جــدل المـــوت والـحيـاة فـي فيـلم “الســقــا مــات”

Avatar

   تمر في شهر مايو ذكرى مرور 106 عاما على ميلاد المخرج صلاح أبو سيف أحد أهم مخرجي السينما المصرية والعربية، وفي يونيو القادم تحلّ ذكرى رحيله الـ 25، وبين الميلاد والرحيل قدم أبو سيف مجموعة كبيرة من الأفلام يعدّ أغلبها من كلاسيكيات السينما المصرية. أتوقف عند واحد من أهم أفلامه “السقا مات” الذي عرض عام 1977، ويتناول ثنائية الموت والحياة في إطار فلسفي. 

   يعدّ فيلم “السقا مات” من أهم الأفلام التي قدمتها السينما المصرية على مدى تاريخها الذي تجاوز المئة عام، كما يعدّ في الوقت نفسه من أهم الأفلام التي قدمها المخرج صلاح أبو سيف خلال مشواره الفني؛ وذلك نظرًا لما طرحه الفيلم من تصور مختلف لثنائية الموت والحياة عبر رؤية فنية تشير إلى الدلالات دون أن تقع في الطرح المباشر، ويحمل الفيلم رقم 37 في قائمة أفلام صلاح أبو سيف التي تبلغ 42 فيلمًا، بدأها في أربعينيات القرن الماضي بأفلام “دايما في قلبي”، و”المنتقم”، و”عنتر وعبلة”، واختتمها في حقبة التسعينيات بـ “المواطن مصري”، و”السيد كاف”.

   وفيلم “السقا مات” (1977) من العلامات المضيئة في تاريخ السينما، فهو عمل كبير تضافرت فيه مختلف العناصر الفنية من تصوير، وإخراج، وحوار، وديكور، وملابس… إلخ من أجل إبراز الرؤية الفنية التي يحملها، والفيلم مقتبس عن رواية للكاتب يوسف السباعي، والسيناريو والحوار من تأليف محسن زايد أحد أهم كتاب السيناريو، والإنتاج للمخرج يوسف شاهين، تكاملت كل العناصر الفنية فيما بينها من أجل الوصول إلى أعلى درجة من النضج الفني، ومن ثم نجاحه وحصده العديد من الجوائز في التمثيل والإخراج والديكور… وغيرها، وتم اختياره ضمن أفضل 100 فيلم في قائمتي السينما المصرية والسينما العربية.

   يطرح الفيلم حوارًا بين الموت والحياة من خلال رؤى فلسفية تحملها الشخصيات وتبدو في الطريقة التي تتعايش بها وفي ما تختزنه في عقلها الباطن من خلال شخصيتين رئيسيتين هما المعلم شوشة (عزت العلايلي)، وشحاتة أفندي (فريد شوقي)، بينما تنجذب الشخصيات الأخرى بطبيعتها الإنسانية إلى المعايشة والتمسك بالأمل على الرغم مما يبدو على بعضها من التصاق بالموت من الناحية الظاهرية مثل مساعدي الحانوتي الذين لا يربطهم بالجنازات سوى أنها مصدر رزقهم الوحيد، وأم آمنة العجوز الكفيفة التي فقدت ابنتها وتعيش على رعاية حفيدها، بينما حقيقة هذه الشخصيات إنها تعيش الحياة وترفض صور الموت.

   اهتم أبو سيف بهذه الثنائية من قبل في أفلام “بين السما والأرض” عام 1959، و”بداية ونهاية” عام 1960، ثم “المواطن مصري” 1991، وجاء التعبير عن إشكالية الموت والحياة في سياق الأحداث وبطريقة غير مباشرة في “بين السما والأرض” كان المعنى مباشرًا وأحاديًا، فالجميع يتمسكون بأمل الخلاص رغم ما يسيطر عليهم من إحباط وخوف، وتتراجع الشخصيات عن سلبيات كانت تصرّ على القيام بها كالتحرش، والانتحار، والسرقة، بعد أن أخذت تعيد النظر في مستقبلها بسبب الحالة التي عاشتها والظروف التي مرت بها، أما التراجع بعد انتهاء الأزمة والخروج من المصعد أي الخروج إلى الحياة من جديد والعودة إلى الممارسات التي اعتادوها، فهو دليل على تمسكها بالحياة.

