الروائي الطائر حوار مع الغواتيمالي رودريغو روسا

Avatar
كتب بواسطة أمجد سعيد

انتق الأفضل في طليعة الحداثيين وما بعد الحداثيين من الأرجنتين، كخورخي لويس بورخيس وأدولفو بيوي كاساريس. اقفز بعد ذلك نحو جيلين من الزمن، سافر آلاف الأميال شمال وسط أمريكا. في المكان ذاته، أمزج بكميات متساوية شيئاً من باتريشيا هايسميث، فلانري أوكونور وليديا دايفز، انثر على الخليط رشة واحدة من فتغنشتاين ودعه يرتاح في المغرب. النتيجة هي شيء شديد الشبه للروائي الغواتيمالي رودريغو راي روسا. كتاباته الخيالية عصيّة التصنيف تتشح بالسواد، ولكن الصعوبات التي يحاول التغلب عليها تتجاوز التهور.

 ما الذي يتبقى للمرء بعد أن تُمحى لغته من الوجود؟ كيف يمكن للاختطاف والنفي القسري أن يعالج الأمر خلال كل هذه السنين التي تلت تلك الأسابيع المتأزمة؟ ما الفائدة المرجوة من طائر بجناح مكسور؟ 

“الحوار هنا جوهري ويدور حول البناء المعقد الذي رسخه روسا من خلال كلماته الدقيقة والنقية جداً. تكلمت معه عبر البريد الإلكتروني عن ماهية الأحداث التي تركت فيه بعض آثارها، مثل العقود الغواتيمالية من العنف والتي خلفت تأثيراً ملموساً على تكوين روسا، أسفاره، ومعارفه. ناقشنا أيضا ذلك الانطباع المتأتي من اقترانه الكبير وإعجابه بالكاتب التشيلي روبيرتو بولانيو. أكد لي روسا أنه يجب عليه أن يكون مبتهجاً وفي اختصار شديد دائماً، وأن يشد الرحال باستمرار نحو اتجاهات مختلفة من العالم، وفي حوارنا كان كذلك، لأنه في الوقت نفسه كان يتنقل بين نيويورك وبيليز”

سكوت اسبوزيتو[1].

الأرجنتيني خورخي لويس بورخيس من الكتاب الأكثر تأثيراً عليك، ويُرى ذلك في كتاباتك الأولية التي تنحدر معظمها منه. ما هي التجربة الأولى التي جمعتك ببورخيس؟

مع بورخيس أصبحت قارئاً وكاتباً في الوقت نفسه، فيما قبل بورخيس كنت قارئاً من نوع آخر. ذلك الفرد الذي تعثرت قدماه بدولة تحتوي على ثلة من القراء وعلى كتاب كثر لكنهم تحت الأرض- الكتاب الغواتيماليون الذين كانوا ما يزالون على قيد الحياة، كانوا يعيشون حياة المنفى في نهاية السبعينيات. قرأت وأعدت قراءة بورخيس في تلك السنوات، سنوات ريعان الشباب. أشعر بأن بورخيس من بين عدة أشياء، هو كاتب مثالي لمثل هذه المرحلة أقصد مرحلة الشباب المبكرة، بعيداً عن كونه خارطة لطريق الأدب، يتجسد بورخيس في مثل هذه المرحلة كمحفز لخروج أفضل ما بداخلنا. هذا ما اكتشفته مع بورخيس كشاب عاقد العزم على أن يصبح شاعراً أو عالم رياضيات. الرعشة التي تأتي غالبا عندما نعي بأننا نملك السيطرة على أشياء لا حصر لها، هذه أحد الأشياء التي يمكن لبورخيس أن يقدمها، قراءته تنتج ما يسمى لهاثاً للمعرفة- ربما يكون، توقاً للخلود- لهاث ممزوج بتشاؤم لاتيني وعدمية أرجنتينية صرفه. نجد في نثر بورخيس تلك السيطرة العقلية والقنوط المادي، وهذا النوع من الثنائيات قد يكون مثيراً جداً لمراهق. على كل، أيوجد أسهل من مراهق لتؤثر فيه؟ “المهم هو أن يكون الذهن في دعة وهدوء ويعمل ببهجة” كتبت إحدى شخصيات بيوي في plan de evasion[2]، وكاساريس نفسه خط طريقه الأدبي تحت سحر بورخيس، نعم، سأتحمل ما يأتي مع تصريح كهذا.

هل ما تزال تقرأه، أعني بورخيس؟!

أقل مما كنت عليه في حقيقة الأمر، ولكن مع ذلك نعم ما أزال. في الوقت الراهن، كل ما أقرأه هو أبحاثه، مقالاته، مقدماته لأعمال معينة ومحاضراته Borges Professor، عنوان الكتاب الذي قام بتجميعه وتحريره طلابه في إحدى الدورات التي قدمها بورخيس في الأدب الإنجليزي، كتاب ممتع جداً، ناهيك عن كونه تعليمياً. كتاب آخر Borges بورخيس بقلم بيوي كاساريس- الذي يعطيك انطباعاً غريباً من نوعه وهو أن تنصت لمحادثة عميقة بين هذين الصديقين، رَجُلَي الكلمات، ومنها يخرج القارئ بخلاصة أنه يعرف الإثنين بطريقة أعمق من قبل- إحدى تجارب القراءة الغنية والمسلية في السنوات الأخيرة. باعتقادي أنه تحفة ورقية إذا ما قورن على ما أظن بالسيرة التي كتبها بوزويل “حياة سامويل جونسون” تحفة مضحكة أيضا. يصنفان الكتب بطرق مختلفة كتاب يمنة وكتاب يسرة فوق وتحت، غارقان في بحر من التهكمات المتنوعة؛ يندر أن ينضبط الاثنان في مسار سياسي مناسب، قلقي يكمن في أن الفكرة الأخيرة قد تكون سبباً في أن يضل الكتاب طريقه للغة الإنجليزية قريباً، كتاب ثقيل، في 1663 صفحة، مما قد يشكل حجر عثرة ضخم يصعب إزاحته لأي ناشر طموح.‎

