الروايات والجمال

Avatar
كتب بواسطة محمد الجداوي

قال صاحبنا الذي لم يرَ الشمس ولم يسمع قط غناء العصافير: لا تقرأوا الروايات، فهي تسلية رخيصة، واقرؤوا التاريخ، والفلسفة، والكتب العلمية والفكرية.

وكذلك يقول الذي يقرّع القراء على قراءة الروايات، ولا يألو جهدا في الزراية بهم حيثما وجد سانحة.

وربما كان القراء لا يُعدمون جوابًا حينما يقول صاحبنا هذا قولته، فهم يستشهدون ضده بأن تلك الرواية أدّت إلى إلغاء عقوبات التعذيب في السجون، وتلك ساهمت في ثورات، وتلك عرّفت بخطورة بعض الأنظمة الحاكمة، وهذه لخّصت لنا الفلسفة، إلا أن هناك جانبا مهمًا نغفل عنه حينما نتحدث عن فائدة الروايات وهو: الإحساس بالجمال، وإيقاظ الإحساس بالجمال هو أحد أهم أدوار الأدب عمومًا، غير أني كنت من الذين تَحرّك فيهم هذا الإحساس من طريق الروايات ولهذا تجري مقالتنا هذه في إطارها.

كيف توقظ الروايات الإحساس بجمال الأشياء في الحياة؟

إن التصوير المكثّف القوي الذي تمتاز به الرواية في مشاهدها، والشعور الخالص الصِدق الذي يعبّر عنه الروائي على أحسن ما يكون، يجعلنا ننظر إلى تفاصيل الحياة بغير العين التي كنا ننظر  بها، كما لو أننا كنا نياما، فاستيقظنا. فهو يضاعف المعاني في الأشياء، فيتضاعف الإحساس بهذه الأشياء، ومن ثم يصبح لكلٍ منها جماله الخاص، وما يزال يبثّ فيها من المعاني حتى تبدأ نفوسنا بالتفتّح على ما كان محجوبًا عنها، وندرك أنّ الحياة مُترعة بأكثر مما كنا نحسب، وأن فيها وفيها، وهذا سحرٌ يستطيعه الروائي الأديب لأنه إنسان يحس بالأشياء على غير ما يحس بها بقية الناس، فيكون في تعبيره من القوة، ما يثير أحاسيسنا، فنرى، ونسمع، ونتنسّم من كلمات مكتوبة على ورق.

ومن أجل ذلك كان صاحبنا الذي لا يعرف الروايات، لا يرى الشمس رغم أن عينيه تبصرها، ولا ينصت للعصافير رغم أن أذنيه تسمعها، فشروق الشمس عنده هو ظهورها من المشرق، وتغريد العصافير هو صوتٌ تصدره لحاجةٍ في نفسها لأنها… لأنها عصافير!

ومن أجل ذلك أيضا، أصبحتُ أجد الصباح احتفالا تقيمه الشمس وتغنّيه العصافير، وبتّ ميّالًا إلى الجلوس وتأمل الطبيعة والناس وهم يعملون عملهم المعتاد، واجدًا في ذلك جمالًا غامضًا فاتنا، وإن ضِحكة طفلٍ يلهو أو أغصانًا يتخللها ضياء الشمس أو صوت انسكاب الشاي في كأس أو تبعثر قطرات المطر وهي تضرب الأرض، يصير خليقًا بأن يجعل الفؤاد يخفق بشيءٍ من البهجة، ثم لا تنفك نفوسنا تجد الجمال فيما يصادفها، ولعل رؤيتنا تصير شاعرية مثل رؤية راجنو في رواية “الشاعر”(1) الذي:

“مشى إلى المطبخ، فرأى في مدخله إناءً من النحاس الأصفر قد ألقت الشمس عليه أشعتها الصفراء، فاشتد وميضُه ولألاؤُهُ، فوقف أمامه لحظة يتأمله ويقول: ها هي ذي الشمس قد استطاعت أن تصنع ما لا يصنعه الكيميائيُّ الماهر، فقد حوَّلت النحاس الأصفر بشعاعٍ واحد من أشعتها إلى عَسجدٍ وهَّاج”.

