من يوميات سورين كيركجارد

كتب بواسطة أحمد الزناتي

تمهيد

تقدم يوميات الفيلسوف واللاهوتي الوجودي الكبير سورين كيركجارد مـدخلًا سهلًا لفهم عالمه. وفقًا لكتاب The Diary of Soren Kierkegaard، الصادر سنة 1960 بتحرير وتقديم بيتر برايسلر روده، كانت يوميات كيركجارد تؤدي مهمة ذات طابع خاص. فقد ساعدته من ناحية على التنفيس المباشر عن عواطفه المكبوتة المضطرمة بداخله بشكل أكثر نموًا وعنفًا من غيره بسبب طبيعته الفطرية المتحفظة إلى أقصى حدودها وبسبب عجزه عن الوثوق بالآخـرين، وكذلك بسبب تخفّيه وراء أسماء مستعارة رفضًا منه الوثوق بأي شخص يؤتَمن على ذاته. ومـردّ ذلك أن الإنسان لا ينبغي له أن يلقّن الناس أفكاره تلقينًا مباشرًا، بل أن يحذو حذو سقراط، بحيث لا يقع القُرّاء في قبضة تأثيره المباشر، بل أن يُستدرجوا إلى التفكير الذاتي المستقلّ. ومن ناحية أخرى ساعدت اليوميات كيركجارد على الإفصاح عن ذاتـه بتـروٍ شديد والتعبير عن آرائه دونما إطناب غير مُبرر. وبرغم طبيعته المنعزلة المتحفظة في مسألة التعامل المباشر مع الناس والإفصاح عن مشاعره، تقدمّ لنا اليوميات مدخلًا، ففيها يـعبّر كيركجارد عما كان يجول بخاطره تعبيرًا أيسر وأوضح مما كان يفعل في أعماله الأدبية الأخرى، ولكنها مصوغة بطريقة فلسفية لافتة.

في السطور التالية مختارات من يوميات كيرجارد مُرتبة وفقًا لترتيب الفصول.

مزاج الحياة

(1)

عـدتُ لتوي من حفلة كنتُ أنا فيها الحياة والروح. انهمر مزاح طريف من بين شفتي فحصدتُ ضحك الجميع وإعجابهم. ينبغي أن يكون هذا الخط الفاصل————————- طويلًا في طول نصف قطر مدار الأرض، أودّ إطلاق النار على نفسي.

(2)

الموت واللعن. يمكنني الانفصال عن كل شيء إلا عن نفسي. لا أقدر على نسيان نفسي حتى وأنا نائم.

(3)

يصل عديد من الناس إلى خلاصة حياتهم مثلما يفعل تلامذة المدارس، يخادعون المدرّس بغشّ الإجابة من كتاب الحساب، دون أن يجشّموا أنفسهم عناء عمل الحساب الإجمالي بأنفسهم.

(4)

إنها تلك المضايقات الجميلة التي تضاعف مرارة الحياة. كنت لأخوضَ حربًا ضد العاصفة راضيًا مسرورًا  حتى تنفجر عروقي ، لكن نفثة غبار تذروها الرياح في عيني تزعجني حتى أنني أدقّ على الأرض بقدمي غضبًا. هذه المضياقات الجميلة أشبه برجل يرغب في الانغماس في عمل عظيم والانخراط في مشروع عظيم تعتمد عليه حياته وحيوات آخرين غيره، فتأتي ذبابة مزعجة لتسقر فوق أنفه.

(5)

كما لو أنّ واحدةً تطارد الأخرى: ما أكاد أن أفكّر فيها وأوشكُ على كتابتها سرعان ما تهبط فكرة أخرىـ توقفها، تقبض عليها. خبل- جنون.

تيجة دافع غريب لا يُقاوم اشتريت كتباً كثيرة بقيت مركونة على الرف. اشتريت مرة كتاباً فلسفياً شيقاً بالألمانية ذا عنوان ممتاز. فُتنت وانشغلت بالعنوان بحيث أنني على الأرجح لن أقرأ الكتاب أبداً.

(7)

حين أكون متعباً من كل شيء ومليئاً بالأيام تكون الحكايات الخيالية حماماً منعشاً، فهناك تختفي كل الهموم الدنيوية، كل الهموم المحدودة، ويكون الفرح-بل حتى الحزن نفسه- بلا حدود.