   وتختلف فكرة الموت في الفيلمين الآخرين عن فيلم “السقا مات”، ففي “بداية ونهاية” يكون الموت المعنوي مع بؤس الحياة التي يعيشها الأبطال، وفي المقارنة بالشخصيات الأخرى التي تبدو عليها مظاهر الثراء، وتكون نهاية الأخت على يد الأخ الجاحد بمثابة التعبير عن شخصية أنانية لا تنظر للأمور إلا وفق مصالحها الشخصية فحسب، أما “المواطن مصري” فيتناول سرقة عمدة القرية وأحد الإقطاعيين لأسرة فقيرة وابنها الشهيد، وسرقة مجد الاستشهاد في سبيل الله والوطن، فلا ينال الخفير شرف استشهاد ابنه في الحرب. ويرصد الفيلم حالة من حالات السطو على الفقراء المعدمين بأخذ الأرض التي يقتاتون منها وسرقة ابناءهم من خلال ثنائية العبد والسيد.

   أما في فيلم “السقا مات” فإن الصراع يكون فلسفيًا ورمزيًا وغير مباشر من خلال رؤيتين متناقضتين للشخصيات، وهذه الرؤية الفلسفية هي ما تدفع الحوار من خلال رموز وإشارات متناقضة عبر المزج بين صور الحياة والاحتفاء بها، وصور الموت ورموزه الموحية، وينتصر الفيلم في النهاية للحياة وتجلياتها الباذخة.

أثر توظيف الحارة الشعبية

    فضّل أبو سيف أن تكون الحارة الشعبية هي المكان الأمثل للأحداث واتسمت أجواء الحارة التي أوجدها بحيوية بالغة نتيجة لتفاعل الناس فيما بينهم والروح الطيبة والعلاقات الإنسانية التي تجمعهم وغيرها من السمات التي نجدها في الأحياء الشعبية دون غيرها من الأحياء الأخرى. ساعد على بلورة الفكرة وبروزها ضيق الحواري والزحام المستمر في الحي الشعبي، فضلا عن تزاحم النساء حول الحنفية، وأماسي الفقراء في المقاهي، وغيرها من الصور التي عبرت عن الألفة بين الناس وهو ما كشفته الكادرات داخل الفيلم.

   رصدت المشاهد الأولى تفاصيل الحي الشعبي حيث الحواري والاستدارات التي تدل على المعمار الإسلامي في القاهرة القديمة وما تؤديه من صنع رؤية بصرية تخلق حالة صوفية تؤثر على وعي المشاهد بما تحمله من صور لتجليات ثنائية الموت والحياة بشكل موازي من خلال الحوار والرموز والصور التي تضمنت مشاهد المياه والقِربة (السِّقاء أو الوعاء الجلد) والحنفية (الصنبور) والنباتات النضرة والسيدة العجوز التي تفيض حيوية رغم انها مكفوفة البصر من ناحية، وصور الحانوتي والجنازات والمقابر من ناحية أخرى.

