الزمن في السرد السينمائي

Avatar
كتب بواسطة محمد عطية محمود

-1-

حين نريد تقديم الأشياء فإن صورة واحدة تساوي ألف كلمة، وفيلم سينمائي واحد يعادل مليون كلمة[1]

تكمن أهمية كتاب “الزمن في السرد السينمائي[2] في طرحه لثنائية الزمن والسرد، لما لها من علاقة تكامل وترافد عميقة يعتمد عليها النص السينمائي بشقيه: المكتوب/ النص، والمرئي/ الفيلم الذي يعطي المتلقي/ المشاهد الصورة النهائية للنص السينمائي، سواءً كان مكتوبًا خصيصًا للسينما، أو ناتج معالجة روائية وقصصية/ سردية بالأساس. كما تكمن تلك الأهمية في ضرورة مواكبة الدراسات العربية لمثيلاتها الأجنبية التي قطعت شوطًا هائلًا في سبيل تأصيل هذا المفهوم للتطور من النمط التقليدي الكلاسيكي لمفهوم السرد السينمائي وعلاقته بالزمن: الماضي، والمتحرك، والمتقدم، والمتسارع، ومن ثم التقنيات الفنية؛ حيث تندر في هذا المجال الدراسات الوافية والمتواكبة التي تتناول السرد السينمائي وأشكاله في المكتبة العربية، إضافةً لتوكيد أهمية تأصيل المنهج العلمي المهم لتزويد دارسي وباحثي فن السينما، كإضافة، عملا على الاستفادة من تطور أشكال السرد السينمائي المختلفة، عبر مدارسه وتوجهاته الفكرية والفلسفية، وابتداعه تطورًا جماليًا في فن السينما، ما يشكل أيضًا أهميةً بالغةً لدراسة جماليات الفن السينمائي؛ فالسينما بالأساس، وكما تقول الباحثة:

فن يحاول إعادة خلق لحظة تلو الأخرى، والتي نجد أنفسنا نستطيع السيطرة عليها بطبع تلك اللحظات على شريط الفيلم، وهذا ما يحدده الوسيط السينمائي بشكل حاسم في اختلافه عن بقية الفنون الأخرى، هذه اللحظات المطبوعة على شريط الفيلم هي ما تشكل في النهاية الأسلوب السردي في الفيلم السينمائي بكل أشكال السرد المعروفة من سرد تقليدي إلى سرد معاصر[3]

ومن جهة أخرى تتعانق فكرة البناء الزمني بشكل السرد السينمائي في السينما المعاصرة، ومدى أهميته بالنسبة له كعنصر مكمل، بمعنى الدخول في غمار آلية تناول السينمائي المعاصر بنية الزمن في تشكيله لهذا التتابع للصور المرئية والمواقف التي تعبر عنها تلك الصور في الوقت ذاته، وماهية تلك الأشكال المعاصرة من السرد السينمائي، وكيفية ارتباط تلك الأشكال ببنية زمانية في فيلم ما، وبالتالي فإن الإشكالية تكمن في موقف السينمائي المعاصر من طريقة السرد الفيلمي والكيفية التي يتم بها تشكيل ذلك السرد – بحسب البحث – ما يعطي موضوع السرد السينمائي أهميته، كموضوع وكمصطلح يجري التعامل معه بآليات تختلف من حقبة زمنية إلى حقبة زمنية أخرى تتمثل فيها المعاصرة والحداثة، انتقالا من المرحلة الكلاسيكية القديمة وأنماط التعامل فيها مع تلك الآليات اللازمة لتطور فن السينما، حيث أن: “الأساس في تميز السينما المعاصرة في تناولها للموضوعات المختلفة عن السينما في الفترات السابقة، والتي ربما تناولت نفس تلك الموضوعات، ولكن ببناء سردي مغاير، ولذلك فإن أهمية البحث تكمن في أن الموضوع المطروح يتصل بصميم التفرد السينمائي المعاصر في ملامحه وتميزه عن أشكال السرد التقليدي والتي ربما نجد لها تكرارًا معاصرًا[4]

ومن خلال منهج علمي يتقصى البحث المكتبي، تتناول الباحثة موضوع الكتاب في ثلاثة فصول، يتناول الأول منها: “البنية الزمانية في الفيلم السينمائي”، والثاني: “السرد السينمائي المعاصر” (وهما ما نحاول عرضهما بالإيضاح والإشارة) فيما تنزع في القسم الأخير من الكتاب إلى التحليل التطبيقي لبعض النماذج المختارة من تلك الزاوية التي تجمع بين السرد والبناء الزمني، وتبدو فيها تلك السمات المشتركة التي تنضوي تحت هذا الجانب المهم من إشكاليات علاقة التقنيات السينمائية الراهنة.