روايتك القصيرةCarcel de arboles[3] ، هي تقريبا بمثابة “Invención de morel” اختراع موريل” لقرائك، أو بالأحرى النسخة الغواتيمالية منها. تلتقي مع بيوي في عدد ليس بقليل من التناظرات الجمالية، خصوصاً، في الروايات القصيرة، ككآبة المشهد والإنهاك السردي. هل اكتشفت سر خلق بيوي لعالمه السردي؟

شخصية الدكتور بيلكاري في مشروع بيلكاري (سجن الأشجار) تلمح بشبحية الشخصية الأخرى في رواية بيوي “خطة الهروب”، بالنظر إلى التجارب الذهانية التي يقوم بها بيوي في مستعمرته. أما بالنسبة لكاساريس – الذي أُعيد قراءته دوما- يساعدني عمله بطريقة ما على تضييق الهوة وعلى تحمل تأثير بورخيس. هناك، في نقطة محددة من مسار بيوي أستطيع القول بأنه ذهب بعيدا عن بورخيس؛ أظهر تجذره البورتينوي[4]، البوينوس ايرسي، ولكن الأمر لا يطول كثيرا قبل أن يصل بيوي لتلك النقطة الحاسمة، خذ مثالاً على ذلك: في رواية “Dormer al sol” نوم تحت الشمس” التأثير البورخيسي كان قد تلاشى، أو بالكاد له أثر، ولكن ليس إلى حد القول إن روح بيوي هذه هي نسخة واهية من تلك التي كتبت اختراع موريل، والتي هي بورخيسية صرفه. مع ذلك يبقى لبورخيس بعض التأثير، ليس كعائق يثقله ليطرحه أرضا، لا ليس كذلك. في اعتقادي أن كتاب “نوم تحت الشمس” غارق في البورتينوية.

تستهل مشروع بيلكاري باقتباس لـ”لودفيج فيتغنشتاين” والذي بالإمكان إعادة صياغته كالتالي: الفكرة التي تتجسد بالكتابة خلقتها اليد والفكرة التي تتخذ الكلام شكلا لها خُلقت بالفم؛ أما التي تأخذ ذلك النشاط العقلي المحض، فهنا يكمن الخيال. “لا يمكننا إلا البحث عمن يفكر”. وياله من فأل ملائم لما سوف نجده في صفحات الكتاب التي تلي. يحدوني الانبهار بالتوليفة التي خلقتها في هذا الكتاب (مشروع بيلكاري)، من جانب، فلسفة فيتغنشتاين الرائعة، عرش أفلاطوني من أفكار نقية، ومن جانب آخر، تلك التجارب الرهيبة في غابات غواتيمالا. بحقك، ما هو الرابط بين الجانبين؟

عدت مؤخرا لنسختي من “خطة الهروب”، ذاتها التي كنت قد قرأتها في طنجة في الثمانينيات وكانت تلميحات شخصية الدكتور بيلكاري تظهر في الصفحات الأخيرة-لم تكن في الهامش، ولكنها في مدخل اليوميات للشخصية المزاجية. ” انسخ القطعة التالية من مقالة الدكتور بيلكاري، التي تحتوي على بعض السطور المقتبسة في تخصص الاعصاب البصرية تلك التي تترجم الالوان” في حقيقة الأمر قمت بخلق شخصية الدكتور قبيل الانتهاء من مشروع بيلكاري، في نهاية الفصل الذي يتحدث عن السجين ومذكراته، والذي يحدث بعد الجزء الذي تظهر فيه شخصية بيلكاري. لذلك من المنصف أن أقول بأن كل ما يتعلق بالسجين- علاماته، حالته الذهنية- وحتى فكرة الشرح المفصل للعملية الجراحية كل ذلك آتى من تأثير بيوي. أعتقد أن المبدأ الذي تبناه الكتاب بالكامل آتٍ من كتاب آخر بعنوانLa science des monstres   كتاب في علم التشوهات الخلقية، وجدته في سوق للأشياء المستعملة في طنجة، والذي يصف الوحوش الطبيعية وتعليمات حول تجارب الأجنة لخلق العيوب والتحولات. من الممكن ان الفكرة آتت من هذا الكتاب أو من قرائتي لفيتغنشتاين – الذي ما زلت أقرأه، ولنرى متى يحين الوقت لأتمكن من فهمه بالطريقة الأمثل- حيث وجدت بعضاً من هذه الأفكار التي تخبئ تحت جلدها تجارب بيلكاري. سأقول بأن الأمر عبارة عن صدفة متخمة بالحظ الجيد، كيف أن كل هذه القراءات العشوائية جاءت بنتائج متقاربة، ولكن علاوة على هذا كله، نقطة البدء لمشروع بيلكاري كله كانت مجرد رؤية؛ صورة رجل عارٍ مقيد بجذع شجرة في وسط الأدغال. يبدو الأمر غريبا بعض الشيء، وضوح الرؤية التي راودتني في إحدى ليالي رمضان بطنجة، والتي أجبرتني على تفكيكها: ما الذي آتى بالرجل هاهنا، من المسؤول عن الحالة المتردية التي وصل لها؟ الأدغال! المكان الذي أوحى لي أن أجعل الفكرة مصنوعة في غواتيمالا، بالإضافة لذلك، كانت توجد في غواتيمالا بعض السجون السرية في ذلك الوقت. من هذه التشكيلة البدائية، انهالت على بقية القطع الناقصة: ساسة فاسدون يلهثون وراء منفعتهم، سجناء سياسيون وحراس مسلحون.

