كانط والاحتلال الإسرائيلي: المعُضلة الأخلاقية المعُاصرة

مقدمة:

في عمله بعنوان السلام الدائم Perpetual Peace الصادر عام 1795م، يذهب الفيلسوف الألماني كانط (1724م-1804م) وبعد سلسلة من المقالات الفلسفية المختلفة، إلى أنه “لا يمكن لأي دولة قائمة بشكل مستقل -بغض النظر عما إذا كانت كبيرة أو صغيرة- أن تحصل عليها دولة أخرى عن طريق الميراث أو التبادل أو الشراء أو الِهبة” (ص68، النسخة الانجليزية). كما يذهب في شرحه لهذه الجملة إلى أن “ضم دولة مثل جذع الشجرة، لها جذورها الخاصة، وبالتالي التعامل معها كطعم لدولة أخرى، هو إلغاء وجودها كشخص أخلاقي ومعاملة هذا الشخص الأخلاقي على أنه مجرد شيء. فالقيام بذلك يتعارض مع فكرة العقد الأصلي، وهي فكرة لا يمكن بدونها تصور أي حق لشعب ما”(ص68، النسخة الانجليزية).

تكمن أهمية هذا الاقتباس الآن، في هذه اللحظات الأخلاقية والإنسانية الحرجة، المتمثلة بالحرب الإسرائيلية على فلسطين المحُتلة من جهة، والصمت أو التواطؤ الأوروبي مع هذه الممارسات التي لا تتفق مع كل العهود والمواثيق الدولية من الجهة الأخرى- ناهيك عن قصور الموقف العربي قصورا ً ذاتيا ً بالمعنى الكانطي أيضًا- على ضرورة العودة لفيلسوف التنوير الذي ساهمت رؤيته الفلسفية من الناحية السياسية على سبيل المثال لتأسيس عصبة الأمم المتحدة التي أصبحت لاحقًا تحت مسمى الأمم المتحدة، والكثير من القضايا المتعلقة بالمهاجرين، العولمة، المواطنة، دور الدولة، والجانب الأخلاقي بطبيعة الحال. حيث تسعى هذه المقالة للتذكير بأن الموقف الفلسفي بشكلٍ عام، والأخلاقي بشكل خاص، لا يتفق مع هذه الممارسات غير الإنسانية، وبأن الإكراهات السياسية أصبحت طاغية على الجوانب الأخلاقية في كل بقاع العالم، الأمر الذي يعني ضرورة التذكير بها والعودة إليها، بل والانطلاق منها مهما ازدادت كثافة القنابل والقذائف والصواريخ، وجثث القتلى. حيث تنطلق هذه المقالة في البداية من التداخل بين الجانب الدستوري الداخلي لكل دولة على حدة مرورًا بالجانب العالمي، وصولًا إلى معضلة إسرائيل الأخلاقية كما تصورها كانط مُسبقاً.

الحق الدستوري الداخلي والعالمي بين الدول:

في رؤيته السياسية حول الحق الدستوري ضمن الدولة الواحدة، والعالمية على حد سواء، يذهب كانط إلى أن “الشرط الأول للسلام الدائم يجب أن ينطلق من الدستور المدني الذي يجب أن يكون جمهورياً”، حيث أن هذا الدستور من الضروري –في المرحلة الأولى-أن يوضع بناء على مبادئ حرية أفراد المجتمع كبشر مستقلون، وبناء ً عليه –في المرحلة الثانية– ينبغي اشتراك الجميع حول موضوع واحد، كما يأتي في المرحلة الثالثة أن تتأسس هذه التشريعات على المساواة بين المواطنين داخل الدولة الواحدة. بهذا المعنى يكتسب الدستور الداخلي في الدولة الواحدة الحق في أن يكون تعاقدياً.

