معركة “سيف القدس” إعادة ترتيب الحدث لفهم مآلاته

كتب بواسطة نبال خماش

   غادر الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب موقعه في البيت الأبيض بعد إحكامه سلسلة شراك وأفخاخ ضخمة حتى يضطر رئيس الإدارة الجديدة جو بايدن التعامل معها وإشغاله بها، ومن ثم تشتت اهتماماته في أولويات معالجته للقضايا. فهو من موقعه  كرئيس للولايات المتحدة الأمريكية، فإن بايدن معني بالدرجة الأولى إلى توجيه اهتماماته في بداية فترة رئاسته  إلى معالجة وتدبير شؤون بلاده الداخلية قبل الانشغال بأمور وشؤون السياسة الخارجية.  ومعظم هذه الفخاخ التي نصبها ترامب هي من نصيب السياسة الخارجية للولايات المتحدة، والحصة الأكبر منها للقضية الفلسطينية.

   حالة من البعثرة والفوضى هي السمة الغالبة على العلاقة الأمريكية- الفلسطينية عندما غادر ترامب البيت الأبيض، فالرجل لم يدّخر جهدا في تتبع كل شريان رئيسي لتغذية هذه العلاقة وقطعه. فهو أول رئيس أمريكي يتخلى عن مبدأ “حل الدولتين”، وأعلن أنه سيعيد النظر في الدعم الذي توجهه حكومته للهيئات الدولية الداعمة لأكبر معضلة إنسانية خلفها الاستعمار الإسرائيلي الإحلالي وهي “اللاجئين”، ليقرر وقف حصة بلاده في دعم وكالة غوث وتشغيل اللاجئين “الأونروا” إضافة لتحريضه المجتمع الدولي أن يحذو حذوه. كما أغلق ترامب بعثة منظمة التحرير في واشنطن والقنصلية الأمريكية في القدس. وقبل أيام قليلة “14/5” صادفت الذكرى الثالثة لنقل  السفارة الأمريكية مقرها من تل أبيب إلى القدس في أجواء احتفالية توراتية. ومع كل قرار يتخذه ترامب من هذا النوع، كانت إسرائيل تمعن أكثر وأكثر في منهجيتها بإقامة حقائق جديدة على الأرض على نحو يغدو معه تطبيق مبدأ “حل الدولتين” ضربا من المستحيل، بالنظر إلى حجم المعيقات والتراكمات التي فرضتها كأمر واقع على المستويين : السياسي والفني، والتي تهدف في النهاية إلى تهجير سبعة ملايين فلسطيني مقيمين على الأرض الفلسطينية بين البحر والنهر، أو تهجير النسبة الأكبر منهم.  

   بشكل بطيء وحذر أخذت إدارة بايدن تتعامل مع ملف “الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي”، ومن خلال عدد من التصريحات المباشرة وأوراق العمل، إضافة للتوصيات والمذكرات الرسمية، كان واضحا أن منهج بايدن في التعامل مع هذا الملف يتعارض مع سياسة ترامب، وأن منهجية الإدارة الجديدة ستعتمد كما هو واضح في بنود مذكرة رسمية نشرت مطلع شهر آذار/مارس من هذا العام تحت عنوان “إعادة ترتيب العلاقة الأمريكية- الفلسطينية والطريق للأمام” هي منهجية مراجعة وإعادة تقييم، ليشرع المسؤولون السياسيون في الإدارة الأمريكية الجديدة بلملمة الفوضى التي خلفها ترامب وفريقه وراءهم، وإعادة بناء ما تم تفكيكه في فترة رئاسته.

   جميع الخطوات كانت تشير إلى جدية هذا التوجه في الإدارة الأمريكية، فأُعلِنَ بداية عن مشروع قانون لإنشاء “صندوق شراكة من أجل السلام” يمنح الفلسطينيين 250 مليون دولار على مدى خمسة أعوام، وهي أكبر مساعدة تقدمها الحكومة الأمريكية في الفترات التي واكبت “عملية السلام” منذ انطلاقتها إلى الآن. والدلالة الأكثر أهمية من قيمة الدعم، أن المشروع استطاع المرور بعد التصويت عليه في الكونجرس. ورغم تواضع قيمة المنحة الأمريكية بالنظر إلى حجم الضرر الذي لحق بالشعب الفلسطيني طيلة السنوات الماضية، وتحديدا منذ توقيع “معاهدة أوسلو”، إلا أن رمزيته السياسية تبقى كبيرة.

   كان هناك حديث عن استئناف العلاقات الأمريكية- الفلسطينية، وإعادة فتح بعثة منظمة التحرير في واشنطن والقنصلية الأمريكية في القدس، وصدرت تعهدات كذلك بدعم الهيئات والمنظمات العالمية الداعمة للفلسطينيين وفي مقدمتها “وكالة غوث وتشغيل اللاجئين”.

