أفلاطون والمتاحف

    قد يبدو العنوان ظاهريّ التناقض، بالنظر إلى ما نعرفه عن أفلاطون من احتقار”أنطولوجي” للفنّ وطرده الشعراء من “جمهوريته الفاضلة”، واعتباره الفن محاكاة لا إبداعا “يصنع ما يُشبه الحقيقي ولكنه غير حقيقي”، أي منتجا للوهم. ذلك أنّ الفنّ بوصفه تقليدا للأشياء الجميلة التي هي مجرّد نسخ للجمال الحقيقي المطلق:” قد طلَّق الحقيقة بتاتًا”(1). من هنا يكون القول باهتمام أفلاطون بالمتاحف بوصفها فضاء لحفظ الأعمال الفنية وعرضها أمرا ملفتا للانتباه. ذلك أن وجود متحف للفنون، يفترض تقدير الفن عامّة ولزوم العناية بالآثار الفنيّة وصونها من التلف. غير أنّ موقف أفلاطون من منزلة الفنّ من الحقيقة، والنظر إليه” منتجا للوهم”، لم يمنعه من الإقرار بأهميته (وذلك لكونه يميّز بين الجمال كقيمة مجرّدة “والشيء الجميل” كمحسوس) أهميّة تبرز في مجال التربية (تربية الأطفال موسيقيا مثلا في سنّ مبكّرة أمر أساسي في إعدادهم للقيام بمهامّ جسيمة في “الجمهورية الفاضلة” فيما بعد) وبقيمة الأعمال الفنيّة الجميلة، و”أثرها في تنشئة الأطفال وتكوينهم وخلق الانسجام النفسي لديهم”. كما يعترف لها بوظيفة نفسية، من حيث أنها تساعد على تحقيق أحد الرغبات الأكثر حدّة، أن “نمنح الأطفال بواسطة إشباع بطيء ولاواعي، تذوّق ما يريد العقل أن يحبّوه، والذي غالبا، ما يتجنّبه الكبار” (2). يقول أفلاطون في كتاب الجمهورية:” يجب علينا أن نستدعي فنيين من طراز آخر، فيتمكنون بقوة عبقريَّتهم من اكتشاف أثر الجودة والجمال، فينشأ شبابنا بينهم كما في موقع صحي، يتشرّبون الصلاح من كل مربع تنبعث منه آي الفنون، فتؤثر في بصرهم وسمعهم كنسمات هابَّة من مناطق صحيَّة، فتحملهم منذ حداثتهم دون أن يشعروا على محبة جمال العقل الحقيقي والتمثُّل له ومطاوعة أحكامه”.(3)، ويضيف:” إن الإيقاع واللحن َيستقرّان في أعماق النفس ويتأصلان فيها، فيبُثَّان فيها ما صحباه من الجمال، فيجعلان الإنسان حلو الشمائل إذا حسنت ثقافته، وإلا كان الحال بالعكس، ومن حسنت ثقافته الموسيقيّة، فله نظر ثاقب في تبني هفوات الفن وفساد الطبيعة، فيُفَنّدها ويمقتها مقتا شديدا، ويهوى الموضوعات الجميلة ويفتح لها أبواب قلبه فيتغذَّى بها، فينشأ شريفًا صالحا، وإذا كان منه ذلك وهو بعدُ فتًى دون سن الرشاد قَبْلَما يبرز في تلك الأمور حكما عقليا، فإنه متى بلغ رشده يزداد ولعا بها عن معرفة؛ إذ تربَّى عليها وألفها”(4). ويقرّ أفلاطون للفنّ أيضا بوظيفة خُلقية من حيث أنّها أي الفنون وخاصّة الموسيقى”رقيّ للنفوس، ذلك أنّها تتجه في جدّية تامّة إلى توليد الانسجام الذي تحدّثنا عنه، ولكن نظرا لأنّ نفوس الصغار لا تحتمل الجديّة، فإنّها تُلقى إليهم في صورة لعب وغناء”. (5)