“البنية الزمانية في الفيلم السينمائي”

إن جوهر السينما قائم على جدلية الوجود في الزمان والمكان؛ وبناءً عليه فإن مهمتنا الأولى هي محاولة إلقاء الضوء على هذين العنصرين المهمين جدًا، ليس في العمل السينمائي فحسب، وإنما في الوجود الإنساني بأسره[5]

من خلال هذا الطرح الذي تقدمه لنا الباحثة في مطلع معالجتها لعنصر الزمن في هذا الفصل، تبدو إشكالية وجود الزمن في تلك العلاقة الجدلية مع السرد السينمائي، بالغة الأهمية لما يجسده الزمن من عنصر انتقال بين تلك المشاهد التي تتري على وعي المشاهد، حال المشاهدة الفعلية، وهو ما يدفع روح البحث لتقصي عامل الزمن وتأصيله امتزاجًا مع كل التيارات العلمية والتاريخية التي تعاملت مع تلك الموضوعة بالغة الأهمية؛ حيث تنتقل الباحثة من التعرض للزمن كشريك أساسي في الوجود، ومحرك له وناقل، بدايةً من وجوده الأسطوري في الثقافة الإغريقية، وتأليهه؛ اعتقادًا في أن هذا التجسيد لإله الزمن عند الإغريق رمزًا يعبر عن قوة الزمن ومدى هيمنة تأثيره، كما تبين علاقة الزمن بتطور العقل الإنساني، وعلى قدراته وملكاته الإدراكية بتميزه عن كافة المخلوقات..

إشكالية الزمن

ورغم أن علم الفيزياء الحديث – بعد نيوتن – اكتشف أن الزمان طرفٌ أبديٌ في ثنائيات مطلقة مع المكان، أو أنه طرف في رباعية أطرافها الأخرى هي: المادة، والحركة، والمكان، باعتبار أنه يستحيل أن يوجد أحد هذه الأطراف دون وجود الآخرين، وأن وجود أحدها يعني حتمية وجود الآخرين أيضًا، ورغم ذلك فإن الزمان يظل إشكالية مستقلة في علم النفس والفلسفة وفروعها: فلسفات المعرفة، والعلم، والتاريخ[6]

لتخلص الباحثة بقولها، إلى حقيقة تغور عنصر الزمان واندياحه في كافة العلاقات الكونية والعلمية المتأثرة بها، والتاريخ كسلسلة زمانية متلاحقة مترابطة ومتراكبة بوعي إنساني قائم على استنزاف الزمان لكل العلاقات الفيزيائية المتغيرة، وبقائه شاهدًا على كل تلك التحولات، وانبعاثا من داخل النفس البشرية التي تسجل تاريخها وتاريخ أسلافها عبره، كما تسجل المشاهدات والصور والتخيلات القائمة في أذهان البشر، وهو العنصر الذي – بالتالي بحسب تعبير الباحثة – يسير حاملًا كل الأزمنة النفسية ذات الخاصية الواحدة، في مقابل عنصر الحلم الذي يعمل على تفكيك الأزمنة وتلاشيها، على اعتبار أن الزمن يُعد علامة أو إشارة دالة: “إن الزمن يُعتبر علامة، فهناك علامات تعبِّر عن الزمان إذا جعلناه عامل الربط الوحيد بين الأشياء المتنوعة مثل: الحياة، الموسيقى، الفكر، المشاعر، التاريخ، إذا تفحصنا كل هذه الأشياء وفهمناها نكون بذلك قد أدركنا جوهر الزمان وحقيقته، وإذا تركنا الزمن المجرد (الوجود) نأتي إلى الزمن المعيش والمحسوس المحكي، فنقول أن الزمن هو حياة، ولذلك فهو يعتبر تنظيما للأشياء والأحداث المتتابعة، إن الحياة ممكن أن تُعتبر حلمًا في شكلها المتواصل، والحلم شيء روحي بالغ الدقة له أحداث حرة بشكل متناقض[7]

