الأسرار التي فجَّرت الحجر : رواية (حجر الصبر) عتيق رحيمي

الأدب الأفغاني من جديد، يحمل معه معاناة المرأة بشكل خاص من الرجل وسط الحرب التي تلتهم الأخلاق تاركة صدى الأنين يتردد في أعماق النفس الإنسانية.

رواية: حجر الصبر.

المؤلِّف: عتيق رحيمي.

ترجمة: راغدة خوري.

دار دال للنشر والتوزيع سورية دمشق.

تبدأ الرواية بالتعريف بالمؤلف: عتيق رحيمي المولود في (كابول)، وقد طلب اللجوء السياسي إلى (فرنسا)، وكان عمره اثنين وعشرين عاماً درس في (السوربون) وأنهى الإخراج السينمائي، ثم حاز على الجنسية الفرنسية، وقد حصل على جائزة (غونكور) في روايته (حجر الصبر)، وهي أرفع جائزة أدبية في فرنسا.

ظهرت مأساوية النظرة إلى المرأة في الصفحة التي تحمل الإهداء، هذا مما يشير إلى تدني النظرة المجتمعية للمرأة بشكل عام، مكانها المحدد لها هو البيت المظلم الذي لا يمكن أن يتاح لها أن تنظر خارجه أو تفكِّر في فتح نوافذه، من هنا أي خرق لهذا القانون مصيره لا تحمد عقباه.

الكاتب أهدى روايته كالتالي:

(هذه الرواية كتبت لذكرى الشاعرة الأفغانية (ناديا أنجومان) التي قتلت بوحشية من قِبل زوجها عام 2005 مساء لكونها شاعرة).

حين نقرأ الصفحات الأولى من الرواية يلفتنا الوصف الدقيق للغرفة والمرأة، وهي تجلس قبالة زوجها المتمدِّد أمامها بلا حراك إثر طلق ناري استقرَّ في رقبته، وسبَّب له الشلل العام، إنه مجرَّد توالي للنفس الصاعد الهابط ضمن ترتيب زمني مُحكم، تندفع الأحداث بلغة سريعة، وأحداث متلاحقة تظهر حالة الزوجة المتوتِّرة، وهي تحمل سبحتها الطويلة مردِّدة أحد أسماء الله الحسنى (القهَّار)، فتصلي، وتخرج وتدخل إلى الغرفة، وتنقِّط الدواء في عيني زوجها بشكل منتظم.

تتخبَّط الزوجة في ضياع ما بين الواقع المظلم في حال مات الزوج ولها طفلتان، فمن أين لها تأمين سبل العيش لهما؟ وبين الحرب التي ما فتئت تلقي بحممها فوق المدينة، وتظهر أهوالها من مفاجآت كثيرة ليست في الحسبان. تكشف الرواية عما تفرزه الحرب من تعصب ديني وقتل على هذا الأساس، كما تعرض حالة المداهمة للبيوت والسرقات والاعتداء على النساء والتشرُّد، وما إلى ذلك من انحلال أخلاقي متوقَّع.

اللافت في الأحداث أنها تتراوح تارة ما بين الخطف خلفاً عبر الذكريات وتارة تندفع متقدِّمة عارضة ما يجري من أحداث، فقد تذكَّرت المرأة تفاصيل هامة من حياتها تتعلَّق بخطوبتها ومن ثم زواجها، وأي معاناة لاقتها من حماتها، وهي ما تزال في مرحلة الخطوبة، كذلك المعاناة من تقاليد المجتمع المطبقة على خناقها. فهي في مرحلة الزواج الذي تمَّ على الصورة فقط، حيث كان خطيبها يحارب الأعداء، فعليها ألا ترى أحداً حتى صديقاتها. الوحيد الذي كانت تتواصل معه بشكل يومي هو حموها، ومع ذلك كانت تلاقي من حماتها الغيرة والتضايق، فتعمد إلى نهرها وإبعادها عن الغرفة.

كل هذه الذكريات تجول في داخل المرأة، وهي ما تزال تنظر إلى زوجها الممدَّد على السرير دون حراك، والدبابة تدكُّ جدران المنازل، وقد دخل بضعة جنود إلى غرفة الرجل المريض وعاثوا فساداً فيها.