(8)

أفضل الحديث إلى العجوزات الخائضات في الثرثرة العائلية، ثم مع المجانين، ثم مع كل شخص يتمتع بعقلٍ وحساسية.

(9)

لا أستطيع تحمّل عناء المزيد من أي شيء. لا أستطيع تحمل عناء المشي، فالمجهود جـدّ شاق. لا أستطيع تحمل عناء الاضطجاع، سوف أضطجع فترة طويلة وهو ما لا أستطيع تحمّله. أو أنني سوف أنهض على الفور وهو ما لا أستطيع تحمّل عنائه أيضًا. لا أتحمل عناء الذهاب لركوب الخيل، فالتمرين شاق للغاية قياسًا بحالة الخمول التي تتملكني. لا أستطيع إلا ركوب عربة مريحة، وبينما تتأرجح العربة يمينًا ويسارًا، أدع حـشدًا من الأفكار ينثال على صفحة ذهني، فيتباطأ على كل مشهد من مشاهد حياتي ليذوق طعم خمولي- أفكاري ومشاعري جدباء عقيمة مثل قلب رجل مخصيّ. عبثًا أنشد شيئًا قـد يردُّ إليَّ الحياة، بل ولا حتى بلاغة لغة القرون الوسطى بقادرةٍ على تبديد الفراغ الذي يهيمن على كياني.

ها أنا الآن أدرك المقصود بما قيل عن كلمات السيد المسيح: أنها حياة وروح. باختصار: لا أستطيع تحمل عناء ما كتبته لتوي، ولا أستطيع تحمّل عناء محـوه أيضًا.

(10)

لا يجني الإنسان أبدًا أية فائدة من حريته، حريته من أفكاره على سبيل المثال، وعوضًا عن ذلك يطالب بالحرية من الكلام.

(11)

يأخذ كل شخصٍ بثأره من العالم. أما ثأري فآخـذه عـبر تحملي مشاعر الكرب والأسى الضاربة بجذورها في أعماق نفسي، بينما يـرفّه ضحكي عن كل من حولي. عندما أرى إنسانًا يعاني، أتعاطف معه وأواسيه بأقصى طاقة أملكها، وأصغي السمع إليه بهدوء حينما يؤكد لي أنني ثروة هبطت من السماء.  لو استطعتُ مواصلة هذا المسلك حتى نهاية حياتي، فسأكون قد أخذتُ بثأري.

(12)

منذ سنوات الطفولة الأولى استقّرت شـوكة حزن في قلبي، وطالما الشوكة باقية أمارس سخريتي، وإذا نُزعتْ من قلبي قضيتُ نحبي على الفور.

(13)

لـتنصِتْ إلى صراخ امرأة في لحظة الولادة ولتتأمل منظر رجل محتضر ينازع سكرات الموت، ثم أخبرني بعدها هل ثمة شيء له بداية ونهاية منذور للسعادة والهناء. صحيح أننا، بني البشر، نبذل أقصى ما في وسعنا لتجاوز هاتيْن النقطتين. إننا نسارع إلى نسيان صراخ آلام المخاص ونحوّلها إلى سعادة لمنح حياة جديدة من مخلوق إلى آخر. وعندما يموت أحدهم نسرع قائلين: ذهـب لينام بسلامٍ. الموت نـوم هاديء. وكل ما ننطق به، لا ننطق به إرضاءً لخاطر الميّت، فالكلمات لن تساعده في شيء، بل إرضاءً لخاطرنا نحن كيلا نفقد فرحتنا بالحياة. إننا نفعل كل مما من شأنه أن يزيد سعادتنا في الحياة، في تلك الفترة الانتقالية الواقعة بين صرخة الميلاد وصرخة الممات، وبين صرخة الأم عند الولادة وصرخة ابنها ساعة وفاته.

الفصل الثاني: أيام الطفولة والشباب

(1)

تُوفي أبي يوم الأربعاء، الثامن من الشهر الجاري في الثانية صباحًا. كم تمنيّتُ أن يمتد به العُمر بضع سنوات أخر. رأيتُ في موت أبي آخر تضحية قدّمها إثباتًا لحبّه إلي، لم يمت أبي بسببي، بل من أجلي، أملًا في احتمال أن يخرج مني شيء.