-2-

الزمن والفن السينمائي

وهو ما ينطبق حاله، أو يصب إلى حد بعيد، في تقنيات العملية السينمائية التي تتعامل بتتابع اللقطات والمشاهد دلالة على مرور الزمن سواءً كان زمنًا تاريخيًا أو زمنيًا نفسيًا ضمنيًا يتناول الحركة النفسية داخل الشخوص والانتقال من مكان وزمان مختلفين إلى آخرين، لتتعدد الأزمنة وتتداخل وتتتابع لتصنع هذا المزيج مع تقنيات فن السينما وسرديته التي تميزه لما لها من تكوين معرفي ونفسي ومعبر عن الحالات الإنسانية المرتبطة، بداية من اللقطة السينمائية التي تتمحور حولها صناعة المشهد السينمائي، ومن ثم عملية التحول والتتالي وتدفق المقاطع عبر الزمن:

فاللقطة التي هي أصغر الوحدات اللغوية في فن السينما، والتي تحمل بداخلها معانٍ متعددة سواءً بمفردها أو بارتباطها بما تليها، هذه الخاصية هي جوهر عملية السرد السينمائي، حيث أنها تكتسب دلالتها الدرامية من الموضوع ككل، وأيضًا جمل الحوار فإن الكلمات تشير إلى الماضي أو المستقبل (كعناصر للزمان) إذن هي بذلك يكون لديها منطق أو فكرة تحدد لكل مشهد من خلال التتابع الزماني والمكاني بدون شك، فمن خلال تتابع المشاهد نتابع أيضًا مرور الأزمنة المختلفة[8]

هنا يبدو أثر اللقطة كمعادل لتثبيت الزمن لبيان أثره الوجودي والانفعالي لتلك الشخصية أو مجموعة الشخوص أو المشهد الدال الموحي، وكذا دور الحوار في إثراء الحالة الوجدانية الكاشفة لتأثرها بعنصر الزمن، ليتوكد دور الزمن من خلال تغلغله في الخلية السينمائية المكونة للعناصر التي تتراتب جميعا بفعل الزمن واختزاله بالداخل كخط سردي، وسري، غير مرئي يسري في تضاعبف العمل السينمائي، وهو ما يفرض إيقاعًا سرديًا متناغمًا ربما تدخلت فيه تقنيات السينما كالمونتاج والقطع والفلاش باك والعودة الخاطفة للمشهد الرئيس أو الانتقال إلى حقبة زمنية أخرى متسقة أو مغايرة، وللدخول في معايير مغايرة للواقع وللزمن الذي يعيش فيه الحدث الواقعي ليكون صورةً أو استنساخًا أو تعبيرًا رؤيويًا، ما يدخلنا في غمار زمن المشاهدة الذي يضطلع بالقيمة التقنية للفيلم/ المنتج السينمائي، كما يعرض لعنصر الثقافة التي يعرضها الفيلم تبعًا للمتغير القيمي الذي يحدثه أثر الزمان من تكوين معرفي جديد يصب في عملية الإدراك من خلال قفزات الزمن، وعليه فإن: “عملية الإدراك والتعرف على الفيلم السينمائي تأتي نتيجة اتساق علاقات النص السينمائي بالسياق الفيلمي، الذي تدور فيه الأحداث منتجًا زمنًا غير الموجود في النص، هو زمن المشاهدة بالطبع أو سياق زمني آخر هو زمن وقوع الأحداث المعروضة داخل العمل، وإدراك هذه التركيبة ليس بالسهل، وإنما مثلما نتأثر بمدى معرفة ودراسة كل ما هو مرتبط بهذه العملية الخاصة من الإدراك يدخل أيضا عنصر مهم جدًا وهو الثقافة الاجتماعية وعواملها المحيطة بكل أفراد المجتمع[9]

هكذا يبدو الإدراك مرتبطًا بمرور عنصر الزمن، وبالعملية التمثلية التي تقوم بها صناعة الفيلم على مستوى ارتباط الزمن بالسرد الفيلمي/ السينمائي الذي يقدم واقعًا موازيًا – كما قلنا – أو واقعًا متخيلًا ربما يجنح إلى ذهن الكاتب الدرامي للفيلم كعملية افتراضية تتسق إلى حد بعيد مع حالة الزمن الافتراضي الذي تشير إليه الباحثة من خلال قولها:

