الاعتراف والاحتجاج Recognition & Protest

بقلم: أندرو هيامز Andrew Hyams [1]

ترجمة: علي الرواحي

المصدر: https://philosophynow.org/issues/144/Recognition_and_Protest

طوال العقد الماضي، ملأت حركات الاحتجاج الاجتماعي شاشات التلفزيون ونشرات الأخبار لدينا. من الربيع العربي إلى الذين احتلوا وول ستريت، إلى السترات الصفراء، والاحتجاجات ضد الانقراضExtinction Rebellion، والمسيرات النسائية، حتى حياة السود مهمة، حيث أن قوة الناس وحيويتهم ما زالت حية وفاعلة كما كانت دائما.

 مع الأسف لا يزال الأمر مثيرًا للجدل أكثر من أي وقت مضى، كما أظهرت ضجة وسائل الإعلام بشأن إسقاط التماثيل في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة. وهذا يسلط الضوء على ضعف التقدير من قبل العديد من المعلقين لدوافع الاحتجاج الاجتماعي. إذا أردنا الحصول على فهم ناضج للحركات الاجتماعية، يجب علينا أولاً أن ننظر في وجهات نظر المُحتجين. التفسير الفلسفي للحركات الاجتماعية الذي يمكن اللجوء إليه بالضبط هو نظرية الاعتراف لأكسيل هونيث Axel Honneth، التي تم تطويرها في الأصل في التسعينيات. كان هونيث (مواليد 1949)، وهو فيلسوف اجتماعي ألماني، يتفاعل مع تفسير ماركسي كان مهيمناً على المجال الأكاديمي لفهم الصراعات في الفترة الماضية، والذي قلل من فاعلية المحتجين من خلال الادعاء بأن نشاطهم كان محدداً مسبقاً بواسطة عوامل اقتصادية واجتماعية. سعى هونيث إلى نظرية جديدة أعطت صوتاً مناسباً للأفراد، معترفاً بمشاعرهم وآمالهم. وللقيام بذلك عاد إلى مفهوم القرن الثامن عشر من خلال هيجلHegel الذي كان بدوره مستوحى من فيختهFichte المعروف باسم الاعتراف المتبادل “mutual recognition”. يعتقد فيخته وهيجل أن زيادة وعي الإنسان بالذات هي أننا نتعرف على بعضنا البعض على أننا أحرار. تقول النظرية أنه لا يمكننا أن نصبح أحراراً حقاً إلا إذا أدركنا أن الآخرين أحراراً أيضاً، وجعلناهم يعترفون بنا مرة أخرى أيضاً.

رأى هونيث في هذه الفكرة إمكانية توجه جديد للحركات الاجتماعية. لكن أولاً، استخدم التحليل النفسي لجورج هربرت ميدMead، وذلك لدعم تحليل هيجل علمياً، حيث قادته دراسات ميد للأطفال إلى استنتاج أن الرضيع يكتسب فهماً عملياً جيداً لنفسه فقط من خلال التفاعل مع الآخرين.  استخدم هونيث هذه البصيرة النفسية لتحديث مفهوم هيغل الفلسفي للاعتراف المتبادل، وبالتالي وضع نظرية للحركات الاجتماعية أعادت أهمية الأفراد المشاركين.

فعل ذلك لأول مرة في كتابه الصادر عام 1992م بعنوان النّضال من أجل الاعتراف: القواعد الأخلاقية للنزاعات الاجتماعية، حيث يُفصل فيه ثلاثة أشكال من الاعتراف يمكن منحها لشخص ما، وثلاث قيم أو سمات مقابلة يسمح هذا الاعتراف من قِبَل الآخرين للناس بالتعرف على أنفسهم. هذه الأشكال في المرحلة الأولى “الحب”، حيث ينشأ في الأصل في عائلتك ويوفر الثقة بالنفس الوجودية الأساسية؛ في المرحلة الثانية يأتي “الاعتراف القانوني”، الممنوح من قبل الدولة ونظامها القانوني، ويمنحك احترام الذات بقدر ما تكون مشاركاً على قدم المساواة في العملية القانونية؛ ويأتي ثالثاً “التضامن”، وهو نوع من احترام الذات الذي يأتي من رؤية نفسك ذا قيمة اجتماعية. فهو يعتقد أن تحقيق الأشكال الثلاثة للاعتراف الاجتماعي ضروري للحرية الحقيقية. وفقاً لرؤية هونيث فإن الحرمان من الاعتراف بأي من هذه الطرق -على سبيل المثال، استبعادك من النظام القانوني، أو عدم اندماج الفرد باعتباره عديم القيمة الاجتماعية، هو مصدر الدافع للنضال الاجتماعي. كما يثير الشعور بعدم الاحترام الفردي والإنكار توقعات الفرد، والتي تستند إلى التجارب السابقة للتقدير الذاتي أو تقدير الآخرين. ينشأ الدافع للحركة الاجتماعية عندما يبدأ فهم نوع معين من عدم الاحترام على أنه مشترك بين مجموعة. وهذا بدوره يؤدي إلى مفهوم مشترك لما سيبدو عليه المجتمع المستقبلي الذي يقدم الاعتراف، كما أن الفجوة بين هذا النموذج والواقع تغذي الاحتجاج الاجتماعي. بالنسبة إلى هونيث، سيكون هذا هو الأساس التي تقوم عليها حركات اجتماعية مثل مسيرات النساء أو حياة السود مهمة.

