فاكهة للغربان.. دراما السقوط والتخوين وضياع الأحلام

كتب بواسطة محمد سليم شوشة

في رواية “فاكهة للغربان” للروائي العربي اليمنى المتميز أحمد زين الصادرة عن دار المتوسط 2020 عدد بارز من السمات الجمالية والدلالية التي تجعلها واحدة من أهم الروايات العربية الصادرة مؤخرا، فقد اشتغلت الرواية على مقاربة حال ثورية شديدة التعقيد ظلت عصية على الفهم والاستيعاب برغم مضي عقود طويلة عليها، لكن الأهم أنها قاربتها من جهة إنسانية تتسم بالنبض والحيوية والالتصاق بمشاعر الإنسان وجسدتها في بنية سردية تتسم بالثراء الجمالي وذات أبعاد رمزية وقابلية لتأويلات عديدة وتصبح الرواية متخلصة في كثير من أبعادها وفضائها السردي من الثقل السياسي فجعلته ملفوفا في تكوين إنساني نابض ومشوق.

أبرز الأبعاد الجمالية لهذه الرواية هو ما استطاعت إنجازه عبر بنيتها السردية أو استراتيجيتها التي هي مسألة خاصة بالكيفيات السردية وليست مقصورة فقط على العالم الذي قامت على سرده أو قص حكايته، ففي مستوى جمالي أول نجد أنها في غاية التشويق لأنها مشحونة بخطوط درامية عديدة  كانت في منتهى التوفيق والذكاء حيث جعلتها متصاعدة الوتيرة ومتقدمة في اتجاه ذروة درامية يظل المتلقي مشدود لها من البداية حتى النهاية وكأنه في رواية بوليسية يبحث فيها عن سر سيكتشفه في النهاية ولا يمكن القفز إليه مباشرة دون المتابعة الدقيقة.

الخط الأول وهو الخاص بسر إصابة سَاقَيْ نورا ومنعها من السفر لعلاج أو غيره حتى بلوغهما حدا من التعفن، والخط الثاني في اختفاء جياب والبحث عنه أو تتبع أخباره ومحاولة معرفة مصيرة حتى نهاية الرواية، والثالث حال الترقب والخوف المستمر ومصير القتل والتخوين الذي ينتظره كل الرفقاء ويعيشونه في عدن في تلك الأجواء المشحونة التي تمكنت الرواية باقتدار من مقاربتها ونقلها إلى المتلقي الذي ربما من شدة وطأتها يشعر أنه هو الآخر يعيش هذه الأجواء الصعبة والثقيلة من التخوين والتفيش في القلوب والعقيدة السياسية وحالات الطرد والتصفية الجسدية وصولا إلى حادثة الاقتتال والحرب العلنية في 13 يناير 86.  ثمة أيضا خطًّا دراميًّا متصاعدًا مرتبطًا بسقوط الحلم وبتلك الذروة التي يتأكد فيها كل الأطراف من أن حلمهم في ثورة مثالية هو محض وهم وأنهم وصلوا بالحلم البريء والمثالي إلى قمة المأساوية والسوداوية التي لم تخطر ببال كثيرين منهم. تمضي الأحداث في هذا الاتجاه بشكل متصاعد ومتدرج يجعل الحقائق تتكشف على مراحل بشكل لا يبدو واضحا إلا لأصحاب البصيرة والقدرة على النفوذ إلى ما وراء ظاهر الأحداث وهذه خاصية ليست لهم جميعا. وهكذا تبقى حال الترقب والانتظار والخوف مستمرة حتى الصفحات الأخيرة من الرواية، فكثير من الأشياء والخطوط الدرامية تظل نتيجتها ونهايتها معلقة حتى بعد نهاية الرواية، وتظل الأسئلة المعلقة ممتدة تعيش في عقل المتلقي مدة أطول، وهذه سمة مهمة من سمات الإبداع الأدبي المحفز.