   يأتي توظيف الماء رمز الحياة كمهنة للشخصية المحورية التي تمثل المحور الأول للصراع، وهو المعلم شوشة الذي يعمل سقّاءً في الحي الشعبي فيحمل الماء لسقي الناس والنباتات، بينما يقوم شحاتة بالسير أمام الجنازات مرتديًا بدلة أنيقة وهي وظيفة مساعد حانوتي تدر عليه بعض الرزق يقتات منها عيشه، وتتولد المفارقة الدرامية من خلال التناقض الذي نلمسه بين الشخصيتين بل بين العمل الذي تقوم به الشخصية الواحدة وباطنها والفلسفة التي تعتنقها وتترسخ في وعيها، فالسقّاء الذي يحمل الماء للناس والنبات هو الأكثر التصاقا بفكرة اللاحياة التي يعيشها على الرغم من أن الماء هو المعادل الرمزي للحياة، فهو يعيش الموت بوعيه وباطنه ويجعل من غرفته سجنًا دائما وموتًا مؤقتًا ويرى في رحيل زوجته نهاية له وبحسب تعبيره (مين قال إن أنا حي، أنا انتهيت من يوم موت آمنة).

وإذا كان الماء/ الحياة مصدر رزق السقّا الذي يتعلق بالموت أكثر؛ فإن الجنازات هي مصدر رزق صديقه الذي يعمل (مطيباتي) في الجنازات لكنه يتعلق بالحياة ويتفانى في حبها ويحاول أن يأخذ من الدنيا ما يستطيع مادام لا يضر أحدا -بحسب تعبيره- فيميل للنساء ويتلذذ بالطعام، ويجلس في المقاهي ويستمتع بكل أوقاته.

      فلسفة الشخصيات والرؤية الفنية

   تتضح هذه الجدلية التي تكشف عن فلسفة كل من الشخصيتين في الحوار بين الاثنين، فالأول يتشاءم ويخشى الموت ويرفض أن يعيش الحياة منذ أن رحلت زوجته قبل 10 سنوات، فيبتعد عن الحب والزواج ويعيش في انتظار نهايته، على الرغم من أنه يساهم في دعم صور الحياة كونه يقوم بسقي النباتات والبيوت، وله ابن أي رمز للمستقبل وامرأة تحبه وأخرى تغواه، لكنه يرفض كل ذلك ويفضل أن يعيش في انتظار النهاية، مستحضرًا صورًا ومواقف من الذاكرة تجلب التشاؤم والحسرة، وعلى العكس يبدو صاحبه مُحبًا للنساء ويأكل بشهية ويمزح ويغازل صاحبة (المسمط) فيعيش الحياة ببساطة وانطلاق وتفاؤل. 

   يتسع تأثير هذه الجدلية التي تنفتح دلالاتها من خلال سياق الأحداث واكتشافنا أن الحياة وُلدت من رحم الموت عندما ماتت آمنة أثناء ولادتها لابنها الوحيد، وتنفتح الدلالة أيضا على سيرة الموت الذي وُلد من الحياة عندما مات المطيباتي وهو يحيا حلم اللقاء بـ “عزيزة” (شويكار) ويستعد لليلة دافئة، لكنه مات قبل أن يحقق حلمه بالاحتفاء بالحياة. فيستدعي صورا من خياله مع المرأة التي يتمناها كدلالة على الأمل والحب والإنسانية، حتى استمتاعه بهذه الطقوس التي يقيمها فرحًا واستعدادًا للقائها هو احتفاء بالحب والأمل، بينما يستدعي الآخر مشاهد زوجته وهي في اللحظات الأخيرة قبل موتها، لكن عندما نسى نفسه في الحمام البلدي وابتسم من قلبه، قال ابنه: “الله.. ضحكتك حلوة يابا…”، “انت ليه دايما مكشّر -متجهم- مع إن ضحكتك حلوة” وعندما اقترب من زكية وشعر بها بدأ يعود للحياة وقرر خطبتها.

  يربط السقّاء بشكل مفارق بين رفض الحياة وإقامة الصلاة ونثر الآيات القرآنية على جدران البيت من ناحية، وبين انتظار الموت ورفض الزواج من ناحية أخرى، ويأتي مشهد الحارس الذي يصلي في البستان ردًا على ذلك، فالبستان والنباتات والشجيرات هي رموز للتفاؤل والعمل والمستقبل، والإنسان يحب الحياة ويصلي أيضا حبًا في الله وخوفًا منه. وحينما يوصي ابنه بسقي شجرة التمر حنة والاهتمام بها تحديدا، فإن لذلك دلالة خاصة في الرؤية الفنية، فحواها أن الإنسان مفطورٌ على حب الحياة، فشجرة التمر حنة دائمة الخضرة، وغزيرة التفريع، وأوراقها تساعد على علاج كثير من الأمراض فهي أيضا رمز للحياة.