يعدُّ”مشروع بيلكاري” الرواية الأولى لك، واسترجع هنا ما قلته عن بورخيس: “مع بورخيس يوجد خليط من السيطرة العقلية والقنوط المادي” ويبدو هذا الوصف الرائع ملائما جدا لبطل مشروع بيلكاري. نجد أن ذهنه أنتج برهافة مفرطة دفتر اليوميات الذي خُط بدقة، والذي تسنى لنا قراته، ومع ذلك، نرى أن جسده تردى إلى درجة متهورة من التدني بتلك التجارب الجراحية. هل لديك أرشيف زمني بمحاولاتك لكتابة رواية قبل أن تتمكن من إكمال مشروع بيلكاري؟

لا أعلم إذا كان بإمكاننا أن نقول عنها رواية! بالكاد يبلغ العمل خمسين صفحة، أليس كذلك؟ حسناً، قبل مشروع بيلكاري كتبت نوفيلا أخرى، والتي بالطبع لاقت حتفها حرقاً. كانت تتمحور حول عملية خطف، أمر يخلوا من البرخسة[5] اليس كذلك؟  كانت في حقيقة الأمر رواية سيئة للغاية. وإلى حين تلك اللحظة لم أرغب في كتابة رواية- ربما هو التأثر، مرة أخرى، ببورخيس- ولكنني كنت أسعى لكتابة قصص أطول من تلك التي في كتابي الأول، التي يمكن أن تُحال إلى قصائد نثرية. في لحظة ما في ذهني يحمل التساؤل البورخيسي-إذا أمكننا أن نقول قصة ما في عشر أو خمسة عشرة صفحة، فلم التحذلق بقولها في مئات الصفحات؟ – الجواب كالتالي: لأن التجربة الأدبية مختلفة جداً، كرؤية منمنمة في أحد الكتب باعتبارها تجربة جمالية، قد تختلف تماما عن التحديق في لوحة جدارية، رغم أن المحتوى يكاد يكون متطابقا في التجربتين. الاحتمالية في توجهي نحو الأعمال الأقل كثافة قد تكون لها علاقة في إنني أحاول نزع بورخيس مني.

يبدو مشروع بيلكاري أقرب لتلك النوفيلات القصيرة جداً، ولكن أنت من الأشخاص الذين يملؤون القليل بالكثير، ربما سأصنف عملك تحت أعمال [6]Cesar Aira، حتى وإن كانت معظم أعماله قصيرة جداً. بالعودة لتشبيهك الذي يقارن المنمنمات بالجداريات: ‎ما الذي يأخذك نحو العمل على مساحة أكبر، إن صح القول؟

أنت محق، المعمارية التي بنيت بها مشروع بيلكاري- مع البداية، النهاية ونقاط أخرى عديدة- تجعلك تعيد النظر في ماهية الرواية. بعيدا عن مسألة الابتعاد عن بورخيس، انتقلت نحو مجال أوسع، وهذه النقلة يمكن نعتها بالتجريبية أو المسبارية: البحث عن تلك الحجج والنزاعات، عن الشخصيات التي تطالب بفضاء محدد والتي يمكن الاشتغال على تصعيدها.‎

هل ثمة سقف محدد لطول الرواية التي ترغب في كتابتها؟  

بالتأكيد! لا يمكنني تخيل كتابة روايات روسية أبداً. سيسعدني أن أكتب كتاب من ثلاثمائة أو ثلاثمائة وخمسين صفحة، ليس أكثر من ذلك. ‎‎

مما لا شك فيه أن قراءة أعمالك هي بالتأكيد تجربة لا تخلوا من العمق. في إحدى مقابلاتك لمجلة BOMB، استهل فرانشيسكو جولدمان المقابلة بسرد تلك الحادثة عنكما أنت والروائي السالفادوري هوراثيو كاستيانوس مويا، حين كنتما تشربان البيرة في أحد مقاهي بوينوس ايرس، وفؤجتما بطلقات النار العشوائية في الجوار، والتي تبين لاحقا بأنها كانت عملية سطو مسلح على أحد البنوك وكان ثمة ضحايا. كل من في المقهى ظل يردد بأنها المرة الأولى في هذا الحي بالذات، وتمخضت الفكرة لدى جولدمان بأنه عندما يقرر روائيو أمريكا الوسطى التنقل فأن أول مرافق لهم في السفر هو العنف. في أحد المقالات، استرجع هوراثيو مويا أولى ذكرياته عن انفجار قنبلة أمام شرفة منزله، ومنذ ذلك الحين أصبح العنف جزءاً أساسياً من حياته. هل الوضع مشابه بالنسبة لك؟

يؤسفني القول بأن الشريحة العظمى من الأشخاص الذين ولدوا في هذه البقعة من العالم- أعني أمريكا الوسطى- يتنفسون العنف كالهواء تماماً.