غير أنّ أفلاطون، إذ يعترف للأعمال الفنية الجميلة بقيمتها التربوية والنفسية والخلقية، فإنّه لا يقرّ لها كمالا مهما بلغت من دقّة الصنع وبذل فيها الفنان قصارى جهده في جعلها جميلة تمتع الناظر أو المستمع. فنحن نعرف، كما يقول: ” أن فرشاة المصوّر لا يبدو منها مطلقا أنّها أتمّت عملها وهي ترسم وجها من الوجوه، إذ يبدو أنّك تستطيع أن تمضي إلى ما لا نهاية له في لمسات التزيين بوضع الألوان أو النتوءات، أو أيّ شيء يمكن أن يكون اسما للعمل الفنّي، دون الوصول أبدا إلى نقطة لا تسمح فيها الصورة بزيادة أكثر في الجمال أو الحيوية”.(6) وذلك لأنّ الجمال الحقيقي قيمة مطلقة في عالم المعقولات، أو مثالا في “عالم المثل” لا يبلغه الفنّان وهو سجين المحسوس، بل ما كلّ ما يستطيع فعله هو أن “يحاكي” الجمال الطبيعي، الظاهر للعيان والذي هو مجرّد نسخة لهذا الجمال المطلق. من هنا فالأثر الفني على جماله “ناقص” متناه ومعرّض للفساد والتلف، شأنه في ذلك شأن أي شيء مُحدث، أو مصنوع. ومع ذلك نجد أفلاطون يلمّح إلى لزوم العناية بالآثار الفنية حفاظا على قيمتها “الجمالية” أو بالأحرى مظهرها الجمالي، حتّى تلعب دورها التربوي والخلقي، ويجعل ذلك “وظيفة” موكولة لأفراد تعيّنهم الدولة (كما يتصوّرها في كتاب ” الجمهورية ” وخاصّة في كتاب “القوانين”) بغرض إصلاح ما ألحقته “عثرات الأيام” بالأعمال الفنيّة من آثار سلبية قد تفسد شيئا من جمالها، وهذا يذّكرنا بوظيفة “أولئك الذين يرمّمون” الأعمال الفنية في المتاحف المعاصرة ودورهم في صيانتها من التلف بإدخال تحسينات عليها وإصلاح ما فسد منها، والعمل على حفظها في ظروف ملائمة واستخدام تقنيات متطوّرة في ذلك، وهذا يعني أن أفلاطون متنبه إلى فعل الحفظ و”الصيانة” كعنصر أساسي في فكرة “المتحف” عموما. يشير أفلاطون تقريبا إلى شيء من هذا القبيل بصيغة الافتراض متنبئا بما سيصبح واقعا، حينما يقول:” لنفترض أنّ قَصْدَ أحد الفنّانين كان تصوير وجه على قدر عظيم من الجمال، أنّه ينبغي له أي الوجه، فوق جمال صنعته أن يزداد زيادة ثابتة ولا يفسد بعثرات الأيام، وأنت تعرف أنّه ما دام للمصوّر رغبةَ خالدٍ، فإمّا أنّه يجب أن يترك خلفه من يستطيع أن يصلح أيّ تشويه يلحقه الزّمن بالوجه، وذلك بجانب تزيينه بلمسات التحسين التي تخفي نقائص عجز الفنّان السابق، وإلاّ فإنّ عمله العظيم يكون ذا نتائج مؤقّتة لا غير “.(7) هكذا إذن يقرّ أفلاطون بلزوم صيانة الآثار الفنية الجميلة وهو ما يقتضي مبدئيا وجود قائم بهذا الأمر ووجود فضاء لإنجازه، وهو “المتحف”، وإذا لم يكن أفلاطون قد أشار صراحة إلى لزوم إيجاد فضاء “المتحف” “كمؤسّسة” قائمة بذاتها، فقد كان له سبق “التنبؤ بوجود المتاحف بالمعنى الاشتقاقي للكلمة، وتقريبا في دلالتها المعاصرة” (8). خاصّة أنّه كما ذكر في كتابه “القوانين” أنّه زار بنفسه معابد نهر النيل، وأنّه تفحّص الفهارس الموجودة هناك، ووجد أنّها تَفرض معيارا مقيّدا لخيال الفنانين المصريين “وهذه” معلومة تؤكّدها على نحو ما، دراسة النقوش البارزة للنيو- مانفيت. (9) يقول أفلاطون متحدّثا عن المصريين وسعيهم إلى حفظ الفنون و”قوانينها”:”.. وهكذا نجدهم قد سحبوا كلّ القوائم (ويقصد الترانيم والتراتيل الدينية) ذات الأمثلة القياسية ودشّنوا نماذج لها في معابدهم”(10). من هنا نفهم