من بين كل ما تركه لي أبي أركّز على ذكرى أبي، على صورته المتحولّة، تلك الصورة التي لم تتحوّل بسبب ابتكارات ذهني الشاعرية، بل في اللمسات الشخصية التي لم أعرف عنها شيئًا إلا الآن، وهذه الذكرى هي أثمن شيء أملكه وسوف أواصل إخفائها عن العالم. في هذه اللحظة أخالني لا أرى إلا شخصًا واحدًا فقط (إي بويزين) أستطيع التحدّث إليه. فهو الصديق الصدوق بحق

11 أغسطس 1838

(2)

حينما مات أبي قال لي سيبّرن:” لن تجتاز امتحان اللاهوت أبدًا..أليس كذلك؟ لكن ذلك بالضبط ما استطعتُ إنجازه، فلو طال العُمر بأبي لم أكن لأقدر على اجتياز الامتحان. حينما فسختُ خطبتي أخبرني بيتر:” الآن قُضي عليك”.  والآن فقط أتبيّن أن أي شيء حققته، مهما كانت درجة أهميته، لم أكن لأحققه من دون هذه الخطوة.

(3) كانت وفاة والدي تجربة مـروّعة إلى أبعد الحدود. كيف لم أبُح بذلك إلى أي شخصٍ قط. كان المناخ العام للسنوات الأولى من حياتي على وجه الإجمال غارقًا في غياهب الكآبة والضبابية والبؤس الشديد بحيث أنني لم أستغرب أن أتحول. لكن كل ذلك سيبقى سـرًا مكنونًا. وربما لم يكن لهذه التجربة أن تخلق الأثر نفسه في نفس شخصٍ آخر، لكن مُخيلتي، ولا سيما في لحظات يقظتها، وقبل أن تعثر على مهمتها الحياة الواجب عليها النهوض بها، كانت تتسم بالكآبة.

(4) 1848

توفي أبي، فرُزقت أبًا بديلًا: الرب الذي في السماوات، ثم اكتشفتُ بعدها أن أبي الأول كان زوج أمي.

كيركجارد مؤلفًا

(1) 1847

لا أشعر بالراحة إلا حينما أكتب، فأنـسى بعدها كل ألوان النـكد والمعاناة في الحياة، فأنغمسُ بعدها داخل عالم الفكر وأشعر بالسعادة. ولو توقفتُ عن الكتابة بضعة أيام سرعان ما يطوقني الحزن والمرض، وأحس أن رأسي ثقيلة مُرهقة. دافع قـوي، ثريّ، لا ينضب معينه هـو الذي يستمرّ بالتدفق أكثر من أي وقت مضى، وبرغم انقضاء خمس أو ست سنوات، دافع لا يملك المرء إلا أن يعتبره مِــنّـة إلهية واجبة الشكر. فإذا اضطررتُ إلى قـمع تلك الثروات العظيمة الكامنة في روحي، فلم يكون ذلك إلا كربًا وعذابًا مقيمًا بالنسبة إليَّ وسأمسي حينذاك مثل سقط المتاع. ولكن لِمَ أضطرّ إلى قمعها؟ لأنني مسكون بفكرة تعذيب نفسي، بفكرة التكفير عن الذنب، عـبر إجبار نفسي على مواجهة شيء أعرف يقينًا، لو كنتُ أفهم نفسي حق فهمها، أنني مؤهل له من الأساس. لا، لا قدّر الله، لا أظـن أن الله يريـد الظهور في الأمور الخارجية أيضًا.

أسأل الله أن يمنحني الثروة الكافية والعون اللازم، وقبل كل شيء أن يمنحني الروح للصمود أمام هـجمات الشك والإغراء التي تنمو بداخلي، لأنه ليس من الصعب أن يخوض المرء حربًا ضـد العالَم.

(2) 1847

لم أتخـذ في حياتي صديقًا حميمًا قط. بالنسبة إليَّ ككاتب فقد استخدمتُ الجمهور العام، بشكلٍ ما، كصديق حميم. أما فيما يتصل بعلاقتي بالجمهور فيتحتم عليَّ أن أتخذ من الأجيال التالية صديقًا حميمًا. على كل الأحوال، فالناس أنفسهم الذين يأتون في كل مرة ويضحكون على الرجل نفسه، فمُحال أن يصيروا أصدقاء مقربين.