تلك المسحة من العنف التي أصبحت جزءاً يومياً من الحياة، حجزت لها مكاناً في نصوصك. القصص التي ترويها غالبا ما تتمحور حول أفعال عنيفة، ليس بالعنف المنفر والمثير، ولكنك تقوم برسم تلك الأفعال بتحفظ بارز أو توازن معقول مع محافظتك على مياومة الحدث نفسه، وهناك بعض الأحيان عندما تتواجد نوبات الشذوذ أو النزوات التي من الممكن أن تبرر العنف في تلك الصفحات، هل تقوم بإعادة النظر في تقديم العنف في سردك؟

الفقرات الأولى التي أكتبها بنية صناعة قصة ما، تحتوي حتماً على مشاهد عنيفة. بعضها آتٍ من أشياء سمعتها أو قرأتها، وبعضها الآخر من أشياء تخيلتها أو حلمت بها. لطالما كانت كتابة العنف أسهل بكثير بالنسبة لي من وصف المشاهد المعدة مسبقا، أكان نوعاً من التنفيس؟ أم إحدى الطرق لمعالجة الخوف، أو كما يقولون، طرد الخوف؟ يصبح الخوف ضرورة لا غنى عنها عندما تعيش حياتك في مكان متورم بالعنف، على الرغم من أن المرء يمكنه التغافل عن الأمر لساعات عديدة من اليوم. فجأة، عنف!: تارة يأخذ شكل طلقات نارية في الشارع، أو شكل أخبار عن عمليات خطف أو تشويه وتعذيب. هذه الأشياء هي التي تصنع الهواء الذي أستنشقه.

مع الحضور المتواصل للعنف في حياتك، أو على الأرجح في حياتك الغواتيمالية، وحياة من حولك، يبدو الأمر وكأنه نوع من التجربة المجتمعية القوية، العامل المشترك بينكم، أو مصدر التفاهم المتبادل. ربما يساعد هذا في تبرير لماذا بعض الروابط حول مشاهد عنيفة محددة في أعمالك تبدو مذهلة. على سبيل المثال، في روايتك “الأعرج الطيب”El Cojo Bueno، والتي تتحدث عن مختطفين أصابوا قدم الرجل في محاولتهم للحصول على فدية لاستبداله. يتتبع العمل حيواتهم لعدة سنوات بعد تلك المحاولة للحصول على فدية، ورغم أن طرقهم تشعبت، إلا أنهم كانوا مطاردين بإصابة القدم تلك التي كانت حاضرة لديهم وبشكل لا يمكن نسيانه، والذي ابتدأ من فعل سخيف لا يكاد يستغرق نصف ساعة من حياة كل فرد منهم. أمر مدهش بالنسبة لي، كيف يمكن لحادثة واحدة أن ترسم معالم حياة كل واحد منهم، بالمقابل، وان تحدد مصائرهم. كيف يمكن لك أن تحكي كل هذا؟

شرعت في كتابة هذا الكتاب بفندق أطلس في طنجة. في ذلك الوقت، كنت أستمتع بقراءة كتاب آخر لفيتجينشتيين “تعقيبات في اللون”. كنت قد قضيت زمنا طويلا في غواتيمالا قبل العودة لإسبانيا ومن ثم المغرب، المكان الذي سأعيش فيه بشكل متقطع ومتزامن كنت ما أزال أسمع كل أنواع قصص العنف التي تحدث في غواتيمالا؛ قصص المذابح الجماعية، قصص الخطف والأفعال الوحشية التي حدثت في ظل الحرب، كانت قد بدأت بالخروج إلى النور. كنت بالتحديد متأثراً بالأصالة البدائية لروايات الغواتيمالي “ماركوس أنتونيو فلوريس”، التي عالجت موضوع حرب الغوريلات[7] في فترة الثمانينات. علاوة على ذلك، الاهتمام الذي أوليته لكتبه كان بالتحديد يصب على حقيقة الأمور الغواتيمالية. في تلك العقود، كانت عمليات الاختطاف هناك شأنها شأن أي واقعة يومية من الحياة، ويخيفني أن يظل الأمر مثلما هو. كانت لدي تجربة مباشرة مع عمليات الخطف، اختطفت أمي في عام 1981 وأطلاق سراحها بعد ستة أشهر، بعد عدة مفاوضات عسيرة كان على أن أسلمهم الفدية، وهي طريقة التسليم نفسها التي استخدمتها في الرواية، مع تفاوت النتائج بلا شك.

ما هي الأمور الغواتيمالية الحقيقية التي وجدتها في أعمال فلوريس؟

بجانب الحقبة الزمنية التي تستعرضها- فترة الثمانينات هي الفترة الأقسى في حرب الغوريلات- والناس الذين عايشوا الامتعاض والتغرير، الذي يجعل أعمال فلوريس ذات أصالة غواتيمالية بالنسبة لي هو استخدام الخطاب الغواتيمالي- المصطلحات الخاصة والتعابير التي تكشف عن تحيز أصحابها-. الشيء الأخر هي التوليفة بين العنصر التاريخي والسياسة المتزامنة التي تُعدُّ جزءاً من الغصات الثورية في زمن الصحوة- ههنا بدأت علامات السلم تظهر كاتفاقية سلام عظيمة، والتي اعترف بها نصف اليسار- وايضا سيطرة اللغة العامية لتضفي نكهة على تلك الحقبة.