من الجميل أن تتخلل الرواية بعض معالم الطرافة مما يرقِّق من مأساوية الأحداث ويجعل المتلقي في وضع نفسي أفضل. نقتطف من حديث الزوجة وهي تقول لزوجها الممدَّد على السرير:

لا بدَّ وأنك تعرف هذه القصة التي جرت في أحد معسكرات الجيش، عندما حاول أحد الضباط أن يظهر لأحد المجنَّدين الجدد قيمة السلاح، سأل أحد الجنود اليافعين: (بينام) هل تعلم ما الذي فوق كتفك؟

قال (بينام): نعم سيدي إنها بندقيتي.

صرخ الضابط بصوت حاد: لا ـ أيها الغبي ـ إنها والدتك، إنها أختك، إنها شرفك. ومن ثم انتقل إلى مجنَّد آخر، وطرح عليه السؤال نفسه:

فأجاب الجندي: نعم سيدي، إنها أمي، وإنها أختي، وإنها شرف (بينام). ص68

تندفع الرواية عبر إيقاع مرور الماء الحلو والمالح في الأنبوب الموصول بفم الرجل، وعلى رتابة الزمن في قطرة العينين: واحدة اثنتان، واحدة اثنتان في كل عين.  فقد حاولت المرأة أن تداوم على أن تقطر في عيني زوجها الكليلتين، وهي واثقة أن تلك القطرة لن تجدي نفعاً، وعلى إيقاع الألم المستمر الذي تعيشه الزوجة، وهي تراقب الحالة السيئة التي وصل إليها زوجها، وهو على حالة واحدة من الغيبوبة والذهول، لأوَّل مرَّة تتجرأ الزوجة على تقبيل زوجها وملامسة لحيته ويديه كما تريد وتحلم، فلو أنه بصحة جيدة لنالت منه الضرب المبرِّح على ما اقترفت يداها، فلا يجوز لها أن تفعل ذلك وخاصة أنه هو الرجل الذي يحلل لنفسه فعل كل شيء ويحرِّم على زوجته فعل أدنى حركة تجاهه.

جميلة تلك التداعيات التي تعرضها المرأة، بأن حياة زوجها باتت متعلِّقة بحكاية أسرارها له، وبجرأتها في طرح تلك الأسرار، والزوج مستسلم لسماعها دون أدنى حركة منه عدا نظرة عينيه ونفسه الصاعد الهابط فقط فقط. لقد أطلقت العنان لذاكرتها، فأخبرته بشأن طائر (السمان) الذي تركت القط يأكله، وقد كان والدها دائم العناية به. لقد أحيت ذلك الطائر في ذاكرتها، وودَّت لو تفعل ذلك مع زوجها أيضاً، أن تعيد الحياة له؛ لأنها بحاجة إليه.

لكن حاجتها لزوجها الآن تختلف عن أي حاجة تريدها امرأة من زوجها، فهي تريد منه أن يكون مستمعاً لها لكي تخرج كل القهر المدفون في أعماقها، تريد أن تتحدَّث إليه دون خوف منه، تريد أن تعبِّر عن مشاعرها تجاهه كما تشتهي هي وبكل صراحة وشجاعة، فهي تعلم أنه يسمعها، ومتأكِّدة من أنه لن يستطيع معاقبتها على أي خطيئة اعترفت له بها، بل سيبقى ساكناً ومستمعاً لها.

في وسط الرواية يظهر سبب تسميتها بعنوان: حجر الصبر. إنه الحجر الأسود الذي طالما حدثها عنه والد زوجها، ذلك الحجر الموجود في مكة المكرَّمة والذي تناقلت عنه الأجيال حكايات دينية تصب كلها في سياقات معروفة عن ذلك الحجر الأسود الذي يدور حوله الحجاج كل سنة، ثم تتذكَّر اسم ذلك الحجر وهو (سنغي سابور) أي حجر الصبر. هذا الحجر قد أطلقت اسمه على زوجها الذي أخفته في الغرفة خلف الوسائد خوفاً عليه من القتل من قبل مجرمي الحرب كي تتابع له سرد حكاية أسرارها. فقد أصبحت تنظر إليه على أنه يشبه ذلك الحجر بل أطلقت عليه الاسم ذاته، وصارت تناديه: حجري الصابر.

