الحداثة وأزمتها في فكر آلان دو بونوا

كتب بواسطة ياسين عاشور

يُعدُّ المفكّر الفرنسي آلان دو بونوا (1943-) أحد أبرز منظّري “اليمين الجديد” في أوروبّا المعاصرة وصار من أبرز مراجع التيّارات السّياسيّة المحافظة والتّقليدانيّة. تأثّر بفلاسفة ومفكّرين شتّى أهمّهم منظّري “الثورة المحافظة” مثل أوزفالد شبنجلر (1880-1936) وإدغار يوليوس يونغ (1894-1934) وكارل شميت (1888-1985) وغيرهم. ترتكز أعماله الفكريّة على مراجعة سرديّة الحداثة ونقد مقولاتها ومرتكزاتها بطريقة جذريّة. سنحاول في هذا المقال أن نقدّم عرضًا موجزًا لأهمّ أفكاره حول الحداثة وأزمتها كما بسطها في كتابه المعنون “بيانٌ من أجل نهضة أوروبيّة”[1].

  1. مرتكزات الحداثة

يعرّف دو بونوا الحداثة بما هي دالّةٌ على الحركة السياسيّة والفلسفيّة للقرون الثلاثة الأخيرة من التاريخ الغربي. وهي تتميّز في المقام الأوّل بخمس عمليّات متظافرة ومتشابكة: الفردنة (Individualisation)، من خلال تدمير الأشكال القديمة للحياة الجماعيّة، والتحشيد (Massification)، من خلال تبنّي سلوك وأساليب حياة منمّطة، ونزع القداسة (Désacralisation)، من خلال الاستعاضة عن السرديات الدينيّة الكبرى بتفسير علمي للعالم، والعقلنة (Rationalisation)، من خلال هيمنة العقل الأداتي والسّوق الحرّة والنّجاعة التقنيّة، والكوننة (Universalisation)، من خلال الامتداد الكوكبي للنموذج المجتمعي المسلّم ضمنيًا بأنّه أصوب الممكنات وبالتالي أكثرها رفعةً وتفوّقًا.

إنّ لهذه الحركة حسب دو بونوا جذورًا ضاربة في القِدم. وهي تمثّل في معظم جوانبها علمنةً لأفكار ومنظورات مستعارة من الميتافيزيقا المسيحيّة، تلك التي تغلغلت في الحياة العلمانيّة بعد تجريدها من أيّ بعد متعالٍ. فهو يرى أنّ المسيحيّة تحمل بذور الطّفرات العظيمة التي ولّدت الإيديولوجيات العلمانيّة الرّئيسة. إنّ الفردانيّة (Individualism) حاضرةٌ بعدُ في مفهوم الخلاص الفردي وفي العلاقة الحميمة والمتميّزة التي تجمع الفرد بالإله متجاوزةً أية علاقة أرضيّة. والمساواتيّة (Egalitarianism) متجذّرة في فكرة أنّ الفداء متاحٌ للبشريّة جمعاء بشكل متساوٍ، ذلك أنّ الجميع يتمتّعون بروح مفردة مطلقة القيمة ويتشارك في حيازتها النّاس جميعهم. ووُلدت التقدّميّة (Progressivism) من الفكرة القائلة إنّ للتاريخ بدايةً مطلقةً ونهايةً ضروريّة، وإنّه ينكشف عالميًا وفقًا لخطّة إلهيّة. أمّا الكونيّة (Universalism) فهي التعبير الطّبيعي لدين يزعم أنّه يُظهر حقيقة موحى بها صالحة للنّاس جميعهم وتدعوهم إلى الهداية. إنّ الحياة السياسيّة الحديثة نفسها مؤسّسة على تصوّرات لاهوتيّة معلمنة. يرى دو بونوا أنّ المسيحيّة صارت اليوم من دون قصد ضحيّةً للحركة التي انبثقت من رحمها، وصارت في تاريخ الغرب، دين الخروج من الدّين وفق تسمية السوسيولوجي الفرنسي مارسيل غوشيه[2].