وكذلك تتحول نظرتنا إلى الأشياء العادية، وبها يتراءى لنا الواقع من مناظير جديدة، ونبدأ نسرّح فكرنا إلى المعاني البعيدة لا الظاهرة. إن هذا المشهد يجسّد معنىً نبيلًا آخر ناجما عن الإحساس بالجمال، وهو جواب على سؤال قد يطرحه سائل: ما أهمية شعورنا بالجمال؟

أن أهم ما يصنعه الأدب، أنه يهذّب بالجمال أخلاق الإنسان، وينبّـهه إلى غايات أسمى، وهو قادرٌ على أن يُعتقه من التعلق بالمادة بنقله إلى عالم الحس، أي يفكّ رِبْقة الماديات عنه كي يعيش في الحرية، وأحسب أن الأشياء المادية عند القارئ المولع بالأدب، تكون قيمتها في الوسيلة التي تؤدّيها والمعنى الذي تبعثه نفسه فيها، لا معنى البذخ المادي الذي اصطلح عليه الناس، فالقليل في عينه قد ينقلب كثيرا، ويصبح في النحاس الأصفر الذي انعكست عليه الشمس، صورةً من صور الذهب (العسجد).

ولطالما استحضرت مشهدًا بديعًا من رواية آن في البراري الخضراء، يصوّر لنا كيف أن النظرة الأدبية الجمالية في الحياة تسمو بنا فوق المادية. في طريق عودة “آن” وصديقتَيـها من حفلة الفندق الفاخرة التي حضرها الأثرياء الملتفّين بحريرهم وجواهرهم، وهنَّ الفتيات الريفيّات المتواضعات اللاتي لم يعرفن حياة الحرير والجواهر، كانت “جين” إحدى صديقتَي “آن” في ذهولٍ مما رأته من ترف عيش الأثرياء، وقد فتنتـها حِلى الذهب وخواتم الماس، فتعلق فؤادها بها، وتمنّت لو أن لها مثلها.

وفاض بها شعورها، فقالت لصديقتيـها (بتصرف)(2):

-أرأيتما ذلكما الماس الذي ارتدته النساء؟ ألا تتمنيان لو أننا كنا ثريات؟

قالت آن:

-نحن ثريات يا جين… نحن سعيدات مثل ملكات، ونمتلك جميعا خيالا وإن تفاوت قدره. انظرا إلى البحر تحت القمر. كل هذه الفضة والخبايا والرؤى عن أشياء فيه لم يدركها البصر. ما كنا لنستمتع به لو أننا ملكنا ملايين الدولارات وحبالا من الماس. وما أظنكِ تقبلين لو تأخذين مكان أيّ واحدة من أولئك النساء.

أمّا أنا، فلا أرغب في أن أكون أي شخص إلا أنا، حتى ولو قضية حياتي كاملة دون ماس. أنا قانعة أن أكون آن من البراري الخضراء، مع عقدي اللؤلؤي المتواضع هذا الذي أهدانِيه ماثيو بحبٍّ يضاهي كل ما نالته تلك السيدة البدينة الوردية بجواهرها”.

إن “آن” الفتاة الريفية المتواضعة ذات الشعر الأحمر، قد وجدت العِوَض عن عقود الماس، في خيالها الخلّاق وإحساسها العميق بالجمال، ولقد كانت تدرك كم يعمي التعلق بالماديات عن إدراك الجمال، وكم يصم الحواس، وأنها كانت لتفقد استمتاعها بتفاصيل الحياة، كتلك التي يبعثـها البحر، لو أنها كانت كأولئك النساء في الفندق.

 ويا له من معنى، كيف أن عقدها اللؤلؤي البسيط يضارع الجواهر ذاتها! لأن ذلك العقد عندها كان مربوطا بمعنى معنوي راقٍ، متحررٍ من المادية.