فكل الأحداث والوقائع التي نجدها داخل النص فهي بالضرورة تستغرق وقتًا، وهذا الوقت المستغرق هو زمن افتراضي ولكنه ضروري لخلق حالة التواصل داخل النص، وهذا يوضح لنا أن الزمن ضروري في هذه الحالة، ولكن هذه الضرورة يفرضها منطق العمل نفسه ومهم جدا من أجل تسلسل السرد، ويقوم السرد على عاملين أساسيين يكونانه: أولًا الأحداث والوقائع، وثانيًا الشخصيات والأشياء، ففي الأولى يظهر هذا أو يعني هنا الزمن المحسوس، ويأتي “الثاني” الشخصيات التي تحدد المكان، أي أن الأحداث تقدم خلال الزمان وتواليه والشخصيات والأشياء من خلال المكان وأبعاده[10]

هذه العملية التكاملية التي يقوم عليها بناء الزمن السردي بتفاصيله وعناصره المؤثرة، ونظرًا لأهمية دراسة الزمان والمكان كوحدة متصلة مع بعضها البعض بحيث لا يمكن بأي حال من الأحوال فصلهما أو التعامل مع أحدهما بمعزل عن الآخر، فكل شيء – بحسب البحث – موجود بارتباطه بالمكان والزمان، هذه الوشيجة النفسية التي يلعب من خلالها العنصر الزمني دورًا بالغ الخصوصية والتميز في عنصر السرد، بوجود عدة أوجه للزمن في السرد من خلال الحبكة التي تضطلع بترتيب الأحداث زمنيًا، وربما تكرارها، ارتباطا بالمضمون الذي تقدمه المادة الفيلمية.. وتقسم الباحثة للزمن داخل النص السينمائي إلى ثلاثة أزمنة: زمن القصة، وزمن الخطاب السردي (أي الحبكة، أو الطريقة التي تسرد بها الأحداث)، ثم زمن التلقي..

وبتوالي تلك الأزمنة، ما بين الانفتاح والانغلاق، يصبح زمن القصة مفتوحًا لا يعرف بداية ولا نهاية، أما زمن الخطاب فهو مغلق، حيث يبدأ من لحظة زمنية وينتهي مع لحظة زمنية[11]

المعرفة والوعي

تشير الباحثة في نهايات هذا الفصل إلى أن استيعاب وفهم الفيلم عادة ما يأتي بشكل مكتسب من خلال أجواء اجتماعية وثقافية تحيط بالمشاهد، فضلًا عن بعض القدرات الخاصة بإدراك الزمن وفهم علاقات الأسباب والنتائج للأفععال والأحداث، تلك الممارسات التي تأتي عبر مناخ ثقافي يعيشه الفرد داخل مجتمعه وبقياساته المعيارية التي تحدد مدى الاستيعاب لعمق العلاقات/ القضايا التي يطرحها الفيلم/ النص السينمائي، وتربط بين هذا الفهم متفاوت المستويات وبين عنصر الزمن وتنظيمه كعامل من عوامل التأثير والتأثر على مستوى التلقي الذي يمثل محورًا مهمًا من محاور اعتماد النص الروائي على تفسير ذاته بذاته، ومن خلال معيارية الثقافة المجتمعية والعامة للمشاهد/ المتلقي، وتخلص إلى أن:

فهم قصة الفيلم على كافة المستويات يتطلب الآتي: أولا فهم ماذا يحدث، ثم أين يحدث، ومتى يحدث، ولماذا يحدث؟.. كل هذا في ظل تنظيم الزمن وعلاقة السبب بالنتيجة، وعليه فعلى الفيلم أن يتبع في سرده هذه القواعد البنائية للمعرفة، والتي من خلالها يصبح الفيلم في حيز الإدراك لدى المتفرج، بانيًا على كل ذلك أفكاره المرتبطة بالفيلم[12]

وتشدد الباحثة على أهمية المعرفة والوعي لتوكيد العلاقة بين كل العناصر التي تقوم على خدمة السرد السينمائي لبلورته وتقديمه مع ارتباطه بها ارتباطًا وثيقًا يحدد ملامح تلك العلاقة واشتباكاتها الفاعلة لخدمة الفيلم السينمائي، إذ يتبين من كل ما مضى أهمية عنصر الزمن وتداخله بشكل مادي ونفسي ومعنوي في العملية السينمائية ولبلورة الحدث السينمائي من خلال طرائق سرده كنص، وكيفية تفاعله مع المتلقين/ المتفرجين الذين ربما فارقوا زمنهم النفسي الخاص لكي يتوحدوا مع الواقع السينمائي بزمنه النفسي والمادي الخاص خضوعًا للحكاية.

