سينما الهوية..

Avatar
كتب بواسطة حجاج سلامة

 الفن السابع والقضية الفلسطينية

في دراستها “قضايا الهوية والتراث في السينما الفلسطينية”، تساءَلت الباحثة الأكاديمية المصرية، مرام محمود ثابت خلال مؤتمر لكلية الفنون الجميلة في مدينة الأقصر قائلة: كيف لمخرجي السينما الفلسطينية أن يُعبروا عن تراثهم ومعتقداتهم وتقاليدهم في ظل الحصار والقمع والعنف والتهجير؟

وكأن الإجابة قد جاءت على ذلك السؤال، عبر خبر تناقلته مختلف وسائل الإعلام عن النجاح الكبير الذي حققه فيلم “الهدية” للمخرجة الفلسطينية فرح نابلسي، والذي وصل إلى قائمة الأوسكار النهائية للأفلام القصيرة، خلال العام الجاري 2021.

وقصّة فيلم “الهدية” لـ “نابلسي” تتمحور تفاصيله رجل فلسطيني مجتهد يعيش في الضفة الغربية، وينطلق مع ابنته الصغيرة لشراء هدية لزوجته في عيد زواجهما، ولكن العيش في ظروف الاحتلال ونقاط التفتيش والجنود وحواجز الطرق، كما هو الحال بالنسبة لجموع الشعب الفلسطيني، جعلت من هذه المهمة البسيطة ليست بالأمر السهل، لتكشف لنا تفاصيل الفيلم صور ذلك الواقع العبثي الذي تعيشه فلسطين اليوم.

ووصول فيلم فلسطيني للقائمة الأفلام المرشحة لنيل الأوسكار، هو بمثابة انتصار للسينما الفلسطينية، التي تعمل في ظل أجواء قاتمة من حيث التمويل وحرية الحركة والتنقل وبيئة العمل الصعبة.

لقد عبّر الرعيل الأول من المخرجين الفلسطينيين عن قضيتهم بطرح سينمائي أقرب إلى المزج بين الأسلوب التسجيلي والروائي، وشكلوا حركة مقاومة لإثارة القضية الفلسطيني في السينما العالمية على غرار حركات المقاومة الفلسطينية، فنجحوا بإيصال قضيتهم إلى العالم كله من خلال لغة السينما. وأكمل مسيرتهم جيل مخرجي سينما المهجر والذين ظهروا من مطلع الثمانينيات من القرن العشرين، ولّدت حركتهم الفنية ثورة سينمائية وحراك شعبي ونضالي، عُرفت بالموجه الجديدة للسينما الفلسطينية.

 وبحسب الأكاديمية المصرية مرام محمود ثابت، فقد سعى مخرجو الموجة الفلسطينية الجديدة إلى تغيير نظرة الغرب عن صورة الفلسطيني الذي يقاوم المحتل ويفجر نفسه لينتقم من عدوه، إلى صورة الفلسطيني المعتز بأرضه والمتمسك بالحياة عليها والموت فيها، فيقاوم من أجل الاحتفاظ بهويته وطقوسه اليومية غير آبه بالوضع المرير الذي يعيشه في إصرار واضح وتجاهل تام لاستفزاز المحتل، لقد عبروا بصدق عن تمسكهم بهويتهم وتراثهم فبلغ صداهم إلى المحافل الدولية ومهرجانات السينما العالمية.

وتبقى جدلية الهوية والاغتراب وتناولها في السينما الفلسطينية، وظل سؤال الهوية قائماً بالنسبة للمخرج الفلسطيني صاحب الهوية.

 وتؤكد دراسة الأكاديمية مرام محمود ثابت، على أن مكوّنات الهوية الوطنية الفلسطينية ما زالت فاقدة لأحد أضلاعها: الثقافة، الدولة المستقلة المستقرة ذات السيادة، والصراع مع العدو الخارجي أو الداخلي، فالثقافة والصراع ينقصهما الدولة المستقلة المستقرة ذات السيادة.

وليس ببعيد عن المتابع للمشهد السينمائي الفلسطيني، ذلك التاريخ الوطني لصناع الفن السابع من الفلسطينيين داخل الوطن وخارجه.

سينما الثورة

يمتد عمر السينما الفلسطينية لقرابة تسعة عقود، حيث كانت البداية علي يد المخرج إبراهيم حسن سرحان، الذي يعد رائد السينما الفلسطينية، وذلك بحسب تقرير لوزارة الثقافة الفلسطيني، حيث قدم فيلمه الأول ومدته 20 دقيقة في العام 1935، والذي وثق فيه زيارة الملك سعود بن عبد العزيز آل سعود لفلسطين.

وكان هناك الكثير من الأفلام التي أُنتِجت علي يد المخرجين وهواة الفن السابع في فلسطين قبل نكبة 1948. لكن وبحسب وزارة الثقافة الفلسطينية، فإن الحصيلة الإنتاجية السينمائية الفلسطينية قبل العام 1948، بقيت قليلة ومحدودة. وعقب نكبة العام 1948، لجأ سينمائيون فلسطينيون إلى بلدان عربية عدة، وواصلوا مسيرتهم السينمائية خارج فلسطين.