هناك خط درامي آخر مرتبط بفكرة كتابة المذكرات وتدوين هذا التاريخ بشكله الشخصي فيما يخص نورا وحكايتها وقصتها وبخاصة الإصابة الخطيرة في قدميها اللتين تصلان حد التعفن، والتاريخ العام فيما يخص مدينة عدن وما يجرى فيها من حراك ثوري وتبدلات طبقية وإيديولوجية وما يحدث على مستوى تبدل القيادات والتصفيات والتخوين، وفكرة كتابة المذكرات أو تدوين التاريخ في ارتباطها بنورا وصلاح ليست من قبيل المصادفة بل هي جزء من استراتيجيات الخطاب السردي العامد إلى قدر بارع من الرمزية؛ لأن صلاح برؤيته المثالية وطموحه الثوري البريء يمثل الضمير النقي للمجموعة وبالتالي هو الأقدر على أن يمثل زاوية رصد موضوعية لهذا العالم الصاخب بالحركة والحيوية الفكرية والمادية ويرصده بدقة في صعوده وسقوطه وانهياره ويرصد سلبياته وإيجابياته، فيمثل صلاح – من حيث كونه بؤرة الرؤية – ميزانا خاصا لهذا العالم بكل ما فيه من تقلبات وتحولات.

فيما ترمز نورا في تقديرنا إلى مدينة عدن وتمثل اختزالا مبهرا لها على المستوى الفني؛ لأن الإبداع الروائي ربما تكون أهم جمالياته في فكرة الاختزال والرمزية وأن يكون قادرا على أن يجمع بين القول المباشر وغير المباشر في الوقت نفسه، فبعض الدلالات يطرحها الخطاب الروائي بشكلها الواضح والمباشر في حين تظل هناك طبقات دلالية خاصة مطمورة في الأعماق لا يتم إنتاجها وبالتالي استنتاجها قرائيا وملاحظتها إلا في إطار الرؤية الرمزية، مثل رمزية ساقي نورا المعطوبتين أو رمزية الفاكهة التي تأكلها الغربان أو الرائحة الفاسدة لساقي نورا أو لرائحة السمك المتعفن في مناطق كثيرة من المدينة، فضلا عن أشياء ووحدات سردية كثيرة تمكن الخطاب الروائي ببراعة من توظيفها في إطار بنية رامزة تجعل المتلقي شريكا في الدلالة وتجعل الرواية تتجاوز المباشرة المستمرة أو المهيمنة من البداية للنهاية، فبحكم كونها رواية ذات طابع سياسي مباشر قد يكون طبيعيا أن تصبح على قدر من المباشرة في مناقشة الأفكار والإيديولوجيا والمعتقدات السياسية وتناول الأحداث التاريخية المعروفة، ولكن البراعة أن يكون هناك مستوى آخر يتجاوز هذه المباشرة إلى نمط إيحائي من السرد يجسد ما هو أعمق وما هو أكثر ارتباطا بالإنسان وبتكوينه الداخلي وبقدر طموحه وأحلامه وبالمثل قدر خيباته وأحزانه وألمه وحيرته وشتاته وتشظيه وموته على مراحل، لأنه مع كل خسارة يفقد شيئا من روحه وشيئا مهما من ذاته لا يمكن أن يستعيده مرة أخرى، بحسب ما جسدت الرواية أو كشفت.

تجسد نورا بؤرة هذا الوجود الروائي بجمالها القديم المعطوب أو المصاب في حركته وحيويته وبالتالي في مستقبله القاتم، هي البؤرة لكونها كانت تمثل جوهر المعادلة في الانتقال بين زمنين متناقضين أو تجربتين متعارضتين، الأرستقراطية سليلة المجد القديم التي لم تمانع وتعاند مع التجربة الجديدة أو الزمن الجديد لكنها كانت مسلوبة الإرادة ولم تمض الأمور وفق هواها وكانت أكثر المتضررين. أن تكون نورا بهذا الشكل الذي جسدته الرواية من حالميتها وجمالها ومراجعاتها ومرونتها في الوقت نفسه فهذا واحد من نقاط تميز الرواية التي صنعت نماذج إنسانية شديدة العمق وشديدة الثراء والقابلية للتأويل وأن تتجاوز كونها مجرد شخصية عادية. والحقيقة أن عديد الشخصيات تأخذ هذا التشكيل أو البناء وإن كانت شخصيات بعينها في قمة هذا التكوين الرمزي وبخاصة نورا التي ربما تكون هي نفسها مدينة عدن حين تتجسد إنسانا موجوعا أو مصابا، والحقيقة أن المكان أحيانا لا يثير شفقة القراء أو المتلقين إلا إذا أصبح نموذجا إنسانيا حين يتم إسقاط أوجاعه وتاريخه على نموذج إنساني أو أي شخصية روائية مصنوعة بدقة، لأن الطبيعي أن يتعاطف الإنسان مع الإنسان أو مع ما هو إنساني وليس ما هو جماد. الرواية جسدت مدينة عدن وأشارت إلى تحولاتها ومأساتها بوصفها مكانا، أشارت إلى الحقبة الكولونيالية وقصورها وتنظيمها وجمالها الشكلاني والمادي والطبيعي وأشارت إلى ما آلت إليه بعد ذلك، وبصورة غير مباشرة، لكن أحيانا قد لا يكون هذا كافيا، وهنا تكون العبقرية في الفن الروائي الذي يسقط روح المدينة على إحدى الشخصيات ويجعلها تتلبس بها أو تكون مرآة لها كما هي الحال بالنسبة لشخصية نورا التي لم ظلت مرهونة بالمدينة من البداية للنهاية، محبوسة فيها ومقيدة وغير قادرة على السفر فهي ذاتها وكيانها وجوهرها ولا تستطيع أن تنفك بسهولة عن كل هذا. وربما ثمة توفيق وبراعة كبيرة في كون الرواية انتهت بمصير مفتوح أو نهاية ضبابية وغير حاسمة بالنسبة لنورا التي لم تقدر على الفرار أو السفر مثل آخرين، وظلت عفونة ساقيها دالة على تلك المرحلة القاسية التي عاشتها تحت هيمنة هذه التجربة الثورية الغريبة، فبقيت نورا معلقة بهذا المصير تقارن بين تاريخين لها واضحي التباين ولا تستطيع أن تجزم بأيهما أفضل أو أيهما أشد سوءا.