إقرار أفلاطون بالحاجة إلى تيسير تأمّل هذه “الآثار الفنية الجميلة” لأولئك الذين يرغبون في النظر إليها والاستمتاع بمشاهدتها وتأمل جمالها حتّى وإن لم يدركوا كنه حقيقتها المطلقة. ذلك “أن محبّي النظر والسمع يعجبون بالجميل من الأصوات، والأشكال، والألوان، والصور، وكل ما دخلت في تركيبة هذه الأشياء من منتوجات الفن، ولكن فهمهم يَقْصُر عن إدراك كنه الجمال واعتناقه” (11) ووجه تيسير “تأمّل هذه الأعمال الفنية” هو في توفيرها “وجمعها” وتمكين الناس من مشاهدتها عن قرب ربما في “فضاء مخصوص هو “المتحف”، و “حتّى تقع أعين الناس على شتَّى الأشياء الجميلة”، خاصّة أمام قصور “عشاق العروض الفنّية” عن التميز بين الأعمال الفنية الجميلة الجديرة بالنظر أو الاستماع، عن تلك التي تفسد الذوق وتذهب المتعة، يؤكّد أفلاطون على ضرورة وجود “حكّام” أو “خبراء” كما نسمّيهم اليوم، يملكون معرفة كافية بمعايير الجدارة الفنية الجمالية “لأعمال الفنانّين ويكون لهم القدرة على اختيار أنسبها وفق ضوابط “جمالية” أطنب أفلاطون في ذكرها (خاصّة فيما يتعلّق بالموسيقى من لحن وإيقاع…) في كتاب “القوانين” وربطها خاصّة بالوظيفة التربوية للفنون عامّة وأثرها على نفوس الناشئة ولزوم أن ننتقي منها ما يساعدها على اكتساب الفضائل، ويلعب هؤلاء ” الخبراء الفنّيون” دور ” الناقد الفنّي ” اليوم، والذي يملك القدرة على تقييم الأعمال الفنيّة والحكم على جماليتها. يتحدّث أفلاطون في “القوانين” عن مواصفات هذا “الخبير الفنّي” فيقول:” يجب على من يكون قاضيا ذكيّا يحكم على أيّ تمثيل سواء أكان في الرسم أو في الموسيقى أو في أيّ فرع آخر من فروع الفنّ أن يتمتع بثلاثة مؤهّلات: وهي أن يفهم أوّلا ما هو الموضوع الذي أعطانا الفنّان نسخة منه، وثانيا كيف أن هذه النسخة صحيحة..، وثالثا وأخيرا إلى أيّ مدى من الجودة يكون عليه التكوين والبناء الخاص بإنتاج ما من حيث اللغة والإيقاع في الوزن”.(12) خاصّة أنّه قد وُجد  زمن أفلاطون، كما في كلّ زمان، مدّعون و”أشباه فنّانين” مشعوذون وعرّافون يتجوّلون في طرق أثينا، مختصّون في صناعة “التعويذات” ويزعمون أنّهم تحت رعاية “أورفي” Orphée  وميوزات musée  آلهة الإلهام والموسيقى …” (13). والجدير بالذكر أن أفلاطون يبدو ذي نزعة “محافظة” تجاه فن عصره، رافضا كل أشكال التجديد، فهو لا يعترض على الفنون في مجملها، بل يتّهم بعضها، على أساس تصوّره للفنّ كمحاكاة، فنّا لا يكون كذلك حقّا إلا بقدر “أمانة” الفنّان في نسخ الأشياء الجميلة؛ لذا فهو يعترض على ” أوفنارانور”Euphranor أو ربما “لوسيب” في “قانونه” الذي حرّره في شأن فنّ النحت والرسم ولزوم الأخذ بمعيار “التناظر” خاصة. في حين أنّ المطلوب في فنّ النحت أو الرسم حسب أفلاطون هو تقدير النسب الدقيقة كما تكون في الأشياء لا النظر إليها من جهة “دقتها” في منظور المتفرّج، وهو ما يراه “أوفرانون” ولوسيب. كما يتّهم أفلاطون الرسامين الذين ينتجون رسوما “خادعة للعين” تسعى إلى الإيهام بالتضاريس والنتوءات في