فدوى ملائكية

كتب بواسطة إبراهيم بن سعيد

قراءة كتاب رسائل إلى فدوى

الكاتب أحمد الراشدي

نثر للنشر ٢٠٢١م

إلى الحولِ ثمّ اسمُ السلام عليكما ومن يبكِ حولًا كاملًا فقد اعتذر

لبيد العامري

١. ملائكة فنيون

في رائعة الكسندر زخاروف (فيلم الفلك الروسي Russian Ark) ٢٠٠٢م، الملحمة المعاصرة للتاريخ الروسي الذي تدور أحداثه في متحف الهرميتاج في القصر الشتوي بمدينة سانت بطرسبرغ تظهر الملائكة في أكثر من مشهد، مرة في لوحة السيدة العذراء والطفل المسيح للفنان فان ديك حيث الملائكة على هيئة أطفال عراة، ومرة  على هيئة فتيات عذراوات بثياب هفهافة في إحدى المشاهد اللاحقة، ذلك أن الملائكة ما زالوا يدخلون إلى يومنا هذا في نسيج الفن الإنساني المعاصر، وهذا التعلق بالملائكة يبرز نوعًا من التوق البشري، رغبة في التسامي، بما أن الملائكة سماويون، وقرب الله؛ هكذا نسمي الأطفال ملائكة الله، خاصة الراحلين منهم، فيما نسمي من لم يرحل بالأشقياء، العفاريت، والشياطين؛ نوع من التمثلات الفنية للحالة الإنسانية الغامضة، وفي قصة خلق آدم في القرآن يرد الملائكة على إخبار الله لهم بأنه جاعلٌ في الأرض خليفة بالسؤال الاستنكاري: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبّح بحمدك ونقدس لك؟.. إلخ الآية ٣٠: البقرة.

٢. ملائكة واقعيون

ندعو الممرضات ملائكة الرحمة، وتتعمم الصفة على الطاقم الطبي كله؛ في هذا الجو قادتني صدفة للتعامل مع طبيبة جراحة، اسمها فدوى، لم أنتبه لتشابه الأسماء أول الأمر؛ فيما بعد وأنا انتظر أمام غرفة العمليات تذكرت فدوى الراشدية، مر خيال مثل طيف ملائكي، بيني وبين عيني، تذكرت فدوى؛ طبيبة توليد فدوى كذلك كان اسمها فدوى ص٣٠، شاعرة فدوى التي سماها أبوها على اسمها كان اسمها فدوى عبدالفتاح طوقان ولها أخ شاعر رحل في شبابه باكرًا، كتبت فيه كتابها (أخي إبراهيم) ذكره الزركلي في الأعلام، يقول كاتب رسائل إلى فدوى عن اسم ابنته:

فدوى هذا الاسم الذي أودعته غرف قلبي السرية مذ كنت طالبًا في الجامعة حتى لا يخطفه مني أب لابنته. ص٢٨

هكذا تذكرت أني لم أكمل كتابة قراءتي للكتاب، الكتاب الذي قرأته بعيون دامعة.

٣. فراشات ملائكية

اسم فدوى من التفدية والفداء، وجاء في مراثي شاعرة الرثاء العربية الخنساء قولها:

فدىً للفارسِ الجشميّ نفسي وأفديه بمن لي من حميمِ

والفداء أن تفدي شيئًا تستبقيه بشيء تفقده، والفدائي/ة من يفدي بنفسه حياة الآخرين، ترحل فدوى ويبقى ما تفديه غامض، زهرة من وادي قريّ صعقها ماس كهربائي.

ملائكة هو الوصف الذي يسبغه الأب والأم على ابنهما أو ابنتهما الراحلة، أو طير في الجنة، كأنهما يلتمسان التعزية في الجمال، حين يغدو فقيدهما اأقونة جمالية، نوعًا آخر من الوجود، ساميًا وغيبيّا وأقرب منهما منزلة إلى الجمال الإلهي.