هل تحتوي أعمالك على بعض من ذلك؟

في اعتقادي، تمرير هذه الأمور تحت مجهري شيء قد قمت به من قبل، بمعنى آخر، لتغذية الكاتب الغواتيمالي الذي بداخلي ليصبح غواتمياليا أكثر مما كان، عدت إلى موطني، ليتسنى لي غرس نفسي مجددا بعد خمسة عشرة سنة متناثراً في العالم.

في الخمسة عشرة سنة التي قضيتها بعيدا عن غواتيمالا، هل كانت لديك بعض المؤثرات المباشرة؟ وماذا عن هواجسك ككاتب؟

في الوقت الذي تركت فيه غواتيمالا إلى نيويورك، كانت عاداتي المتعلقة بالقراءة قد تغيرت. من البقعة التي كانت مملوءة بالكلاسكيات، التي مجملها لا يتعدى كونه بسيط وشعبي – هذا كل ما قد يصادفه المرء في المكتبات ومحلات بيع الكتب في غواتيمالا، لا جدوى من البحث عن الكتاب المعاصرين والكتب الأجنبية إلا إذا كانت في أندر الأوقات قد حققت مبيعات عالمية – إلى مكان أخر قد يكون إيجاد كتاب فيه، أو البحث عن كاتب معين أبسط مما تعتقد. تمكنت من قراءة، على الأقل، كل الكتاب الذين قد اشار إليهم بورخيس، في هذا المكان -نيويورك- التقيت بكتاب ملهمين، ممن كانوا يعتقدون بأن أي كاتب هو كاتب حقيقي. في غواتميالا! بالتأكيد لم أكن لألقى أية منهم على قيد الحياة، على الأقل ممن ينتمون لجيلي. عدا ذلك، كان هناك أستاذ للأدب، إسباني في المنفى إبان حكم فرانكو، والذي كنت قد حضرت له بعض الدروس عن كثب. لم أجد أحداً لأدردش معه عن الكتب، بالتحديد لمناقشة الكتابة، أما الأن بالطبع، تغير كل شيء بطريقة متعاظمة، غواتيمالا اليوم منتفخة من الكتاب والشعراء. الأن، بالعودة إلى السؤال، نعم بعد تأثير بورخيس المباشر أتى كافكا، الذي قرأته بغزارة عندما كنت في نيويورك، مترجم للإنجليزية بالطبع. في ذلك الوقت لم أكن اتجه نحو اية رواية، ربما بسبب التغطرس الساذج الذي ورثته ليس عن بورخيس نفسه، بل عن تأثير بورخيس الذي هضمته بعسر. داومت على قراءة المقالات البحثية، بالتحديد في الفلسفة وشعر أمريكا الشمالية، الذي لم تكن لدي اية فكرة عنه- ويتمان، إليوت وآخرون. بعد ذلك بقليل في طنجة، تحت سحر بول باولز بدأت في قراءة الروايات، الكثير من الروايات، على وجه التحديد الروايات الأنجلوساكسونية. كونراد، جيمس، جراهام جرين، أورويل، كومبتون-برنيت، شانديلر، هايسمث. قرأت بعض من أدب الرحلات، كونينجهام جراهام، نورمان لويس، وجراهام جرين مرة أخرى. استُثرت على يد هولاء الكتاب الذين يكتبون بالإنجليزية، والذين قد كتبوا عن أمريكا اللاتينية، بالتحديد ميزوامريكا (أمريكا الوسطى). أظن بأنهم أظهروا لي ماهي أمريكا اللاتينية أو الوسطى، الريف بوصفه المستحيل الذي لن يتحقق في الادب الهسباني- محقق المستحيل في هذه الحال هو خوان رولفو-، في بيئة كتلك التي كنت بها، محاولة الكتابة الجغرافية أصبحت هوساً. يبدو لي هو الشيء الذي يفتقده الأدب الهسباني، والذي يبدو طبيعياً، انسيابيا إن صح التعبير للانجلوساكسونيين. ربما هو أمرٌ يخص أدب الرحلات، والذي لم يمارس بكثرة في العالم الهسباني.

في جغرافية أمريكا اللاتينية، ما هي الجوانب من وجهة نظرك التي يمكن استخدامها في عمل أدبي؟

ليست لدي دراية تامة بجغرافية أمريكا اللاتينية، بخلاف المكسيك وأمريكا الوسطى، ومعرفة لا تكاد تذكر عن كولومبيا. لا أعرف أن كانت ثمة تصويرات “أدبية” للطبيعة بأسلوب بديهي: في اعتقادي أن جزأً من عمل بعض الكتاب اتخذ له بعض التمشهدات للعلاقة الأدبية (كونراد والبحر، باولز والصحراء، نورمان لويس مع لاوس وبورما، خوان رولفو وسهوب المكسيك)، ولكي يظهر للقراء بعض من جسد العالم -الذي لم تهضمه بعد تلك المجموعة الجمالية التابعة لحقبة محددة، إن جاز القول- على هيئة جماليات أدبية. بطبيعة الحال، عالمنا اليوم مفتت كليا وكل جزء منه مغطى بلفافة مختلفة، وحتى القرن العشرين، هذه الاعمال أصبحت فوتوغرافية أكثر من كونها أدبية. مع كل ذلك، يجب علينا تأييد فكرة أن العالم لا يبدو مثلما كان عليه الحال في تلك الأوقات، لذلك لا أريد القول بأن تلك الاعمال هي أعمال سرمدية. إذا أخذنا أي بقعة من الأرض التي تتغير باستمرار، من المرجح أنها ستمثل مادة جمالية أدبية، بقدر ما سوف تعكس التمدن القائم فيها.