فالمعرفة والوعي بوجود الآخرين (المتفرجين) والقدرة على التوصيل كلها مُسخَّرة لتوصيل معلومات معينة من شأنها التأثير على كيفية استخدام الأسلوب ومعالجة الحبكة للزمان والمكان وعلاقتهم بمنطق السرد، حتى يستطيع المتفرج أن يجد لنفسه سياقًا معينًا مرتبطًا بالفيلم[13]

-3-

“السرد السينمائي المعاصر”

تلج الباحثة في هذا المبحث، عالم السرد السينمائي المعاصر، والأشكال المختلفة للزمن في السرد، حيث تتجه لدراسة هذه الإشكالية من خلال نماذج من بلدان مختلفة، مع عرض مختلف العناصر المشتركة بين تلك الأفلام والمرتبطة بعملية السرد والزمن وأشكالهما، في كل من: الولايات المتحدة الأمريكية، وإيطاليا وفرنسا (باعتبارهما أهم بلاد أوروبا الغربية في نشأة وتطور الفن السينمائي سواء الواقعية الإيطالية أو الموجة الجديدة في فرنسا) وكذلك اليابان، وتعاملها مع قضايا السرد والزمن وأهم أفلام السينما اليابانية، دون إغفال للدور الذي تلعبه أوروبا الشرقية وألمانيا وتشيكوسلوفاكيا والمجر والسويد والدنمارك، وارتباط الفن السينمائي مع الأدب والمناخ السياسي والاجتماعي والاقتصادي خاصة بعد الحرب العالمية الثانية التي كانت – بحسب الباحثة – هي نقطة البداية والتطور للأشكال التقليدية من السرد السينمائي على اعتبار أن الحرب أصابت الأفراد والحكومات بصدمة شديدة مما أحدث تغيرًا جذريًا في كافة مناحي الحياة وطريقة التفكير والتوجهات المختلفة:

وهذه حقيقة أصبحنا نعرفها جميعًا، وهي أن مشاهد الفن السينمائي أصبح مقتنعًا جدًا بأن ما يراه أمامه من صور هو نسخ لعالم مذهل من الأفكار والأشخاص والأماكن والأزمنة والضوضاء اللانهائي، حتى أن مولد هذا الفن السينمائي أدى إلى تغير هائل في أسلوب القراءة البصرية لدى المشاهد. لقد أوجدت السينما متفرجًا مختلفًا على استعداد لتلقي العديد من الصور المتلاحقة أمامه مما يجعله – أي المتفرج – في حالة صدمة مستمرة مما يراه[14]

الحداثة وما بعد الحداثة

مما سبق يبدو لنا تغير علاقة الإنسان بالعالم المتغير، ولم يعد من قبيل المستطاع أن يتم رصد هذه العلاقة والتعبير عنها بالأساليب التقليدية والتقنية البسيطة، فجاء التحول التقني بأساليب جديدة وحديثة سبقت بها السينما بقية الفنون الأخرى، بحسب تعبير الباحثة التي تبحر في تيار الحداثة الذي أتى في أعقاب الحرب العالمية الثانية من خلال عدة أجيال، ومثلها في نزعتها الأولى: “برسيون” في فرنسا، و”روسيليني” في إيطاليا، وهي مرحلة همزة وصل بين الكلاسيكية والحداثة، فيما اتجه الجيل الثاني منذ بداية ستينات القرن العشرين متثلا في أنتونيوني، وبازوليني، وفيلليني في إيطاليا، ثم مخرجو الموجة الجديدة في فرنسا: جان لوك جودار، وتريفو، ولويس مركيز، ورينيه كلير، ومعهم أوشيما الياباني، في جاء الجيل الثالث في أوائل السبعييات، ممثلا في موريتي “إيطاليا”، ستروب “فرنسا”، وندر وفاسبندر “ألمانيا” وهو مؤشر بسيط عن الحداثة ومدى التطور في السرد السينمائي، لتختفي تلك الموجات من الحداثة فيما بعد بالسبعينات لتظهر الكلاسيكية الحديثة أو ما بعد الحداثة، نتيجة لعدة أسباب منها