ووفقا لوزارة الثقافة الفلسطينية، فقد عرفت فلسطين ما يُعرف بـ “سينما الثورة ” وهي سينما نشأت بالتزامن مع انطلاق الثورة الفلسطينية في العام 1965، عبر تصوير مواد صورة للشهداء، وكانت الفلسطينية سُلافة مرسال، التي درست التصوير في القاهرة، تقوم بذلك العمل في منزلها سراً.

وكان أول فيلم سينمائي، تنتجه الثورة الفلسطينية، بعنوان “لا للحل السلمي” وهو فيلم تسجيلي مدته 20 دقيقة، وجاء كعمل جماعي لمجموعة من السينمائيين الفلسطينيين، منهم: صلاح أبو هنّود، وهاني جوهرية، وسُلافة مرسال.

وفي السبعينيات ظهر فيلم “بالروح بالدم” بإشراف المخرج مصطفى أبو علي أيضاً، وتنفيذ مجموعة العمل ذاتها تقريباً؛ وفيه محاولة عرض وتحليل أحداث أيلول الدامي، عبر مشاهد تسجيلية حيّة، متمازجة مع مشاهد تمثيلية، ذات طابع مسرحي، عن التحالف بين الإمبريالية والصهيونية، والرجعيات العربية.

وتواترت الأفلام الفلسطينية، بعد ذلك، مواكبةً الأحداث والمناسبات، وفق توفر الإمكانيات لدى الجهات الإنتاجية، التي كانت في كلّيتها ملحقة بإطارات تنظيمية فصائلية، تؤمِّن لها مستلزماتها وتمويلها؛ فقد نشأت “وحدة أفلام فلسطين”، التابعة لحركة التحرير الوطني الفلسطيني/فتح، (كبرى التنظيمات الفلسطينية)، لتُعدّ البداية الحقيقية للإنتاج السينمائي الفلسطيني، وقد تكوّنت هذه الوحدة بفضل جهود مجموعة من السينمائيين منهم: هاني جوهرية، وسُلافة مرسال، ومصطفى أبو علي.

وكون الثورة الفلسطينية، من أبرز ثورات النضال في شبيل قضية عادلة، فقد سعت السينما الفلسطينية لتوثيق المراحل والمحطات الأبرز في تلك الثورة، بجانب الحفاظ على الهوية الوطنية والثقافية للشعب الفلسطيني، وما يتمتع به من وجود تاريخي وجغرافي، وإرث غني عصي على النكران، ومن هنا فإن السينما الفلسطينية حين نطلق عليها سينما الهوية، فهي بحق سينما عملت على توثيق التراث والثقافة الفلسطينية، وكل صور الهوية الوطنية العربية لفلسطين برغم كل القيود التي يفرضها الاحتلال الإسرائيلي على كل مناحي الحياة، وكل صور الإبداع في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

سينما فلسطينية ببلاد الشتات

ومن المهم أن نلفت إلى أن السينمائيين الفلسطينيين في بلاد الشتات، كان لهم دورا مهما على مدار عقود مضت، في دعم قضية فلسطين عبر إنتاج أفلام ترصد معاناة الفلسطينيين في الأراضي المحتلة، وتقدم للعالم صورة لما يجري بحق بلادهم من قبل سلطات الاحتلال.

وقد بدأت مسيرة السينمائيين الفلسطينيين في بلاد الشتات مبكرا، وكانت المخرجة الفلسطينية مي المصري، من أوائل السينمائيين الفلسطينيين الموجودين في الخارج الذين تنبهوا إلى ضرورة صياغة سينما فلسطينية جديدة، تتوازى مع الإنتاجات السينمائية التي ظهرت في الداخل الفلسطيني، التي نسميها بالسينما الفلسطينية الجديدة.

وقد تواصل ذلك الحراك السينمائي الفلسطيني ببلاد الشتات، عبر جيل جديد من صناع السينما الذين نجحوا في إعلاء اسم فلسطين، وتقديم قضيتها ومعاناة شعبها عبر قصص إنسانية، لامست شغاف قلوب الملايين، وحصدت تلك الأفلام جوائز دولية عديدة، وصارت حاضرة بقوة في المهرجانات السينمائية الدولية، ولعل وصول فيلم “الهدية ” للمخرجة الفلسطينية فرح نابلسي، هو أكبر دليل علي ما حققته السينما الفلسطينية من نجاح، وهذا النجاح جعل من الفن السابع سلاحا جديداً، يدافعون به عن قضيتهم العادلة، ويعرض للعالم الكثير من المعاناة الإنسانية التي يعاني منها الفلسطينيون في الأراضي المحتلة.

وربما ساعدت أفلام الشتات الفلسطينية، التي تناولت معاناة الشعب الفلسطيني، وأسهمت في الحفاظ على هويته، وخاصة بين الأجيال الشابة من الفلسطينيين الذين يعيشون في بلاد المهجر، وشجعت صناع السينما من الأجانب والعرب، في إنتاج أفلام تسلط الضوء على القضايا الإنسانية للشعب الفلسطيني، وتقدم صورا لمعاناة الفلسطينيين وما يعيشونه ويعايشونه من معاناة بجانب جهاد الفلسطينيين، من أجل الحفاظ على مقدساتهم ومقدرات وطنهم، وهويتهم العربية والفلسطينية، وثقافتهم وتراثهم.

مصدر الصورة: https://2u.pw/NLEdr

أدب التاسع عشر بعد المئة سينما وأفلام

عن الكاتب

Avatar

حجاج سلامة