الأمر نفسه بالنسبة لصلاح اليمني القروي المثالي الذي ربما يكون دالا على كل أصيل في تجربة ثورية ظلمته أو قتلت فيه حلما كان فوارا وحيويا. والحقيقة أن مستويات الرمز في الرواية أكبر من أي إشارة مختزلة وجديرة بأن تقوم عليها دراسة أو أكثر خاصة بهذا الجانب لأنها تتشعب وتتفرع مع كافة العناصر الروائية الخاصة بالمكان والزمان وتأصيل الشخصيات أو مرجعيتها التاريخية وجذورها الممتدة، فكل شخصية من شخصيات الرواية تأتي بعمقها التاريخي بميراث وحمل ثقيل من الأحداث والفواجع والنضال والقتال والحزن والفقد والألم والرغبة في الثأر أو الميراث القبلي أو الجهوي أو غيرها من العلامات أو الموتيفات التي تصبح فاعلة على المستوى الدرامي ويجيد الخطاب الروائي توظيفها لينتج أكبر قدر من التوتر والتشويق، حتى البحر والأطعمة والملابس تصبح كلها جزءا من سيرورة دلالية ورمزية ترتبط بالمستوى الطبقي وبالأحلام والصراع الثوري وتصبح كلها علامات سيميولوجية لها وظيفتها أو تصبح جزءا من الحال الكلية أو الشاملة للسرد، مثل الصراع بين الإمبريالية والشيوعية أو الاشتراكية العلمية التي نزعت إليها التجربة العدنية. والحقيقة إن الرواية على قدر كبير جدا من الثراء فيما يخص كافة العلامات التي تشكلت منها لأن وراء هذا السرد ذهنية إبداعية كانت مشحونة بشكل جيد بكل معطيات التجربة الثورية في عدن في تلك الحقبة واستطاعت أن تهيمن على كافة الأنساق التي تشكلت منها الحياة في عدن في عام 1985 والسياق العالمي قبلها وبعدها، وتحيط كذلك بالمرجعيات الإيديولوجية التي انبثقت عنها هذه الحالة لتكون في النهاية قادرة على أن ترمم وتعيد فنيا هذه الحياة وهذا التاريخ كاملا ليكون قابلا للتأمل والمراجعة في إطار من سياق عالمي متصارع ومتطاحن، بكل ما فيه من أطراف عالمية شرقا وغربا، من احتلال إسرائيلي وماكينة إعلامية للإمبريالية بحسب تصور الثوريين ومعتقدهم وكذلك صراع بين المعسكرين التقليديين شرقا وغربا وبأطراف أخرى وما كان في العالم من مؤتمرات وتبادل للخبرات والتدريب العسكري والأمني وغيرها من المعطيات التي أحاطت بها الرواية بشكل جيد. حتى أنواع الأسلحة وماركات السيارات أو غيرها من الأشياء وظفتها الرواية على نحو مثالي ليكون المتلقي في النهاية أمام جدارية تاريخية صنعها خطاب رواية فاكهة للغربان عبر تشكيل سردي تعتمل فيه قدرات سردية واعية ولاواعية كثيرة.