من هذا المنطلق الداخلي لضرورة أن يكون الدستور الذي يحكم بين أبناء الدولة الواحدة جمهورياً republican، أي خاضعاً للتوافق الشعبي، أو بلغة جون رولز لاحقاً خاضعاً لإجماع المتشابك Overlapping Consensus، تأتي مسالة الحرب بين الدول، أو سعي بعض الكيانات أو بقليل من التوسع العصابات، لاحتلال دول أخرى، أو حصولها على دولة أخرى، فيما نطلق عليه باللغة اليومية المتداولة: الغزو، الاحتلال، الاستيطان، الاستعمار، وغيرها، كمسألة بالغة الحساسية والأهمية. فالاحتلال بهذا المعنى، بكل ما يرافقه من تهجير، وقتل، وتدمير ممتلكات، وغيرها، يعدّ محاولة فرض حكومة، وقوانين، وأمر واقع، دونما تفاوض، وعدم التزام بكل المراحل التي تؤسس لدستور جمهوري بالمعنى السابق.

بالإضافة لذلك، مثلما يتم التعامل مع الأفراد بناء على هذه المُحددات، يتم التعامل أيضا بين الدول على هذه المحددات نفسها، وهي عدم فرض قوانين، أو تنصيب حكومات بالقوة، والسلاح، والتدمير، ذلك أن البقاء في حالة الطبيعة سواء بين الدول أو بين الشعوب، يعني بأن الحرية بالمعنى السابق، والقانون بالدرجة نفسها لم تعد له فعالية بين الأفراد، وهذا يجعل الدول تخرج من مرحلة التوافق لتدخل في عالم الغلبة، ووضعية الفوضى، أو في حالة الطبيعة التي لا تُحكم بالقوانين، وعدم احترام الآخرين، بما فيهم المواطنين، أو من هم خارج حدودها السياسية، وهذا يعني انعدام القانون المدنيcivil law  الذي يكون أو يحكم بين الأفراد داخل دولة معينة.

كما يعني ذلك، من الرؤية الكانطية، بأن القانون المدني مرتبط بشكل ٍ وثيق بقانون الشعوب Public Law (ius gentium حسب المعجم الروماني) الذي استخدمه لاحقا – مرة أخرى – جون رولز في عمل بهذا العنوان، الذي عمل فيه مطولاً على تأسيس تصور سياسي كانطي محدد عن الحق والعدالة يتفق مع مبادئ ومعايير القانون والممارسات الدولية، بغض النظر عما إذا كان هذه الشعوب تعيش تحت أنظمة سياسية ليبرالية، أو دستورية ديمقراطية، لكنها مجتمعات لائقة Decent.

في هذا السياق، نجد أن الممارسات التي تهُدد القانون المدني الداخلي تؤثر بشكل مباشر على القانون الذي يحكم الشعوب من نواحِ مادية، ورمزية مختلفة، كما هو الحال في الاحتلال الإسرائيلي. فمن الناحية الرمزية، تضع هذه السلوكيات القيم التنويرية، كسيادة القانون، وقيم العدالة بين الشعوب في حالة من الازدواجية الصارخة، كما أنها من الجهة الثانية تجعل الأنظمة الديكتاتورية والاتجاهات المحافظة تكتسب مشروعية كبيرة، ووجاهة متزايدة، ومن الجهة الثالثة تضع القيم الأخلاقية التي دافعت عنها البصيرة التنويرية في موضع حرج، ومحل نزاع وجدال لا ينتهي، التي ترتبط بالحرية والاستقلالية وعلاقتها بالقانون كما تصوره كانط.