   كان بايدن أعلن في حملته الانتخابية أنه قد يتقبل المحتوم، والمحتوم هنا هو استبعاد مبدأ “حل الدولتين” بالكامل، ولكنه بالمقابل سيعمل على تحسين حياة الفلسطينيين وليس تهميشهم، ووفقا لهذا التوجه جاءت سلسلة الإعلانات لتدابير مستقبلية لم يجد أي منها فرصته للظهور. واستبعد كثير من المحللين أن تكون لدى بايدن رغبة في السير قدما بالجهد السياسي وصولا إلى تسوية كبرى، أو محاولة إتمام هذا الجهد بأي حال، لتنحصر اهتماماته باتجاه النجاح في إتمام إنجازات بسيطة، ولكنها ذات مغزى بهدف تحسين حياة الفلسطينيين من خلال بث روح حياة في الاقتصاد الفلسطيني المتهالك، وتفعيل المشاركة السياسية للفلسطينيين، وكانت الانتخابات الرئاسية التي أعلن الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، تأجيلها في وقت لاحق، إحدى استهدافات الرئيس الأمريكي لتعزيز توجهه.

   كان التوجه العريض في الإدارة الأمريكية يقضي التركيز على الشباب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة، والاهتمام أكثر بإبراز رغباتهم وطموحاتهم في الحصول على الحقوق الأساسية والحريات ومستويات معيشية أفضل، وهذه قضايا إفاضة وتوسع في تناول متخصص بخصوص مواقف الحكومة الإسرائيلية وسياستها في التعامل مع الفلسطينيين بملايينهم السبعة من البحر إلى النهر. وبصورة مباشرة ومؤثرة جاء تقرير المنظمة الدولية “هيومن رايتس ووتش” التي تعنى بالدفاع عن حقوق الإنسان، والذي صدر في 24 نيسان/أبريل، أي قبل اندلاع الأحداث الأخيرة بأيام قليلة، واصفا السياسة الإسرائيلية في تعاملها مع الفلسطينيين باعتباره “جريمة” من خلال اعتمادها نهجا مزدوجا في “الفصل العنصري والاضطهاد”. فهي من جهة وعبر سياسات ممنهجة، تعمل على إبقاء اليهود في وضعية أفضلية ومهيمنة على الفلسطينيين المقيمين في حدود 1948، إضافة للانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها قوات الاحتلال في الضفة الغربية. (معظم هذه الانتهاكات تنفذ بتنسيق متواصل مع قوات وأجهزة أمن السلطة الوطنية الفلسطينية). وكان الرد التقليدي للحكومة الإسرائيلية على هذا التقرير الصادم بمستوى جرأته ومباشرته في توضيح الحقائق، الإعلان رسميا أنه “غير صحيح وغير دقيق” ووجهت الحكومة الإسرائيلية للمنظمة الدولية اتهامات باتباع “أجندة معادية لإسرائيل”. وفي سياق الهجمة الإسرائيلية على التقرير الدولي، جاء إعلان الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، عن قراره الذي يقضي بتأجيل الانتخابات الفلسطينية وسط خلاف بشأن حقوق التصويت. وهي الانتخابات التي كانت شريحة واسعة من الفلسطينيين، وخصوصا الشباب، ترقبها منذ فترة باعتبارها فرصة ملائمة للتخلص من الطاقم الرئاسي والحكومي، الذي يحمله الفلسطينيون مسؤولية تدهور أوضاعهم المعيشية بنسبة كبيرة، إضافة إلى افتقاد حكومتهم لأبسط معايير الاستقلالية والقدرة، إضافة للرغبة في حماية عناصر السيادة الوطنية لصالح تبعية مفرطة لإسرائيل.