في الرواية أيضا سمتان مهمتان إحداهما ترتبط بالطابع المشهدي المغاير الذي هيمن على السرد من البداية للنهاية، حيث إن هذه المشهدية الخاصة كانت قادرة على رصد كل هفوة أو نأمة أو حركة تصدر عن أي شخصية في المشهد الروائي الذي يشكله السرد، فيصل الأمر بالمتلقي لحال أقرب لأن يكون جالسا بين هؤلاء الرفاق وهم يتناولون إفطارهم أو غداءهم أو وهم يتحاورون أو يتداولون الرأي والنقاش أو الذكريات أو غيرها، ترصد الرواية عبر هذه المشهدية الخاصة كل اختلاجات الشخصية وتعبيرات وجهها وما بداخلها وخارجها، ترصد الظلال والأضواء والأصوات المتقاطعة والمتداخلة في تركيب سردي برغم كل هذا الشحن يتدفق في سلاسة وعفوية، وكأن كل هذه التفاصيل إنما كانت مفروضة على ذهن السارد أو أن روحه وذاكرته مشحونة بها بشكل طبيعي بحيث لا يمكن تخطيها، ولا يبدو فيها أدنى قدر من الافتعال، بل تبدو ملحّة بشكل طبيعي على الذاكرة وتفرض نفسها فرضا. والحقيقة أن بناء المشهد السردي يتجاوز حتى مجرد أن يكون سينمائيا دقيقا إلى ما هو أبعد، فيرصد ما بداخل الشخصية وما بخارجها وهو ما لا تقدر عليه الكاميرا ولكن تقدر عليه الكتابة. وفي تقديرنا أن هذا النمط من المشهدية السردية يحتاج إلى دراسة أيضا قائمة بذاتها لأنها كما ذكرت مشهدية خاصة تستعين باللغة وبالإشارات والعلامات على نحو مكثف وتحدث فيها تقاطعات وخروج عن المسار الزمني بالذكريات أو الماضي أو الأحداث السابقة فيكون هناك نمط من التقطيع والتداخل الذي يجعل المشاهد مركبة ومتشابكة بما يخدم في النهاية فكرة مركزية وهي تجسيد وطأة هذه الحياة وثقلها وتجسيد ما وراء الشخصيات من ذكريات كثيرة وماض يدفعها إلى مسارت ومصائر معينة في المستقبل، فتصبح كل شخصية مدفوعة ومتحركة بفعل من ماضيها وتاريخها وتكوينها القديم.

وفي الرواية كذلك لغة رشيقة ومتدفقة وتمزج بين الاستعارات والانزياحات وبين اللغة التداولية، فمثلا نجد كثيرا من الصور والاستعارات والتشبيهات والمجازات التي تعلو باللغة إلى مستوى شعري يتناسب مع حال الشخصية وما تعاني أو تعيش من أزمات أو طموح أو تاريخ. مثل تلك الصورة التي يقول فيها إن السماء ملبدة بالطائرات، وغيرها الكثير في الحقيقة، وهي دالة مثلا على قدر ما تعانيه الشخصية بشكل عميق من المشاكل والخوف والقلق وأنها تعيش مطاردة بشكل دائم، ومثل هذه الصور كثيرة جدا، لكنها لا تهيمن بشكل كامل، بل تتفاعل مع لغة اليومي والمباشر والتداولي والحوار العادي والعامي فتكون ثمة مستويات عديدة متفاعلة في لغة الخطاب الروائي تجعله متنوعا بمثل تنوع الحياة وما فيها من تفاوت.

وفي الرواية كذلك توظيف بارع للصور والأغاني والموسيقى والتراث الشعبي والفنون والأطعمة والملابس بما يجعلنا أمام حياة متكاملة بكل أبعادها وبكل ما فيها من نبض وفي النهاية يكون المتلقي على قدر كبير من الاندماج والتماهي مع هذا العالم الروائي وتصديقه ومن ثم أيضا تأمله والتفكير فيه ومراجعة هذه التجربة الإنسانية المشحونة بالمفارقات والتحولات المصيرية، بين الصعود والهبوط واليوتوبيا التي تتحول إلى دستوبيا وبين الترقي والعزل والفصل والقتل والغدر والخيانة والوشاية وغيرها الكثير من القيم والمعاني التي تجعلنا أمام لوحة حياتية مشحونة بكثير من التناقضات والقيم المتصارعة.

مصدر الصورة: https://2u.pw/MB0nJ

أدب العشرون بعد المئة

عن الكاتب

محمد سليم شوشة

اترك تعليقاً