تكمن قوة نظرية الاعتراف لدى هونيث في الدور الذي تمنحه لأولئك المشاركين فعلياً في النضالات الاجتماعية. لم يعد يُنظر إلى أفعالهم على أنها تقتضيها الظروف الاقتصادية أو الاجتماعية، ولكن بدلاً من ذلك على أنها ناشئة عن تجاربهم ومشاعرهم.

لا يوجد مكان يتجلى فيه قلق هونيث بشأن فاعلية المتظاهرين أكثر من رفضه تحديد أهدافهم لها. هذا جزء من فلسفته. إن ما يشكل مجتمعاً ما، يوفره الاعتراف الذي هو غامض بطبيعته في نظريته، لأن الصفات والسمات وأنماط الحياة التي تُعدّ ذات قيمة اجتماعية أو ضرورية لتضمينها في النظام القانوني مفتوحة لإعادة التفسير المستمر والمتضارب. في الواقع بالنسبة لهونيث، سوف تصطدم المجموعات الاجتماعية عندما يحاول كل منهم تأسيس مفهومه الخاص عن المستقبل الجيد وجعله قاعدة. لكن هذا يعني أن المجموعات الاجتماعية التي تشارك في الاحتجاج يجب أن تحدد مفهومها المشترك لما يتكون منه العالم الذي يجلب الاعتراف الاجتماعي المناسب لهم. حيث أن ذلك ليس من اختصاص فيلسوف أو خبير إعلامي يخبرهم بذلك. لذا فبدلاً من توجيه الناس حول كيف يبدو المجتمع الجيد، يجب أن نترك الأمر لأولئك الذين يكافحون من أجل الاعتراف بهم لتحديد غاياتهم، طالما أنهم لا يرغبون في رفض الاعتراف بأي شخص آخر. حيث من المفترض أن هذا هو السبب وراء ابتعاد هونيث نفسه دائماً عن التدخلات السياسية المعينة.

نظرية الاعتراف لدى هونيث ليست مثالية. فالتظاهر بكونها نظرية متأصلة في العلم ليس متماسك، كما يفتقر إلى تفسير لكيفية قيام المؤسسات، على عكس الأفراد، أيضاً بتقديم أو رفض الاعتراف الذي يمكن القول إنه عنصر حاسم في أي نظرية اعتراف لتشريح التحيز المنهجي. كما أنه من الصعب في المقابل جعل نظرية الاعتراف مناسبة للاحتجاجات التي تشمل مجموعات متضاربة لا تعد ولا تحصى مثل تلك التي اتحدت ضد القادة الاستبداديين.

 ومع ذلك، يذكرنا هونيث بأن نضع دائما المتأثرين والمحتجين أولاً. هذا درس حاسم وملائم في توقيته. في هذا السياق، وصف دونالد ترامب حركة حياة السود مهُمة بأنها “رمز للكراهية”. في بريطانيا كما في الولايات المتحدة، يصل السياسيون ووسائل الإعلام بسرعة كبيرة إلى مفردات مثل “الشغب” و “البلطجة” عند مناقشة أولئك المنخرطين في النضال الاجتماعي. والكثير منا ممن يعدون أنفسهم “مستيقظين أو على وعي” يقعون بسهولة في انتقاد مطالب المحتجين. ربما إذا كان لدينا تقدير مشترك جيد للدوافع التي تُحرك الحركات الاجتماعية، وأعطينا الأولوية لأولئك الأفراد ولما يعتمل في قلوبهم، فسنكون أكثر قدرة على التصرف وفقاً للمطالب الصحيحة من أجل التغيير الاجتماعي الهادف والاعتراف. في عام 2021م، نحتاج إلى هذا التوجه المشترك لتجنب التعاطف مع أولئك الذين يتخذون موقفاً كهذا أكثر من أي وقت مضى.


[1] أندرو هيامز مستشار حملات سياسية. وهو حاصل على درجة الماجستير في تاريخ الفكر السياسي والتاريخ الفكري من جامعة  Queen Mary من جامعة لندن.

مصدر الصورة: https://2u.pw/gNngB

العدد الأخير العشرون بعد المئة ترجمات

عن الكاتب

علي بن سليمان الرواحي

كاتب وباحث عماني

اترك تعليقاً