   بعد أقل من أسبوعين على هذا التسارع في وتيرة الأحداث، اندلعت وعلى نحو مفاجئ ومخيف أحداث مواجهات عنيفة في القدس بعد الهجوم الذي نظمه مستوطنون يهود على “حي الشيخ جراح” في القدس الشرقية، استخدموا فيه القنابل المطاطية والذخيرة الحية ضد سكان الحي الفلسطينيين. وكان هذا التحرك مبررا لانطلاقة متوالية حركية من العنف والإرهاب الإسرائيلي، يقابله مقاومة المواطنين الفلسطينيين لتأكيد صمودهم فوق أرضهم وتمسكهم بملكياتهم العقارية التي تورثتها أجيال سلالية منذ قرون متعاقبة دونما انقطاع. وبعد فترة أخذت مطالب المتطرفين تتصاعد بطرد الفلسطينيين، لتتكاثف تجمعات المقدسيين مدعومين بأفواج ألفية من أشقائهم الذي بدأوا بالتوافد لتعزيز مظاهر النصرة والرباط من كافة المدن الفلسطينية، سواء الواقعة تحت الحكم الإسرائيلي المباشر أو مدن الضفة الغربية. ومع تصاعد مظاهر التهديد التي بدأت تمارسها  قوات الاحتلال ضد المرابطين في الأقصى على نحو كان ينبئ بحدوث كارثة حقيقية، تدخلت حماس لصرف اهتمام جيش الاحتلال عن المدنيين الذين تجمعوا في القدس، وأخذت بإطلاق الصواريخ على إسرائيل، ليأتي الرد الإسرائيلي عنيفا من خلال الغارات الجوية وقصف المواقع الآهلة بالسكان بصواريخ متطورة لها قدرة تدميرية عالية. وبذلك أعلن عن اندلاع حرب جديدة، لعل الأقرب لمشهديتها وتفاصيلها، الحرب على غزة عام 2014 التي أوغلت فيها إسرائيل بتدمير المنازل والمباني.

   على الأرجح فإن هذه الحرب التي أطلق عليها المقاومون الفلسطينيون معركة “سيف القدس”، ستنتهي كما انتهت إليه سابقتها، كلا الطرفين، الفلسطيني والإسرائيلي، سيتمكن من إلحاق أضرارا بالطرف الآخر، والضرر الأكبر، ببعده المادي، سيقع على أهل غزة بصورة مؤكدة، وأن كلا الطرفين سيعلن انتصاره على الطرف الآخر وفق معايير النصر والهزيمة لكل منهما. هذا على مستوى الخطوط العريضة لتفاصيل مآلات الحرب الناشبة، أما عن التفاصيل، فإن هناك تبدلا واختلافا جوهريا في مسألتين اثنتين، تفرق الحرب الناشبة عن سابقاتها، الأول مرتبط بتنامي ظاهرة العنف الشخصي داخل المدن “الإسرائيلية” عندما نظم المتطرفون اليهود أنفسهم واستهدفوا أحياء العرب في القدس الغربية وهم يهتفون “الموت للعرب”. إنها من الحالات القليلة التي يكون فيها مواطنون يهود بمواجهة مواطنين عرب، وهي حادثة تؤكد اعتماد الحكومة الإسرائيلية سياسة التمييز العنصري بين مواطنيها اليهود والعرب الذين تتعامل معهم باعتبارهم مواطنين من الدرجة الثانية.

   المسألة الثانية أن اندلاع هذه الحرب يأتي بالتزامن مع اتساع مظلة الدول العربية التي وقعت اتفاقيات صلح مع إسرائيل، سواء تلك التي وقعتها دول خليجية، الإمارات العربية والبحرين، في مرحلة أولى ضمن إطار ما يعرف بـ ” اتفاقيات إبراهيم”، لتشمل في مرحلة لاحقة باقي دول المجموعة الخليجية، رافق هذه المرحلة في العلاقات الإسرائيلية الخليجية، إعلان مغربي رسمي، وكذلك سوداني، يقضي بتطبيع علاقات البلدين مع إسرائيل. في ظل وضع كهذا قدمت فيه هذه الدول، ومن قبلها الدول التي أبرمت معاهدات سلام مع الكيان الغاصب، فإن هذه الدول مجتمعة تحرص على تقديم أولويات أنظمتها السياسية واستقرارها من خلال تأمين الدعم الخارجي لضمان استمراريتها، مقابل الالتزام بالتخلي حتى عن الطقوس السياسية العبثية التي اعتاد عليها الإنسان العربي من خلال إطلاق عبارات الاستنكار والشجب والإدانة، وربما الدعوة لاجتماع طارئ يضم وزراء الخارجية العرب في جلسة داخل قاعات جامعة الدول العربية، فإن ذلك كله، ورغم عدم فاعليته وعبثيته كما ذكر، إلا أنه تراجع كثيرا في الحرب الأخيرة،  ليغدو المطلوب ليس أكثر من التزام الصمت، وجهد دؤوب لاستئناف ما يعرف بـ “عملية السلام”، ومواصلة قطار التطبيع اختراقه للعواصم العربية.  

   من إيحاءات ودلالات الحرب الدائرة،  فإن الأمل لا زال معلقا على تزايد وتنامي مظاهر المقاومة الشعبية لكيان الاحتلال، وهذا يستدعي مزيدا من التنسيق بين القوى المقاومة على اختلاف توجهاتها السياسية والمذهبية والعقائدية، طالما أن الأرضية الجامعة والمشتركة بينها جميعا، هو الإصرار على التحرير.

مصدر الصورة: https://2u.pw/47bmP

التاسع عشر بعد المئة سياسة

عن الكاتب

نبال خماش

كاتب أردني

اترك تعليقاً