ذكرت في مقابلة أخرى أن رواية “La orilla Africana” الضفة الإفريقية” تصور مدينة طنجة، والتي أخذت منك، قرابة شهر ونصف لكتابتها. يغلب الرواية سرد مكثف، والتي من الممكن أن تجد لها مكانا بين تلك الأعمال التي لا تجازف بهدر كلمة واحدة. كيف لرواية مثل هذه أن تولد؟

بالفعل، أنهيت هذه الرواية بالذات بسرعة غير معتادة. لم أخلق عملاً من قبل تقوم أحداثه في طنجة، وفي ذلك الحين كنت مترددا على المدينة قرابة عقدين من الزمن. بالطبع هناك لحظات عديدة عندما قدمت المغرب نفسها كحاضنة لأحداث كتاب ما. أغلب الظن أنني كنت أعاني من ذلك الإقدام المتلكئ حول خلق حكاية تجري أحداثها في الأراضي الشمال أفريقية، وعندما حررت الإقدام من تعبه كانت المحاولة أقرب إلى الطبيعية منها إلى المفتعلة. لابد من أنني كنت مدفوعاً بحقيقة المغرب المتجددة بحلول عام 98، على الأقل قشرتها من تلك التي كتبها باولز أو اخترعها لنا. أغلب الظن أنني عندما كنت أنظر للمغرب، طنجة بالتحديد، كنت أراها بعيون باولز. ولكن حينها باولز توقف عن الكتابة. من المهم جداً أن يفهم الجميع بأنني كتبت هذه الرواية القصيرة في غمرة من السعادة والنوستالجيا، والسبب في ذلك؛ شعوري بدنو رحيل باولز عن الحياة، وسبب آخر، هو أنني كنت على وشك الخروج من المغرب. الأن عندما تعاودني الفكرة ذاتها، أدرك بأن الأمر كان وداع نسبي مزدوج.

في الرواية، البوم كان يؤكد الفكرة التي تتمحور حول نوع من الـ“لينجوا فرانكا”، هذا النوع الذي يقوم بجمع كل مسارات الحكي، الأمر الذي يزامن جميع الشخوص لتتفاعل وتحتدم فيما بينها، على الرغم من كل تلك الاختلافات التي تشمل الجميع. كيف لك أن جعلت البوم مركزاً للرواية؟

لا توجد لدي أدنى فكرة عن عما جعلني أقوم بما قمت به. كل ما في الأمر أنني سمحت للحكاية نفسها بأني تأسرني، وتلك كانت النتيجة.

أتظن أن فكرة “اللاسببي” قد مكثت في راسك لوقت ما؟

إذ لم يكن المرء متديناً، فعندها تصبح الحياة برمتها مبهمة. بالحديث عن اللا سببية، بالطبع، قمت بذلك، أسكنت اللاسببية في راسي.

هل تعطي اهتماما أكبر- بصفتك كاتباً- للعلاقات العارضة والعلاقات قصيرة المدى كالتي نجدها في الضفة الإفريقية؟

لا أجرؤ على الاعتراف بذلك. ككاتب، تحصل كل أنواع العلاقات عندي على الأهمية نفسها.

يشار لرواية الضفة الإفريقية باستحقاق من بين بقية أعمالك كرواية عالمية، شبه ما بعد حداثية في كوزموبوليتانيتها. أحد شخوص الرواية هو كولومبي يضفي على الحكاية طابعه اللاتيني الأصيل. أيضا في وعاء الذوبان هذا نجد طائفة من الإثنيات المختلفة التي قد يصادفها المرء في طنجة، أثريا أوروبيين، مسلمون، مغاربة محليين وأفارقة من وسط القارة يتسلقون المغرب للهجرة شمالاً. اليوم نشعر بأن كل ذلك متصل ببعضه البعض، بصرف النظر عن أن الرواية كتبت في عام 98. زمن بعد آخر، تتكثف كل تلك اللحظات المتناهية القصر لتعرض لنا كيف لمثل كل هذه الإثنيات أن تلتحم، ذلك الدبيب المتعالي والحركة الأزلية التي يجدها المرء في طنجة. من بين كل تلك الوجهات التي ارتحلت إليها في حياتك، هل طنجة هي الحاضرة دوماُ لديك، لنقل بسبب جغرافيتها أو ثقافاتها؟

هكذا كان الحال في طنجة عام 98. الأفارقة الذين قدموا لعبور المضيق (مضيق جبل طارق)، كانوا يمثلون الجزء الأبرز من المشهد، كانوا شيئا لم تره عيناي من قبل، سرقوا جل انتباهي. لكن طنجة بالمقابل كانت دوما تغص بكولاج الإثنيات وثقافاتهم المختلفة، تؤويهم منذ أزمنة بعيدة؛ هناك، يجد المرء بصمات كل سكان البحر المتوسط، من الفينيقيين والقراطجة إلى الرومان واليونانيين. يبدو أن الأمر متواصل، والفضل كله يعود لموقع المدينة. وقد سمعت مرة بعض الأمريكان والأوروبيين يقولون:” طنجة! الباب الأمامي لأفريقيا، والخلفي لأوروبا”. كان من اللازم اتقان لغتين على الأقل – الإنجليزية مع الفرنسية أو الفرنسية مع الإسبانية- ومن المحبب أن تتقن عربية المغاربة؛ حتى لا يخالجك شعور الاغتراب في أحد المحادثات العابرة في الحفلات، حيث تتبدل اللغة المستخدمة بشكل آلي سلس. سكان طنجة الأصليون، رغم اختلاف طبقاتهم الاجتماعية، هم رواد تعدد اللغات.