يعدّ دو بونوا المدارس الفلسفيّة المنتسبة إلى الحداثة متّفقةٌ على مسألة وحيدة مفادها أنّ حلَّ المشكلات الاجتماعيّة والأخلاقيّة والسياسيّة جميعها لا يمكن أن يتّخذ إلّا صيغة واحدة قابلة للتعميم على البشريّة جمعاء. يتمّ فهم الإنسانيّة وفق هذا المنظور الشموليّ باعتبارها جملةً من الأفراد العقلانيين المدعوين إلى تحقيق وحدتهم في التاريخ وذلك لاعتبارات شتّى مثل المصلحة الذاتيّة والاقتناع الأخلاقي والصحبة والألفة وحتّى الخوف. يصبح تنوّع العالم من هذا المنظور عقبةً، ويُنظر إلى الأمور التي تميّز النّاس وتصنع اختلافهم باعتبارها أمورًا عرضيّة وطارئة وعتيقة وخطرة حتّى. إلى الحدّ الذي لا تكون فيه الحداثة مجموعةً من الأفكار فحسب، بل تمثّل أيضًا أسلوب فعلٍ، فهي تحاول بكلّ الوسائل المتاحة اقتلاع الأفراد من جماعاتهم الأصليّة ليتمّ إخضاعهم إلى نمط كونيّ من الاجتماع والتّرابط. وقد مثّل السّوق من الناحية العمليّة أكثر الوسائل نجاعةً لتحقيق ذلك.

  1. أزمة الحداثة

يهيمن التوق إلى الحريّة والمساواة على خطاب الحداثة وصورتها الدّعائيّة. يرى دو بونوا أنّ هاتين القيمتين الرّئيستين قد تعرّضتا للخيانة. فبعد عزل الأفراد عن جماعاتهم العضويّة التي تحميهم وتمنحهم معنى وجودهم وصورته، صاروا الآن خاضعين إلى مثل هذه الآليّة الهائلة للهيمنة والقرار حيث تظلّ حريّتهم شكليّة بحتة. إنّهم يكابدون القوّة العالميّة للسّوق والعلوم التقنيّة والاتّصالات دون أن يكونوا قادرين على التأثير على مسارهم. لقد فشل وعد المساواة لسببين: لقد خذلتها الشيوعيّة من خلال إقامة أكثر الأنظمة الشموليّة خطورةً في التاريخ، وبخستها الرأسماليّة عبر شرعنة أبشع التفاوتات الاجتماعيّة والاقتصاديّة باسم المساواة. تنادي الحداثة بالحقوق دون توفير وسيلة لممارستها بأي شكل من الأشكال. إنّها تفاقم الاحتياجات الموجودة وتخلق أخرى جديدة بشكل مستمرّ، حيث تُمكّن أقليّة صغرى من تحقيقها ممّا يُغذّي الإحباط والغضب في أنفس الأغلبيّة العاجزة عن تحقيق الاحتياجات المتزايدة.

 ينطبق الأمر نفسه على إيديولوجيا التقدّم، التي تستثير تطلّعات الإنسان من خلال تغذية الوعد بعالم دائم التّحسّن، فهي تعيش أزمة عميقة. ذلك أنّ المستقبل غير قابل للتنبؤ به، ولم يعد يمنح الأمل، ويُرهب الجميع تقريبًا. يجابه كلّ جيل عالمًا مختلفًا عن العالم الذي عرفه آباؤه بسبب التحوّلات المتسارعة لأنماط الحياة وسياقات العيش. لا ينتج هذا التّجدّد المستمرّ القائم على تسفيه الآباء والخبرات القديمة السّعادة بل البؤس.