فالأدب يروم مثل هذه المعاني، والروائي يكشفها، ويُغنِي حياتنا اليومية بجعل التفاصيل الصغيرة مثيرةً وفاتنة، ولأن قارئ الروايات يعيش الجمال في عالم الرواية ويختلط برونقه في أصغر تفاصيله، ينعكس ذلك على أخلاقه ولو بمقدار، فتكون جميلةً أيضا، ويتحقق بهذا ما قاله الرافعي عن عمل الأديب وهو “إصلاح الناس بالجمال والخير”(3)، ويلازمُ سريرةَ القارئ ذلك الفكر الشعري الساحر الذي يصف جبران عمله قائلا: “وهكذا نتوهم الأشياء متشحة بالسحر والجمال، عندما لا يكون السحر والجمال إلا في نفوسنا”.(4)

وهذا كله وأكثر من رسالة الأديب في الحياة التي قالت عنها مي زيادة بأنها: “تُرجعنا عن الفخفخة وهوس الظهور، فنعتكف على أنفسنا نعالج ممكناتها… رسالة الأديب تعلمنا، كيف نفهم كل شيء ونستفيد من كل شيء، باحثين عن الصواب والكمال خلال كل نقص وكل زلل، نازعين إلى الجمال الحسي والأدبي حيال كل دمامة خَلقية وخُلقية… أي شيء لا تعلمنا رسالة الأديب؟ إنها قوة تستفز قوتنا، وموهبة تحفز مواهبنا، وصرامة تردنا عن الحقارة…”(5)

وخلق كل هذه الصور الجمالية مهم في حياة الاجتماع، فمن هذه الصور الحسيّة، ينمو ذوقٌ، وينبع تفكيرٌ، ويتولد منه سلوك مرئي، أي إنه يخلق ثقافة جمال، ومن ثم يصير الجمال أصلًا في العمل والتعامل اليومي بين الناس، فيأبوا أن يفسده أحدهم بفساد خُلق أو فسولة طَبع.

يقول مالك بن نبي: “والمجتمع الذي ينطوي على صورٍ قبيحة، لا بد أن يظهر أثر هذه الصور في أفكاره وأعماله ومساعيه… وبالذوق الجميل الذي ينطبع فيه فكر الفرد، يجد الإنسان في نفسه نزوعًا إلى الإحسان في العمل، وتوخّيًا للكريم من العادات.”(6)

فالذوق الجميل يجعلنا ننساق من ذوات أنفسنا طالبين النظام لأنه جميل، والمهن الشريفة لأنها جميلة، والإتقان لأنه جميل، والمروءة لأنها جميلة… إلى ما تنتهي عنده قيم الجمال إن كان لها أن تنتهي.

قال صاحبنا: الجمال، الجمال، الجمال. كلمةٌ واحدة حفظتها، وأصدعت بها رؤوسنا!

قلت: إن الإحساس في الروايات ليس مقصورا على ذلك، بل ينتقل إلى غاية نبيلة أخرى، وهي إنماء التعاطف والتفهم في القارئ اتجاه مخلوقٍ غريبٍ معقد اسمه الإنسان. 

والدراسات في ذلك كثير، والأمثلة في الروايات أغنى من أن نضربها، وهي بارزة في روائع الأدب من أعمال هوجو، وتشيخوف، ودستويفسكي، ونجيب محفوظ وغيرهم.

ذكر إدجار موران صاحب كتاب: في الجماليات(7): “ما ينقص العلوم الإنسانية هو معرفة الإنسان في تعقيده، إذ الإنسان فيها على العكس منقسم ومجزأ بين التخصصات، أما الرواية فتُبرز التعقيد الإنساني. إنها تظهر الحياة غارقة في العلاقات المتبادلة والتفاعلات… إن الرواية أيضا حياةٌ بالمعنى المادي والبيولوجي للكلمة. تدعونا الرواية إلى المعرفة المبهورة بالحياة والباهرة للحياة. بالطبع هناك تكامل مع العلوم الإنسانية والتاريخ وعلم الاجتماع والاقتصاد والنفس، والتي تكون منفصلة في التخصصات، لكن الرواية توحدها في طبيعتها المتمردة. إنها في الحقيقة ذات طبيعة عابرة للتخصصات.”