الرسوم، في حين أنّها ليست سوى لطخات أو لمسات إذا ما نظرنا إليها من قرب، ويشير “بيار ماكسيم شول” إلى أن أفلاطون في محاورة بارمينيدس قد ضرب مثلا بهذه الرسوم “الخادعة” في معرض تعبيره عن “الفكرة المجردة لعالم وحدته ظاهرة وليست حقيقيّة” (14). يؤكّد هذا دون شكّ على أن أفلاطون كان مطّلعا على فنون عصره بل وعارفا بفنون شعوب أخرى وخاصّة المصريين الذين زار معابدهم وشاهد آثارهم الفنية والمعمارية الفنية، فيما يشبه “المتاحف” اليوم. ذلك أنّ فنّ الموسيقى خاصّة وكذا الرسم، بدرجة أقلّ، وثيق الصلة بالممارسة الدينّية لدى المصريين خاصّة ولدى اليونان القديم، فكانت المعابد حاوية على أعمال فنيّة وتقام فيها الطقوس الدينية مرفوقة بالترانيم والإيقاعات الخاصّة، تقوم بها “جوقات” و”موسيقيون”، ويحضرها المقيمون من أهل البلاد وكذلك الزوّار من خارجها؛ لذلك نجد أفلاطون يؤكد على ضرورة وجود ما يشبه “الأدلاّء” السياحيين عندنا، يساعدون الزوّار على التعرف على أماكن العبادة وما تحويه من “آثار فنيّة” وما يجري فيها من النشاطات. يذكر أفلاطون أنّه لابدّ من أن يكون “بجانب المعابد مرافق فيها موظّفون مهمّتهم استقبال السيّاح الذين يزورون هذه المعابد” (15) بل يجب على الدولة أن توفّر لهؤلاء مكان إقامة أثناء زيارتهم للمعابد ومشاهدتهم العروض الموسيقية والحفلات إلخ. يقول أفلاطون: “…والنوع الثاني من الملاحظين بالمعنى الحرفي للكلمة، أنّهم يأتون إلى الأماكن التي ترى بالعين، وللعروض الموسيقيّة التي تمتّع الأذن، وستتاح الإقامة لكلّ هؤلاء الزوار في المعابد بالكرم المضياف، وسيكونون موضع الالتفات والحبّ من قبل قساوسة الكنائس خلال إقامة ذات مدى معقول”.  (16) غير أنّه نبّه إلى لزوم “تجنّب المبالغة في مظاهر الترف في البناءات الجنائزية خاصّة”، حيث تقام تماثيل ومظاهر زينة مبالغ فيها أحيانا في علاقة بمنزلة “الميت” ومكانته الاجتماعية.

  • الإحالات:
  • 1.      ” القوانين” أفلاطون ترجمة – محمد حسن ظاظا- الهيئة المصرية للكتاب ص 134
  • محاورة الجمهورية – أفلاطون – ترجمة حنّا خباز- ط. أولى 2016 مؤسسة هنداوي ص 103 الكتاب 2
  • 3.      الجمهورية الكتاب الثاني ص 104
  • 4.       نفس المصدر ص 104-105
  • 5.      القوانين، ج2 ص 134 
  • 6.       نفس المصدر ج 6 ص 291
  • 7.        نفس المصدر ج 6 ص 291-292
  • بيار ماكسيم شول من كتاب” افلاطون وفن عصره” ط.2 – باريس 1952
  • ب.م. شول “أفلاطون وفن عصره” ص19
  • 10. كتاب” القوانين ” افلاطونج 2 ص 189
  • 11. الجمهورية الكتاب الثاني ص 134
  • 12.” القوانين” ج 2، ص149
  • 13. بيار بيونسي، طقس الميوزات لدى الفلاسفقة اليونان” (1945 ص 249- 252) ملخّص لشارل جوسّرون.
  • 14.  ب. م. شول ” أفلاطون وفنّ عصره” 1933 ألكان –باريس ص 123
  • 15. “القوانين”- الكتاب 12 ص 542
  • 16. القوانين الكتاب 12 ص 543
  • الصورة: https://2u.pw/lMKmr
التاسع عشر بعد المئة ثقافة وفكر

عن الكاتب

Avatar

عبد الوهاب البراهمي