للموت خبرة الدهور في كشفه الجانب الأخفى من الحياة، وفي هذه التجربة يكتشف الكاتب أحمد الراشدي بفقده ابنته أنها كانت ملاكًا، ماضي الملاك هو ما عاشه معها، والآن تحولت إلى صوت في الجنة، وطير في الجنة، وفراشة سماوية:

فراشة أنت في رحلة الملاك السماوي، وأنا آه ثم آه غريق لاءاتي. ص١٢١

٤.  شفافية

ما وراء الفقد، بعد نهر الحزن العريض، يخرج الأب بمركب من ورق، هذا الكتاب، رسائل الأب إلى ابنته، رسائل قصيرة، حزن ينشد العزاء، يفدي بنصه الحالات المشابهة، ويسجل التحولات الجارحة:

أختك مكية تقول لي: بابا، إذا كانت فدوى راحت الجنة أنا آخذ آي بادها، نزينه؟

ص٧٦

في رسالة الأم المثبتة ص٩٠، نرى لأول مرة فدوى بعد الموت في رسالة أمها:

تزورينني في منامي، لتقولي لي: “لا تحزني في العيد” فنفذت لك طلبك، تزورينني لتنبهيني إلى أخطائي وما هو مناسب لي ولعائلتي.. ص٩١

تتحول فدوى من الطفلة ذات الأعوام السبعة إلى شفيع، ملاك حارس، بطريقة شفافة، تتجاوز عالم الماديات لتسكن المشاعر، يشير الكاتب في موضع من الرسائل إلى أن إحدى أهداف العمل المضمرة هي لفت انتباه الآباء إلى قيمة الأبناء، إنها القيمة التي تتجلى بوضوح، عبر الفقد.

٥. نص الفقد

في هذا العمل المسمى باسمها يفتقد القارئ المفقودة، لا أثر لفدوى مثلما هي فقيدة أبويها، ربما بسبب طبيعة صيغة الرسائل إذ هي موجهة إلى ناء مفقود وبعيد مفتقد، لكننا لن نجد شيئًا كثيرًا عن فدوى، نجد حزن الأب يتقاطر في رسائله، لكن لا نجد فدوى نفسها، لا سيرتها القصيرة جدًا، ولا أحداث حياتها، ولا ما كانت تحب وتكره، غير بضع آثار طفيفة متفرقة هنا وهناك؛ أثر شفاف، كأنما الفقد هو الغالب حتى على النص، بتدبير لا شعوري في غالب الظن، هناك تفاصيل الفقد أكثر، حادثة الوفاة وطريقة تلقيها والقبر والعزاء.. إلخ، كل الأشياء التي أوجبها الفقد بعد أن انتهى الوجد والعثور برحيلها المفاجئ.

لعل الأكثر حزنًا هو المفاجئ، ما لا تتوقعه، لا أحد يتوقع الرحيل السريع للصغار والشباب لهذا يكون رحيلهم فاجئًا فاجعا.

٦. طفلة في وادي قرَيّ تدعى فدوى تحولت إلى ملاك.

في البنوة ليست الملكية هي السبب، فلا أحد يملك شيئًا آخر الأمر، لكن تلك التراتبية الغامضة التي تقودنا جميعًا وتكشف بذلك عن أسرارها الخفية، الرموز الغامضة، الأشياء الساحرة للحيوات الثمينة، ما نلتفت إليه ونحن في خضمه مجروفين بسيل الحياة المدهش حتى ننساه، تلك اللحظات التي نعجز عن استيعابها، حتى يأتي الحزن ليغسل قلوبنا وعيوننا لنرى بشكل أوضح، كأنما استيعابنا لحياتنا يأخذ منا وقتًا طويلًا جدًا حتى نفهمها ولو جزئيًا آخر الأمر، عندها ربما نتفهم ضرورة الفقد وأهميته.

نريد أن نفدي بأنفسنا أحبتنا، لكننا لا نملك الاختيار، نريد أن نفديهم حقًا أم نريد الهرب من ألم الحزن؟! كابن الرومي في قصيدته الشهيرة (بكاؤكما) حيث البكاء يشفي ولكنه لا يجدي ولا يجدي حتى خلود الابن الراحل في الجنة:

وما سرّني أن بعتُه بثوابهِ ولو أنه التخليدُ في جنة الخلد

 نحاول أن نفديهم وإذا بهم يفدوننا، يحررونا بالألم والحزن من قيودنا، تلك التي تقيد القلب، يحررون قلوبنا ويهبوننا أجنحة، يربّوننا، يجعلونا نكبر، ولا شيء كالحزن يجعلنا نكبر بسرعة، ونفهم بسرعة، الحزن الذي تجنبناه وهربنا منه كان خلاصنا.