أهمية الرمز والانتصار للمستقبل.

   اقترب الفيلم تدريجيًا من الانتصار للحياة حتى بالنسبة للشخصية المحورية التي ترتبط بالموت أكثر من ارتباطها بالحياة، فقد استجاب لإلحاح إحساسه النابع من الإقبال على الدنيا بأن يعيشها وقرر خطبة زكية، وحينما لم يتم الزواج وأدرك أن العمر مضى وأن زكية صغيرة لا تليق به؛ أرسل في حفل خطبتها هدية بسيطة عبارة عن سكر وشربات، كنوع من المشاركة في الابتهاج، ثم قام بحماية الفرح والدفاع عنه لكي يتم الزفاف. واتسعت الدلالة على عودته للحياة وإقباله عليها حينما واجه الموت بأن سار في الجنازات مرتديًا بدلة صديقه شحاتة دون أن يخاف الموت، وجاء استلامه حنفية المياه الخاصة بالمنطقة وفرحته بها تتويجًا دلاليًا على ذلك.  

   وكما تم توجيه الحدث للتأكيد على هذه الثنائية؛ جاء رسم الشخصيات أيضا معبرًا عن هذه الجدلية، فالمطيباتية الآخرون السائرون في الجنازات محبون للحياة بترابطهم وبأمسياتهم في المقاهي، وزكية بتفانيها في خدمة من تحب، والمرأة العجوز رغم فقدانها للبصر تفيض حياة، والابن/ الطفل يتميز بعقلية مفكرة ولديه ميل للحوار وفطرة بالتفاؤل والانطلاق فهو نشيط يحب العمل، والعمل معادل موضوعي للحياة أيضًا.

     جاء التصوير موفقًا ومعبرًا عن هذه الجدلية خاصة في تجاور مشاهد الماء الجاري من الحنفية أو القِربة إلى الناس والبيوت والنباتات والأشجار مع مشاهد الجنازات والمقابر، وعبّر الشباك بتقاطعاته الطولية والرأسية التي تشبه القضبان عن صورة رمزية للسجن، فقد صورت الكاميرا شوشة من الخارج جالسًا خلف الشباك للتعبير عن فكرة الغرفة/ السجن، أو الحياة التي تشبه السجن، حتى أن جلسته نفسها كانت تكشف عن هذه الرؤية، وفي مشهد آخر عبرت الصورة عن ضآلة الإنسان أمام شبح الموت من خلال شوشة الذي كان يسير هائمًا وسط المقابر ومحاط بالجدران العالية وصورة الطريق الترابي الفسيح لاسيما بعد موت صديقه الوحيد.

   أما الحوار فجاء مُكثفًا مُعبرًا عن الشّخصيات وتكوينها الثقافي والاجتماعي والفلسفي، لاسيما في التعبير عن هذه الجدلية، فمثلا يقول شوشة رافضًا الحياة ومبررا لفلسفته: (ياما ناس عايشة على الأرض وهمّ ميتين) ويتذكر آمنة بعد الولادة. وحينما يرتدي البدلة والطربوش ويسير في الجنازة يتذكر كلام صديقه شحاتة المطيباتي المحب للحياة حتى النفس الأخير وهو يقول: (الموت جبان تهرب منه ليه، خليك أشجع منه تغلبه)، وغيرها من الجمل الحوارية التي تعبر عن ثنائية الموت والحياة.

مصدر الصورة: https://2u.pw/OiFvG

التاسع عشر بعد المئة سينما وأفلام

عن الكاتب

Avatar

طارق إبراهيم حسان