأحلام التي بنيتها من أجلنا. بعض هذه الأحلام عادية، عن بيت جميل، وأطفال رائعين. وكلانا نعملُ في البيت مساءً بينما الأطفال نائمين. وبعض الأحلام عن سفرنا سويا وتعلّم العزف على آلة “البينجو، والمندولين” حتى أتمكن من العزف معه بصوته الجميل. بت الآن، عندما أتخيل نفسي أعزف “البينجو والمندولين” أرى كم أن الفكرة سخيفة.

 أما عن الطريقة التي انتهت علاقتنا بها، فكان ذلك حين اتصل بي في يوم لم يكن معتادًا على الاتصال فيه، وأبلغني أنه توصل أخيرا لقرار. حينئذ، قال إنه وجد صعوبة في ترتيب وقول ما يود قوله شفاهية، لذا دوّن ملاحظات في وريقة، واستأذنني بالنظر إلى الوريقة من حين لآخر بينما يتكلم، وأنا لم أمانع مطلقا.

تكلم بطريقة عقلانية جدًّا، عن فرصنا القليلة لنكون سعداء معًا. وعن فرصتنا الآن لتحويل علاقتنا إلى صداقة قبل فوات الأوان. قلت له أنه يتحدث عني كما لو كنت إطار سيارة قديم، محتمل انفجاره على الطريق، وهو ظنّ أن ما أقوله مزحة.

 تحدثنا كيف كانت مشاعره تجاهي في أوقات مختلفة، وكيف كانت مشاعري. وأتضح لنا أن إحساسنا ببعضنا لم يكن متناغما بشكل جيد. عندما طلبت منه معرفة شعوره تجاهي من بداية علاقتنا، في محاولة مني لكشف أياً من مشاعره هي المشاعر الطاغية، أجابني بتلك الجملة الواضحة “كانت بكِ أشياء لم أحبها من البداية”. لم يكن يحاول أن يكون فظًّا، فقط أراد أن يكون واضحا وصريحا. وأخبرته إني لا أريد معرفة هذه الأشياء وأود التفكير فيها بنفسي. 

لم أكن أريد سماع الأشياء التي تزعجه بي. فظيع أن تسمع ممن تحب بأنه لم يحب أشياء معينة بك. بالتأكيد أنا أيضًا لم أحب بعض الأشياء به. مثلا، ذلك التأثير في سلوكه الذي يتعمد إدخال عبارات أجنبية في حديثه، ورغم ملاحظتي لهذا، إلا أنني لم أخبره بهذه الطريقة. لكن وحتى أكون منطقية، وبعد تفكير، يجب أن أقر بأن بي أشياء خاطئة. والمسألة الآن، هي اكتشاف تلك الأشياء.

  لعدة أيام بعد هذه المحادثة، حاولت اكتشاف تلك الأشياء، وفكرت في بعض الاحتمالات. ربما لم أكن أتحدث كفاية وهو يحب التحدث كثيرا، ويحب أن يتحدث الناس إليه بالمقابل. أنا لست ثرثارة أو على الأقل لا أتحدث بالطريقة التي يحبها. من حين لآخر، كان عقلي ينتج بعض الأفكار الجيدة، لكن تفتقر إلى المعلومات. أستطيع التحدث لوقت طويل، فقط لو عن شيء ممل.

أو ربما كنت أتكلم كثيرا عن الطعام الذي يجب عليه أكله. فأنا أقلق من الطريقة التي يأكل بها الناس، ودائما ما أرشدهم بما يجب عليهم تناوله، وهذا شيء مرهق فعلا. حتى زوجي السابق كان ينزعج من ذلك. أو ربما أنا اذكر زوجي السابق كثير، وظن هو إني لا أزال أفكر به، لكن هذا لم يكن صحيحا.

 هل السبب أنه لا يستطيع تقبيلي في الشارع خوفا من وخز عينيه بنظارتي! أو أنه لا يحب المرأة التي تضع النظارات، وربما لم يحب النظر إليّ دائما من خلال زجاجها الأزرق.

من الممكن أنه لا يحب الذين يدوّنون ملاحظات في أوراق “قص ولصق” فأنا أدون الأنظمة الغذائية في أوراق صغيرة، وملخصات حبكات القصص في أوراق كبيرة. أنا شخصيا لا أحب هذا، ولا أفعله طوال الوقت، فقط هي طريقة أحاول بها تنظيم حياتي. لكنه ربما صادف بعض هذه الأوراق.

لا أستطيع التفكير في الأشياء التي أزعجته من البداية، لذا قررت بأني لن أتمكن أبدًا من معرفة الاشياء التي تزعجه أطلاقا. فكلما فكرت في شيء، لا أستطيع الجزم بأنه السبب. على أية حال، لن أستمر في محاولة اكتشاف الأشياء المزعجة بي، لأنني حتى لو عرفتها لن أفعل أي شيء لأصالحها أو تغيرها.