نقتطف من الرواية: (أنت تعرف أنه ذلك الحجر الذي تضعه أمامك، وتبدأ تشتكي أمامه عن كل مصائبك، عن كل آلامك وكل مآسيك. الحجر الذي تؤمنه على كل ما في قلبك من أمور لا تستطيع البوح بها أمام أحد.. وتتحدَّث إليه، والحجر يصغي إليك، يمتصُّ كل كلماتك وكل أسرارك، حتى يأتي يوم وينفجر فيه، ويتناثر شظايا) ص85.

ترتفع وتيرة الرواية بشكل لافت من بعد منتصفها، حين تتعمَّق المرأة في كشف أمر طرد عمتها من بيت زوجها بسبب عدم الإنجاب، ومن ثم يكون مصيرها إلى الشارع بعد أن يعتدي عليها حموها. إن الذي أوصلها إلى الحالة النفسيَّة المزرية هو أنها راحت تعمل بائعة هوى محرِّرة بذلك كل الضغوطات التي كانت تمارس عليها من قبل الآخرين. فدخلت في حالة من الهستريا التي دفعتها إلى تصرُّفات غير معقولة أبداً. نقتطف من الرواية: (تمتدُّ يد من خلفها، تلتقطها من زندها. تلتفت، إنه الرجل، هو رجلها من يمسك بها. تبقى جامدة مصعوقة.. ينهض الرجل فجأة..

إنها أعجوبة! إنه البعث! تقول بصوت مخنوق من الرعب.

وهو بوجهه الهزيل الكامد، يمسك من جديد بالمرأة يرفعها ويرميها نحو الحائط.. تمسك فجأة بالخنجر وتغرزه عميقاً في قلب الرجل الذي لم تسل منه أي قطرة دماء. يعود فيضرب رأسها في أرضية الغرفة، ويكسر لها رقبتها…) ص155.

النهاية جاءت متصاعدة الأنفاس والصور مضبوطة على إيقاع الحالة النفسية المنهارة التي وصلت إليها المرأة مما جعل رجلها ينفجر كما خيِّل لها من هول ما سمع من أسرار، الستارة التي طبع عليها عصافير مهاجرة كانت بمثابة لازمة غنائية تظهر بين الأحداث، تهتزُّ تشحب معها يتغيَّر لونها مع تغيُّر الوقت، وتطير عصافيرها وتعود مواكبة الأحداث، واستمرَّ هذا حتى آخر سطر من الرواية حين سقطت المرأة على الأرض ميتة.

نقتطف من الرواية:(تهبُّ الريح، فتجعل العصافير المهاجرة تطير فوق جسدها) ص157.

ما يميِّز الرواية وكأنها لبست ثوب مسرح (المولودراما). الشخصية المتحدِّثة بشكل عام هي الزوجة ومكان العرض غرفة الرجل الممدَّد على السرير. والفكرة انتقام من المجتمع في شخص الزوج الذي صار واجباً عليه أن يسمع ما تعاني منه زوجته رغماً عنه حتى انفجر أخيراً من هول ما سمع. ظهرت براعة الترجمة في نقل الحالة النفسية المزرية التي كانت تعاني منها المرأة، من خلال رصد الانفعالات وردود الأفعال بدقَّة، فجاءت الترجمة انسيابية غير معقَّدة، استطاعت من خلالها المترجمة الأستاذة (راغدة خوري) إيصال الأفكار والرؤى والأحاسيس بسهولة ويسر،

تتجلى الحركات التعبيرية المواكبة للأحداث بطريقة تصويرية لافتة تغني المشهد وتبث فيه الحياة على الرغم من بساطتها وسرعة أدائها.

نقتطف من المشهد الذي تسرد فيه المرأة معاناتها لزوجها عندما تحققت من أنها عاقر: (ترفع يدها بحركة فوق رأسها كي تطرد ما تبقَّى من الكلمات التي جاءت تجتاحها) ص79.

صحيح أن الرواية صغيرة الحجم إلا أنها مشبعة بالأحداث الكثيفة التي من شأنها أن تترك حيِّزاً كبيراً في ذاكرة المتلقي من خلال استخدام طرائق مختلفة في السرد واتباع الصور التعبيرية اللافتة والحرص على عدم استخدام ما يبث الملل في نفس المتلقي.

مصدر الصورة: https://2u.pw/842ws

أدب التاسع عشر بعد المئة ثقافة وفكر

عن الكاتب

سريعة سليم حديد

اترك تعليقاً