أخر أعمالك، والتي تمت ترجمتها حديثا أيضا SEVERINA سيڤرينا، تحتوي على فرضية مثيرة: تحكي قصة حب بين غواتيمالي يملك محلاً لبيع الكتب وامرأة يافعة تغويه بسرقة الكتب من محله.  تتصاعد الأحداث، وتصبح البيبلوفيليا البعد المقابل لحب رومنسي والعكس صحيح، إلى حد يصبح معه هذا التداخل بين العالمين ضبابياً. الحكاية كلها تتطور في تداخل محتدم، في أصالة رفيعة من السوداوية. تحدّث البعض مطولاً عن قدرة الكتاب على سرقتك من العالم المحيط والتشابه مع السحر الذي يصيبك من علاقة حب ما، ولكن، كونك كاتب، هل تم إغوائك من قبل بإحدى أعمالك التي كنت تعمل عليها؟

ربما لا أرغب في استخدام مفردة الإغواء في هذه الحالة. ما يحدث هو أقرب إلى الهوس، ولكن بالتأكيد هذيان الحب أو الشعور الغامر الذي يراودك عندما تقع في الحب، هو بالنهاية صنف آخر من الهوس. مثلما جرت التجربة وليس العادة فإن الأمر ينتهي بأمر صحي أو علاجي. هذيان الحب، في المقابل، هو أقرب للسقم منه لأشي آخر.

في حبكة سيڤرينا، تلعب رسائل بورخيس دوراً مهماً، وفي الأعرج الطيب تقوم بإدخال بول باولز في الحكاية كأحد شخصياتها الحقيقية. أتشعر بالحصر إزاء إدخال هؤلاء -أعني من اتخذتهم موجهين- في أعمالك؟

على النقيض تماماً. من يحاول الكتابة يجب عليه أن يتخلى عن كل أصناف التحيز. في الكتاب، القدوة، الصديق وحتى الأبوين، يجب معالجة شخوصهم بمثل المعالجة التي تنطبق على شخصيات أخرى مبهمة، كمجرم في حبكة ما. ينطبق الأمر على البوم أيضا.

غالباً يصنف البعض نصوصك على إنها أعمال تقشفية، ربما يعود الأمر إلى نثرك المشدود بطريقة متقنة ولربما للتوجه الذي تتخذه في سردك للأحداث الذي يوحي للقارئ بأنه مشطوف بعناية لإزالة أية زوائد. أتعتقد بأنك كاتب تقشفي؟

لا، لا أعدُّ نفسي واحداً منهم. قرأت لبعض التقشفيين، ولكنني لست منهم.

هل ثمة سبب محدد لعدم توجهك لقراءة الأدب التقشفي بكثرة؟

ربما فقط لأنني لم أجد الوقت الكافي لذلك! أيمكننا أن نعدّ ليديا دايفز تقشفية؟ قصصها تأسرني. وبالحديث عن رواد القصة القصيرة، فلانري أوكونور أحد المفضلين لدي – وفضل اكتشافه يعود لباولز- وهناك باتريشيا هايسميث أيضا هي تعتلي قائمة أفضل الروائيين لدي.

أسلوب كتابتك الحالي، هل كنت على دراية بأن اتخاذك طريقة محددة منذ البداية ستوصلك إلى هذه النقطة؟

لأنني بدأت بالقراءة بطريقة مقتضبة جداً، كانت أغلب النصوص يغلبها الطابع المقولب- كان معظمه عفوياً- بقدر ما كانت تفتقد ذلك النوع السلس الشفاف من الكتابة. يجب على القول بأنني أجهدت قلمي لأتجنب مسألة الإفراط في التحفظ. التوجس من إضجار القارئ أصبح هاجسي الوحيد، ومثل هذه الأفكار تجدها بعض الأحيان في أسلوب كتابتي.

ينتابني ذلك الشعور، عندما أقرأ أعمالك بأن كل شيء في الحبكة متصل بطريقة ما. شعور مشابه يعتريني عندما أقرأ أعمال فتغنشتاين- بعيداً عن ثنائية التعقيد والمتعة – أتضعه في اعتبارك كمؤثر جمالي، وبدرجة أعلى مؤثر فلسفي؟

أرغب في الإيمان بتأثير فتغنشتاين على أسلوب كتابتي، حتى وإن كان تأثيرا غير مباشر، لأنني ببساطة لا يمكنني الجزم بأنني قد استوعبت كلياً اطروحاته الفلسفية بخلاف النهج الذي رسمه بشكل عام. هنالك أيضا ملاحظاته، مثل دفتر ملاحظات كامبريدج وشولدن، ويومياته، – يتحدث فيها عن قراءاته، الموسيقا التي يحب ويكره، شكوكه الدينية وأحلامه- هذه أغلب النصوص التي قراءتها وأعدت قراءاتها بلا توقف، وفي كل قراءة تنيرني هذه النصوص أكثر من ذي قبل. أشعر بالأسف أن تراكتاتوس، تحقيقات فلسفية وغيرها من النصوص العميقة عسيرة على الهضم بالنسبة لي، ولكن الاقتضاب المستخدم في أطروحاته، رفضه للمزيف السطحي وحتى شفافيته وتواضعه، كل ذلك زاد من افتتاني بشخصيته.