وقد سألتُ مرةً زميلًا: هل تقرأ الروايات؟

فارتسم عبوسٌ على وجهه، أبان عن كُرهٍ من أن يُظَنَ فيه أنه يقرأ روايات.

أجاب بامتعاض: لا أحب قراءة شيءٍ خيالي.

لاح لي هذا الحديث عندما فكرت في دور الخيال الروائي. يظن كثير من الناس أن الرواية ضَربٌ دنيء مبتذل لأنها خيالية، كأن الخيال عيب لا يليق بالعقلاء الأسوياء، وربما زرت مكتبة ووجدت أبًا لا ينتقي لأولاده إلا “الواقعي” من الكتب، حتى لا يستخف عقولَهم، الخيال.

والحق أننا غالبا ما نلاحظ إشكالا كبيرا عند كثيرين في فهم الرواية.

إن الرواية تحاول أن توصل الحقيقة التي في الأحداث، لا أن أحداثها حقيقيّة. إنها ترسم خيالا لتعبّر عن حقيقة في الحياة، وللكتَّاب غاياتهم من استعمال الخيال، إذ هو وسيلة من وسائل الفن، وقد لا يسمى الفن فنًّا إن لم يكن فيه خيال  يُنشِئ، ويخترع، ويبتدع.  

يقول المنفلوطي في مقدمة النظرات:

“ما كنت أكتب الحقيقة غير مشوبة بخيال، ولا خيالا غير مرتكز بحقيقة، لأني كنت أعلم أن الحقيقة المجردة من الخيال لا تأخذ من نفس السامع مأخذا، ولا تترك في قلبه أثرا.

وللخيال الأثر الأعظم في تكوين هذا المجتمع الإنساني وتكييفه على الصورة التي يريدها، فلولا خيال الشعر ما هاج الوجد في قلب العاشق، ولولا خيال الشرف ما هلك الجندي في ساحة الحرب…”

وما أتعس الروائي، وما أشد بؤسه! فحتى حينما يكتب روايةً مستوحاة من حقائق حية كما يشتهي الناس، ويَلزم فيها لغةً نظيفة، يُقابَل بالتسفيه والشتم، إذا ذكر أحداثا لا تعجبهم، تبيّن مساوئ المجتمع ومشكلاته، بحجج مختلفة منها التقاليد، وخدش الحياء، وإشاعة المنكر… بل قد يُرمى الروائي بالكذب وبأن ما كتبه ليس إلا رغبةً في الظهور على حساب المجتمع، ومداهنة وتقليد الأدب الغربي المتحرر من القيم.

لكأنهم يحمِّلون الروائي وِزر تلك المساوئ، فيحاولون أن يُلجِموه كأنه هو الذي أوجدها، لا أن يلجموا المساوئ الموجودة نفسها، فليت شعري، ماذا يريد الناس من الروائي أن يكتب؟

قال صاحبنا: امنعوا الروايات!

المراجع:

  • المنفلوطي، مصطفى لطفي. الشاعر. مؤسسة هنداوي.
  • مونتجمري، لوسي مود. Anne of Green Gables. Planet eBook.
  • من مقالة الربيع في الجزء الأول من وحي القلم.
  • (4)               من رواية الأجنحة المتكسرة، لجبران خليل جبران.
  • (5)               الكزبري، سلمى. كلمات وإشارات ج2. دار نوفل.
  • بن نبي، مالك. شروط النهضة. دار الوطن.
  • موران، إدجار. في الجماليات. وزارة الثقافة والرياضة- دولة قطر. كتاب الدوحة.
أدب التاسع عشر بعد المئة

عن الكاتب

Avatar

محمد الجداوي