ينظر دو بونوا إلى مقولة “نهاية الإيديولوجيا”[3] باعتبارها إشارة إلى الاستنزاف التّاريخي للسرديات التحشيديّة الكبرى التي صارت متجسّدة في اللّيبراليّة والاشتراكيّة والشّيوعيّة والقوميّة والفاشيّة وأخيرًا النّازيّة. لقد دقّ القرن العشرون ناقوس الموت لمعظم هذه العقائد التي تجسّدت ثمارها في الإبادة الجماعيّة والتطهير العرقي والقتل الجماعي والحروب الشاملة بين الأمم والتّنافس المحموم الدّائم بين الأفراد والكوارث الإيكولوجيّة والفوضى الاجتماعيّة وفقدان المراجع المهمّة كلّها. أدّى تدمير عالم الحياة لصالح العقل الأداتي والنمو الاقتصادي والتطور المادي إلى إفقار الروح بشكل غير مسبوق، وتعميم القلق المرتبط بالعيش في حاضر متردّد وفي عالم مجرّد من الماضي والمستقبل معًا. هكذا ولّدت الحداثة أكثر الحضارات التي عرفها البشر خواءً: صارت لغة الدّعاية باراديغم الخطاب الاجتماعي كلّه، وفرضت أولويّة المال انتشار السّلع في كلّ مكان، واستحال الإنسان موضوع تبادل في سياق متعويّة (Hedonism) رخيصة، أوقعت التكنولوجيا الحياة في شبكة من العقلانيّة وصار العالم زاخرًا بالجنوح والعنف والفظاظة، حيث يكون الإنسان في حرب ضدّ نفسه وفي مواجهة الجميع، إنّه عالم غير حقيقي يضجّ بالمخدّرات والواقع الافتراضي والرياضات المضخّمة إعلاميًا، حيث يُهجر الرّيف ويُستعاض عنه بضواح غير صالحة للعيش ومدن كبرى رهيبة، وحيث ينضمّ الفرد المنعزل  في حشدٍ غُفل وعدواني. في حين تصبح الرّوابط الاجتماعيّة والسياسيّة والثقافيّة والدينيّة التقليديّة مرتبكة ومشوّهة على نحو متزايد.

يجزم دو بونوا بأنّ هذه الأزمة العامة علامة على اقتراب الحداثة من نهايتها حين أوشكت اليوطوبيا الكونيّة التي رسّختها على أن تصبح واقعًا يتّخذ شكل العولمة اللّيبراليّة. تمثّل نهاية القرن العشرين نهاية الأزمنة الحديثة وبداية حقبة ما بعد الحداثة التي تتميّز بجملة من الثيمات الجديدة: الانشغال بالإيكولوجيا والانهمام بجودة الحياة ودور “القبائل” و”الشبكات” وإحياء الجماعات العضويّة وتكاثر الصّراعات المحلية والدولية وعودة العنف الاجتماعي وأفول الديانات القائمة والمعارضة المتصاعدة للنخبوية الاجتماعية…

 يرى دو بونوا أنّه لم يعد للحداثة أيّ جديد لقوله خاصّة في ظلّ تنامي قلق المجتمعات المعاصرة وارتباكها وريبتها، وقد انحصر دور وكلاء الإيديولوجيا المهيمنة في استعمال الخطاب الدّعائي المبتذل الشائع إعلاميًّا في عالم مهدّد بالانفجار الدّاخلي (Implosion) وليس بالانفجار الخارجي (Explosion)، لأنّ الحداثة لن تأفل مرّة واحدة ونهائيّة، بل ستعرف انحلالا تدريجيًّا وانفجارات داخليّة عبر انبثاق مساحات سياديّة متحرّرة من سلطتها.  لن تُتجاوز الحداثة من خلال العودة إلى الماضي، بل من خلال استعادة بعض القيم ما قبل الحديثة وتنشيطها على نحوٍ ما بعد حديث. لن يتمّ استئصال اللّا معيارية والعدميّة المعاصرة إلّا من خلال إعادة هيكلة جذريّة وترتيب جديد لعلاقتنا بالعالم.


[1]  Alain de Benoist and Charles Champetier, Manifesto for a European Renaissance, ARKTOS, London (2012).

[2] Marcel Gauchet, Le Désenchantement du monde. Une histoire politique de la religion, Gallimard, Paris (1985).

[3] Daniel Bell, The End of Ideology: On the Exhaustion of Political Ideas in the Fifties, The Free Press, New York (1960).

أدب العدد الأخير العشرون بعد المئة ثقافة وفكر

عن الكاتب

ياسين عاشور

اترك تعليقاً