جاء فكر الحداثة معبرًا عن عدم الفهم وضياع المعنى الواقع وفقدان أهمية الأشياء، فإنتاج أفلام سينما الحداثة لم يعد موجهًا لنفس الجمهور الذي كان يتلقى السينما التقليدية. إنها سينما تدمر الثوابت أمام المتفرج وتكسر حدود المكان، كما أنها تدمر الزمن المنطقي وربما تستبدله بآخر، فالشخصية الإنسانية في سينما الحداثة هي شخصية فاقدة للقدرة على التواصل مع العالم، إنها دائمًا شخصية مأزومة تتأمل الواقع المحيط مع عدم مقدرتها الدخول إليه أو أن تؤثر عليه، مثل شخصية البطل في فيلم “8” لفيلليني، أو البطلة في فيلم “الاختفاء” لأنطونيوني، فالزمن لا يسير في خط متصل[15]  

تشير الباحثة إلى أن سينما ما بعد الحداثة لا تتخذ التعبير عن الواقع هدفًا لها، ولكنها استبدلت به مبدأ خلق عالم من الصور مرتبط بنوع من الثقافة الجديدة التي تغرق المتفرج في طوفان من الرسائل المصورة، والذي لم يكن من السهل  تقديمه وإظهاره في السينما بشكل محدد، حتى المصطلحات المستخدمة فيها الكلاسيكي والحداثي قد استخدمت بطريقة مختصرة ومحددة، ولكنها ليست نهائية لأنها من الممكن أن تؤثر بالسلب في شكل الفن السينمائي قريب العهد، كما تقول: “يبدو أن كثيرًا من الموضوعات الحالية لما بعد الحداثة سواء ملامح الأسلوب أو القص تسمى ما بعد الحداثة مثل الوعي السردي الذاتي وتكافؤ الفرص التي أصبحت حاضرة في الثقافة المعاصرة، إلا أنها كانت موجودة منذ البداية كجزء من الانفصال الحداثي عن السرد الكلاسيكي، وانتهى هذا الانفصال في الخمسينيات، وكان أغلبه من ابتكارات الحداثة الجديدة[16]

موضحة استخدام السينما لأساليب السرد المختلفة واللعب بالكاميرا، وتدمير شكل الحداثة الرفيعة، والأشكال الخاصة بحركة الوعي داخل الشخصيات الدرامية، كل ذلك من خلال ارتباط الواقع بالفعل في السينما، عن طريق ارتباطه بخواص الوسيط السينمائي، كما في تجارب الإخراج المبتكر لأفلام “رينوار”، وحرفيتها العالمية في ارتباط الحداثة بالموجة الجديدة الفرنسية في حقبة الستينيات، وذلك من خلال تحليل الباحثة لعدد من الأفلام التي تبين دور وأهمية السرد وأشكاله في السينما الحديثة أو المعاصرة، والتي كان لها تأثير هائل على ما بني عليها في حقبتي الستسنيات والسبعينيات قبل دخول تيار ما بعد الحداثة، والأفلام هي: “المواطن كين” لأورسون ويلز 1942م – “راشمون” لأكيرا كوروساوا 1950م – “تعيش حياتها” لجان لوك جودار 1952م – “الفراولة البرية” لإنجمار برجمان 1957م – “هيروشيما حبيبتي” لآلان رينيه 1959م – “المرآة” لأندريه تاركوفسكي 1975م”؛ لتغطي السينما الغربية الأوروبية والولايات المتحدة وأوروبا الشرقية واليابان، وهي الخريطة الأولية التي يرسمها البحث لتطور مسيرة السينما العالمية حيث تتباين طرق المعالجة ومدى التفاعل بين عنصري السرد السينمائي والزمن بجميع أنواعه وتقنياته ومراحله الأولى، مما يؤكد لدى الباحثة أهمية هذا الفن السينمائي وروعته وتأثيره على الجماهير الغفيرة، مع ما تم رصده من نواحي تطور فني اجتازه الفن السينمائي، من خلال هذا الرصد والتحليل للنماذج:

بداية من الأفكار وأساليب العرض المختلفة وخصائص التركيب والمونتاج والسرد والزمان والمكان وعلاقته بالفلسفة وعلم النفس والآداب“..