٧. الرسائل

تصبح الرسائل وسيلة علاج، محاولة استعادة وولادة نصيّة للفقيد، أكتب إليك مهما كنت غائبًا وراحلًا، أي أستحضرك وأستعيدك، أخاطبك بالكلمات كأنك لم ترحل، مثلما كنت أفعل في الحياة حين أشتاقك أمضي إليك أو أتصل بك وأخاطبك، الرسائل وسيلة اتصالي بك، حتى وأنت في الغيب:

ولكني عدت يا فدوى ولم أجد حضنك يا باباتي عند الباب. وحين أضناني الشوق كتبتك نثرًا وحاولت أن أكتبك شعرًا.. ص٥٠

يبقى النص الذي يروي تلقي نبأ وفاة فدوى وهو النص الذي وضعه الكاتب في مقدمة الرسائل من أقوى النصوص مقارنة بالشذرات القصيرة اللاحقة، مع أن بعض تلك الشذرات لا تخلو من أثر يسيل الدموع، لكن لحظات الأب المسافر واستعادته لمشاهده الأخيرة مع ابنته تلهب المشاعر:

إذا بها تحضنني بشدة وتنام على صدري وتصرخ:

  • ما تسافر باباه، ما تسافر باباه.

انتقز قلبي وارتاب بخوف من صراخها؛ فلأول مرة فدوى تترجاني وتطلب مني عدم السفر، ففي سفراتي السابقة كانت تودعني بفرح، ولم يحدث ولا مرة أن انزعجت من سفري. ص٢١

إلى لحظة وصول النبأ المشوش المتناقض للأب المسافر الذي يذكرنا بقول المتنبي في رثاء أخت سيف الدولة:

طوى الجزيرة حتى جائني خبرٌ فزعت فيه بآمالي إلى الكذبِ/ حتى إذا لم يدع لي صدقهُ أملًا شرِقتُ بالدمع حتى كاد يَشرَق بي..

تلك اللحظات الدقيقة ما تزال قوية الأثر حتى أن القارئ يتمنى في سره إلى اليوم، رغم مضي السنين على وفاة فدوى، ألا يصحّ الخبر.

٨. المراثي والتعازي:

ينضم هذا العمل الذي قدمه سليمان المعمري بمقدمة جميلة إلى أعمال أدبية عمانية ونصوص وفعاليات أخرى وجوائز معاصرة طالعتنا في السنوات الأخيرة بعثتها المراثي مثل رثاء الأب (لا أحب أبي لعائشة السيفي)، الأخ (سليمان المعمري، بدر الخروصي)، والابن (علي مهدي)، والابنة (محمد الحضرمي)، والزوجة (ليل الأرمل لعبدالرزاق الربيعي)، والصديقة (سعاد لشريفة التوبية)، مع أعمال ونصوص أخرى ليس المقام مقام حصرها، تنضم بدورها إلى قافلة هائلة من الأعمال الأدبية التي توثق سيرة الدموع الإنسانية.

ما زالت المراثي مستمرة تكتب سيرة العزاء الإنساني الشامل لنا جميعًا، الأحياء الموتى، وقد مضى أكثر من ألف سنة منذ وضع أبو العباس محمد بن يزيد المبرّد ت٢٨٦هـ/ ٨٩٩م كتابه التعازي والمراثي حزنًا على فقد صديقه القاضي إسماعيل، قبل عامين وحسب من وفاته هو، وكأنما كان كتابه الأخير مجلس عزاءه، جمع فيه أبلغ مراثي العرب من شعر ونثر وأثر، كعينية متمم بن نويرة في رثاء أخيه مالك التي منها البيت:

فلما تفرقنا كأني ومالكًا لطولِ اجتماعٍ لم نبِت ليلةً معا..

وفيه الرواية الشهيرة عن أرطأة المري الذي أقام يبكي على ابنه عمرو حولًا يأتيه كل غدو ورواح ويسأله: يا عمرو إن أقمت هل أنت رائح معي؟ فلما كان في رأس الحول تمثّل بيت لبيد السالف من وصيته لابنتيه: إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ومن يبكِ حولًا كاملًا فقد اعتذر، ثم انصرف وهو يقول:

وما كنتُ إلا والهًا بعد زفرةٍ على شجوها بعد الحنين المرجع/ متى لا تجدهُ تنصرف لطياتها من الأرض أو ترجع لإلفٍ فترتع/ على الدهر فاعتب إنه غير معتبٍ وفي غير من قد وارتِ الأرضُ فاطمعِ.

مصدر الصورة: https://2u.pw/ArzXY

أدب العدد الأخير العشرون بعد المئة

عن الكاتب

إبراهيم بن سعيد

اترك تعليقاً