(3) 1847

لو لم أكـن ميسور الحال لكنتُ على علاقة وطيدة مع عصرنا الراهن. في المقام الأول لم أكن سأتوفّر على الوقت اللازم لكتابة المتتاليات الكبيرة لأعمالي، وكان أدائي سيكون مثل أداء أي شخصٍ غيري. فيحبّك الناس. النقد الأدبي غائب في الدانمارك، ولا تتجاوز المراجعات الأدبية في الصحف اليومية الشكل التالي: فلو كتبتُ ورقة مكوّنة من ثلاثٍ وخسين صفحة لن تزيد المراجعة عن عمود واحد، بينما لو كتبتُ كتيبًا من عشر ورقات ستملأ المراجعة طبعة الجريدة كلها.

(4) 1854

عـن الأسلوب الأدبي

كم هـو طفولي أن يُخدع المرء بهذه الأشياء للأسف، وكم تصدُق كلمات سقراط التالية:” يبدو لي أنه لا ينبغي لي في السبعين من عُمري صقل أسلوبي وتلميعـه مثل صبي”. وبرغم من أنني نادرًا ما أفعل ذلك الأمر، إلا أن الغريزة القديمة تستيقظ أحيانًا فجأة، للأسف قليلًا، وتدفعني لأستمتع بالصياغـة اللغوية. أومــن، كما ترَون، أنني قادر ككاتب نثرٍ عبر الشكل اللغوي وحـده، على تحقيق أثر جميل وصادق يفوق ما يبلغه كاتب النثر. لنأخذ الفكرة التالية كمثال (وهذا المثال تحديدًا هـو من أسر انتباهي اليوم ودافع عـن قضيته ببلاغة بارعة دفعتني لأن أستلّ قلمي إرضاءً لخاطر هذه الطفولية). أقول لنأخذ فكرة تقول: كل شيء مُــحــبِط- سواء الأمل أم ما يؤمَـل). [ملاحظة مكتوبة على الهامش: المقولة مأخوذة من شوبنهاور]. ثمة شكـل موجود بالفعل، والشَـرطة الفاصلة تمثّل الشكل. ولكن ربما تكون الفكرة مصوغـة بتكثيفٍ شديد، وربما يجوز لنا أيضًا صوغـها في عبارة أطول وكتابة توأمة لفظية كأن نقول:

“كل شيء مُحبط: الأمـل مـُحـبِط وألا يحدث المأمول به مُـحـبِط، وأن يحدث ما يُــؤمَــل به ويحبطكَ”.

أما فكرة أن يصيبك الأملُ بالإحباط فملاحظة عادية، ولكن ما ينبغي التأكيد عليه هو الشقّ الثاني من العبارة. أتخيل شخصًا سبق وأن مـرّ بتجربة أن يُحبطه ما أمِلَ به، فإن هذه الصيغة اللغوية ستجذبه  أو سترضيه. فحين يسمع الجزء الأول من العبارة (الأمل يُحبط) فسيُصاب بالهلع مفكرًا: هل من الضروري أن نسمع هذا الهراء الآن مجددًا( لكن طريقة صوغ العبارة الثانية سترضيه تمامًا). لذلك تراني أجلس لساعاتٍ واقعًا في غرام الطريقة التي تنطق بها اللغة كما لو أن صدى وعي الفكرة يترددُ بداخلها، لذا أستطيع الجلوس لعدة ساعات مثل عازف فلوت يمتع نفسه بالعزف على آلة الفلوت. معظم ما كتبته قد نُـــطِــقَ أولًا بصوتٍ عالٍ مرات ومرات، أحيانًا عشرات المرات وسُـــمِــع قبل أن يُدوّن فوق الأوراق.[ملاحظة هامشية]: بعبارة أخرى فإن أغلب ما أكتبه يأتيني، كما يُقال، عفو الخاطر دون إعداد، لأنني أضع اللمسات الأخيرة وأنا أمشي.

أدب العدد الأخير العدد العشرين ترجمات

عن الكاتب

أحمد الزناتي

اترك تعليقاً