التطور والمواكبة

كما تعرج الباحثة على أهمية التطور التكنولوجي وتأثيره على السرد السينمائي الحديث، ودوره البالغ في إحياء الفن السينمائي بما يمده من وعي تكنولوجي وأدوات تعمل على تيسير تقديم المادة الفيلمية في أبهى وأنصع صورها مع ازدياد الإمكانيات الهائلة:”وفي النهاية نستطيع أن نرى كيف أن التقنية والثقافة الرقمية كان لها أثر قوي على صناعة الأفلام وطريقة السرد وكيف أنها تدفع إلى آفاق جديدة، إن ما رأيناه حاليًا من التطور التقني للأفلام المنتجة بالكمبيوتر يؤكد أنها البداية الفعلية لهذا الشكل الفني الجديد الملفت للنظر لمراحل جديدة من الخلق الفني[17]

  مع الوضع في الاعتبار، التخلي عن المفاهيم القديمة التي كانت تنظر إلى المكان والزمان كأجزاء غير نسبية ومستقلة بنائيًا، وقد ابتكرت لها مرادفات فنية في أعمال السينما الحديثة بشكل أكبر، فالسينما – بحسب تعبير الباحثة – لديها المقدرة على اللعب بالزمن، وتوقيفه، وتكثيفه، وعكسه، وتخطيه، وتداخله، وكذا المقدرة على تحريف المكان والزمان داخل كل لقطة عن طريق تقنية “الاسترجاع” (الفلاش باك) أو “الاستباق” (فلاش فورورد)، كما في فيلم الساعاتTHE HOURS  الدرامي الصادر في المملكة المتحدة والولايات المتحدة سنة 2002، للمخرج ستيفن دالدري.

كما تعرج الباحثة في هذا المضمار للتطور على محاولات السينما المصرية قديمًا وحديثًا في تناولها للبناء الزمني للسرد السينمائي، وذلك من خلال أفلام: “الليلة الأخيرة” لكمال الشيخ 1964م، “الاختيار” ليوسف شاهين 1971م، “المذنبون” لسعيد مرزوق 1976م، ودورها بالغ التأثير على مستوى الشكل في السرد السينمائي الحديث، من حيث الاهتمام بالتطوير والتجديد، فهم يمثلون نقلة نوعية وفنية عالية المستوى انفصلت تمامًا عما سبقها من نزعات الهروب من الشكل التقليدي للسرد السينمائي العربي ولعبته المتلازمة مع الزمن، تلك التي استمرت بشكل مثير للإعجاب مع يوسف شاهين في أعماله التالية للاختيار، وتذكر منها الباحثة فيلم “حدوتة مصرية” عام 1982م، والذي تتعرض له بالبحث ضمن مجموعة من الأفلام التي تُعد نموذجًا لإشكالية البناء الزمني في السرد السينمائي الحديث، كما تعرج على تجارب إعادة الإحياء لتطوير إنتاج أفلام سينمائية مصرية على مستوى شكل السرد السينمائي في القرن الحادي والعشرين؛ كثمرة للتطور والاستفادة من كل ما سبق، ومن أمثلتها: “أحلام حقيقية” لمحمد جمعة 2007م، “زي النهاردة” لعمرو سلامة 2008م، “بدل فاقد” أحمد علاء الديب 2009م، وغيرها من الأفلام الصاعدة بقوة لنجوم يحتلون المشهد السينمائي المصري والعربي.


[1]  أ.د. يحيى عزمي، مقالة بعنوان (السينما وإشكالية اللغة) ص 147 ـ سلسلة أوراق فلسفية العدد 15 كتاب غير دوري علمية محكمة.

[2]  الزمن في السرد السينمائي – د. سعاد شوقي – سلسلة آفاق السينما – العدد 91 – الهيئة االمصرية لعامة لقصور الثقافة – الطبعة الأولى 2016

[3]  الكتاب ص10

[4]  الكتاب ص13

[5]  الكتاب ص27

[6]  الكتاب ص28

[7]  الكتاب ص33

[8]  الكتاب ص37

[9]  الكتاب ص39

[10]  الكتاب ص47

[11]  الكتاب ص56

[12]  الكتاب ص71

[13]  الكتاب ص74

[14]  الكتاب ص84

[15]  الكتاب ص85/86

16 الكتاب ص88

[17]  الكتاب ص117

أدب العدد الأخير العشرون بعد المئة سينما وأفلام

عن الكاتب

Avatar

محمد عطية محمود