المعُضلة الأخلاقية المعُاصرة:

بالعودة إلى عناصر نظرية كانط للسلام، الموضحة بعضها أعلاه، يأتي الجانب الأخلاقي كعقل عملي لا يمكن تجاهله في بناء هذه النظرية، حيث سعى لتأسيس ميتافيزيقا للأخلاق، في عمل ٍ له بهذا العنوان صدر عام 1785م، الذي يعدّ تمهيدًا لعمله الرئيسي “نقد العقل العملي” في عام 1788م. تقوم هذه الأخلاق على الاستقلالية الفردية، والحُرية، وعدم ارتباط هذه السلوكيات بغائيات معينة، بل تأتي كقانون أخلاقي مطلق يتماهى ليس مع المصلحة الشخصية (المنفعة) أو مع التجربة، بل مع مبادئ العقل واعتبار هذا الأمر الأخلاقي المطُلقCategorical Imperative  بمثابة قانون متعالٍ يسبق التجربة، الذي ينص حسب على “أفعل كما لو كان على مسلمة فعلك أن ترتفع عن طريق إرادتك إلى قانون طبيعي عام”(تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق، ص94). ذلك ان التجربة تختلف من شخص لآخر، وتتباين من موقف دون غيره، بحيث يستعصي وضعها ضمن قانون بشري عام، الأمر الذي يقوض الأسس المشتركة بين البشر ككائنات عاقلة، لا تتحكم بها التجربة، والمنافع الشخصية فقط، بل تضع قوانينها بما يبرهن على إرادة كائن عاقل، يمتلك الإرادة الحُرة في القيام بالأفعال والسلوكيات المختلفة. بحسب هذا الأمر الأخلاقي المطلق يصبح الفعل بمثابة قانون شامل ينطلق من إرادة خيّرة، وحُرة، تلتزم هذه الأخيرة بدورها بقانون أخلاقي تأسس من الاتفاق بين الذوات الحُرة الأخرى Intersubjectivity ، التي تجعله بمثابة العقل العام الذي يدور حوله التفكير، الإختلاف، الاتفاق، والتفاوض بين أفراد المجتمع.

في هذا السياق، نجد أن الحالة الإسرائيلية تُشكل معضلة أخلاقية معُاصرة، فهي لا تلتزم بهذا الأمر الأخلاقي المطلق، ذلك أن فعلها –بحسب كانط – تجاه الفلسطينيين لا يمكن أن تضعه كقاعدة عامة، أو كمسلمة موضوعية، وتحديداً حينما يقوم الفلسطيني بوضع هذا الفعل كقانون عام للرد على الأفعال التي تأتي من السلُطة الإسرائيلية المحتلة. بالإضافة لذلك، وبعيدا عن الجوانب التاريخية الملتبسة، نجد أن الشرط الآخر للفعل – بحسب كانط أيضا – يرتكز على “الاستقلال الذاتي للإرادة، الذي يعدّ المبدأ الوحيد لكل القوانين الأخلاقية والواجبات المطابقة لها”(نقد العقل العملي، ص86)، الذي يعد مصدر كل تشريع شريطة أن تكون “متوافقة مع القانون الأخلاقي الأعلى”(نقد العقل العملي، ص86)

أخيرا في مقابل ذلك، تقوم الدول وقوانينها – بحسب كانط، رورسو، وهوبز أيضا ًوغيرهم –  على الانتقال من حالة الطبيعة أو شريعة الغاب، إلى حالة من التعاقد بين الأفراد  التي بموجبها ينتقل أفراد المجتمع إلى وضعية الثقافة، بما يعني الحقوق والواجبات، والتحضر في السلوكيات والممارسات المختلفة، ومن ضمنها وربما أهمها تأسيس دستور مدني بين الأفراد يقوم على مبدأ الشراكة في التوجهات، والمصير أيضا، غير أن الملاحظ أن قيام الدول على مبدأ ديني، أو هوياتي، يقوّض بشكلٍ صميمي، وعميق، الإجراءات الديمقراطية التي تلتزم بها بعض الدول، لتصبح بذلك إجراءات شكلية فقط.

مصدر الصورة: https://2u.pw/ts8Yz

التاسع عشر بعد المئة سياسة

عن الكاتب

علي بن سليمان الرواحي

كاتب وباحث عماني

اترك تعليقاً