وسط المحادثة، أخبرني عن خططه لهذا الصيف. الآن، وبعد انتهاء علاقتنا، أصبح بإمكانه السفر إلى “فنزويلا” ليزور بعضا من أصدقائه ممن يعملون في الغابة بدراسات “الأنثروبولوجي، علم الأنسان”. فقلت له أني لا أريد سماع خططه.

  أشرب النبيذ ونحن نتحدث على الهاتف، قليلا من زجاجة تبقت من حفلة أقمتها. وبعدما أنهينا على الفور أمسكت الهاتف وأجريت عدة مكالمات، وأثنائها أيضا أنهيت زجاجة أخرى، أحلى من سابقتها. في البداية هاتفت أشخاصا مقيمين في المدينة نفسها، وعندما تأخر الوقت هاتفت أشخاصا في كاليفورنيا، ولما تأخر الوقت هناك هاتفت أشخاصا في إنجلترا، وهم الذين استيقظوا للتو، ولم يكونوا في مزاج جيد.

 بين مكالمة وأخرى، كنت أسير بمحاذاة النافذة أنظر إلى القمر الذي كان في ربعه الأول، لكنه ساطع ومنير، وتذكرته، وتساءلت هل سأكف عن تذكّره كلما رأيت القمر! وذلك لأننا في أول علاقتنا، خلال الخمسة أيام والأربع ليالي الأولى، كان القمر فيها كَبُر عن ربعه الأول، حتى أكتمل بدرا. كانت لياليه صافية، وكنا في الريف، حيث يستطيع المرء كل ليلة رؤية أكبر رقعة من السماء باكرا أو متأخرا. كنا نتنزه في الهواء الطلق لكي ننفصل عن بقية عائلاتنا الموجودين في البيت، أو كنا نتنزه لمجرد الاستمتاع بالمروج والغابات تحت ضوء القمر.

يمتد الطريق الترابي المنحدر من البيت ويتلوى حتى يداخل الغابة، ممتلأ بالشقوق والحصى، تعثرنا أمام بعضنا واتكائنا بقوة على أذرع بعضنا، وتحدثنا كم سيكون رائعا لو أحضرنا سريرا إلى المروج واستلقينا عليه تحت القمر.

في المرة التالية التي اكتمل فيها القمر بدرا، كنت قد عدت إلى المدينة ورأيته من نافذة شقتي الجديدة. فكرت أن شهرا مر منذ لقائنا، ومر هذا الشهر ببطء شديد. وبعدها، كل مرة يكتمل القمر، ويسطع فوق أوراق الأشجار الطويلة في باحتي الخلفية هنا، وعلى أسطح القار، أو على الأشجار العارية والأرض المثلجة في الشتاء، أفكر أن شهرا أخر مر، أحيانا ببطء وأحيانا بسرعة. وأحببت سير الشهور على هذا المنوال.

في السابق، كنت أنا وهو، نحسب مرور الوقت، وننتظر مجيء اليوم الذي سنلتقي فيه، وكان ذلك من الأشياء التي قال إنه لن يستطيع الاستمرار بسببها. ربما هو على حق، فات الأوان، وسنصير أصدقاء. من الآن فصاعدا سيهاتفني من بعيد، من حين لآخر، وغالبا سنتحدث عن عملي أو علمه، وسيعطيني نصيحة أو خطط أستعين بها عند الحاجة، وسيلقب نفسه بشيء مثل “القوة وراء العرش”.

عندما أنهيت المكالمات كنت دائخة، حتى أنني لم أقوى على الدخول للنوم، بسبب النبيذ طبعا. فأدرت التليفزيون وشاهدت بعضا من الدراما البوليسية، وبعضا من المحطات الكوميدية القديمة، وأخيرا برنامجا عن أشخاص استثنائيين من أنحاء البلاد. وفي الخامسة صباحا، عندما أضيئت السماء، تركت مقعدي ودخلت للنوم مباشرة.

 ما إن انتهت ساعات الليل، لم أعد مهتمة بمعرفة الأشياء الخاطئة بي. في مثل هذه الصباحات، أستطيع إخراج نفسي من تلك الأفكار وأنساها، بالسير الطويل على شاطئ مبللا بالماء في كل مكان، حيث لا أتأثر بالمخاوف. لكن دائما يأتي الوقت، في اليوم نفسه، أو حتى بعد يومين، لأسأل نفسي السؤال الصعب مرة أخرى أو مرتين أو أكثر، السؤال غير المجدي، حقا.

منذ أن أصبحت الشخص الذي لا يستطيع الإجابة عن السؤال حول الأشياء الخاطئة بي، أو يحاول أحد آخر الإجابة بشكل مختلف، فالتأكيد كل هذه الإجابات معا ستضيف الإجابة الصحيحة، هذا لو كان هناك أصلا إجابة صحيحة لسؤال كهذا.

مصدر الصورة: https://vk.com/killradiostation

أدب التاسع عشر بعد المئة الثامن بعد المئة ترجمات

عن الكاتب

سماح ممدوح حسن

اترك تعليقاً