أعمالك تتصف بدقة ما يجب قوله في قصة أو رواية ما، تحمل في طياتها شعور الممكن، تقوم فيها بخلق عدد من الخيوط التي- انت تصورت الأمر بالطبع- تتقاطع في مكان ما. بشكل آخر؛ تقوم بخلق تلك المجسمات التي تدرك لاحقا بأنك سوف تركبها لتتلاءم مع بعضها، من ثم تهجر كل هذا الجهد للقارئ الذي يشارك في إضفاء التشطيبات الأخيرة لإكمال المشروع. هذه الجمالية الأخاذة التي تبوئ لك عرشاً في مملكة الادب، هل تدربت عليها في الأصناف الأخرى من نصوصك، أعني رسائلك، يومياتك أو مقالاتك؟

كتبت عدة رسائل منذ عودتي لغواتيمالا. كنت قد نذرت طاقتي حصراً لكتابة القصص، ولم أحتفظ بأية يوميات عدا في مناسبات نادرة أغلبها كانت قبيل مشروع كتابة ما، كنوع من الإحماء. لا يمكنني أن أطلق على نصوصي الواقعية مقالات بحثية؛ كتلك التي تكتب بهدف أن تجد لها مكاناً في إحدى الدوريات، الصحف أو المجلات. يتطلب هذا النوع من الكتابة لغة نوعية وطرحاً ذا طبيعة تعليلية. يستطيع الأدب أن يطرح تلك الأسئلة التي لم يتطرق لها أحد من قبل، ومع ذلك هناك أصناف عديدة من الأدب. في الجانب الآخر هنالك نصوص كتبت كنوع من التأمل أو كمسودة أولية لتجربة جديدة وسرد جمالي.

أين يصادف أن تجد هذه الأسئلة؟ تحدثنا سابقاً عن بعض كتبك التي ولدت من رحم تجربة حقيقية أو كوابيس، بعضها آتٍ حتى من كوابيس كتب أخرى، ولكن فيما يخص الأسئلة ذاتها التي لازمت هذه الأعمال الأدبية، هل تعتقد بانك حصلت عليها من مكان ما؟

تأتي الأسئلة من قلب السرد، خلال فعل الكتابة. لم أرغب في القول بأن معظم كتبي تحتوي على تجاربي الشخصية الحقيقية، مع ذلك، يتخلل معظمها بعض التفاصيل الحينية التي ترمم قوام النص، والتي مصدرها تجاربي الشخصية. ما قلته سابقاً عن مشروع بيلكاري، فكرة الدكتور بيلكاري مثلا الرواي الذي يصف هيكل الحكاية، جاءت مباشرة من بيوي. بعض قصصي استنارت طريقها من بعض المقالات في المجلات الدورية مثلPoco Loco أوEl Hijo de Ash، مثلاً. ولكن طريقة الكتابة هذه تصيبيني بعدم الرضى، أفضّل تجنبها دائماً.

تحدثنا كثيراً عن معاصريك والأخرون الذين تأثرت بهم، لذلك لا يمكنني التوقف قبل أن آتي على ذكر روبيرتو بولانيو، أحد أشد المعجبين بأعمالك. هل هو ضمن من قرأت لهم كثيراً؟

قرأت أعمال بولانيو، ليس كلها بالطبع، أمامك قارئ بطيء. ومن مجمل قراءتي له، أعتقد ان بولانيو في كتبه الأخيرة، تحديداً رواية 2666، وصل إلى مرحلة قلة من الكتاب قد يصلون إليها: الأسلوب الذي أباح له الكتابة عن اية ثيمة، شيء أقرب للإله التي تحول أي نوع من المعلومات أو الإدراك إلى تحفة أدبية.

بما أننا طرقنا باب فضائل الأدب القصير في هذه المقابلة، هل تعتقد بأنه من المهم كتابة أعمال بحجم وضخامة رواية 2666؟

بالتأكيد، أؤمن بأن كل أنوع الروايات ذات أهمية. الرواية الشاملة، التي تبدو كما لو أنها تقوم بتغطية العالم كله أو تلك التي تختزل بداخلها عصر من الزمان- واقعيا، لا يمكن لرواية عمل ذلك- تبدو لي بذات الأهمية التي للرواية القصيرة أو المجزأة. لا تأتي أهمية رواية ما من ضخامتها، ثيمتها أو ما تحمله من أفكار، وحده الأسلوب الإخراجي ما يعطي للرواية أهميتها. ما يهم هو التجربة الأدبية، ما يحدث لنا عند قراءة عمل ما. قراءة 2666 تمدنا بتجربة فريدة، وبسبب هذه الفرادة تأتي الأهمية، نتزود منها برؤية محددة، بقطعة مختارة بعناية من الواقع، رؤية لم تكن قد وجدت قط في أذهاننا من قبل.

هل تؤمن بأن هذا السبب بالتحديد هو ما يمنح الرواية شأناً أعلى من أشكال الفن الأخرى؟

ربما! وربما أيضا هناك سبب أخر هو الزمن. ما أرمي إليه هو أن قراءة رواية ما فعل يمتد خلال فترة زمنية محددة، وبهكذا يتداخل العنصر الزمني للرواية بزمن القارئ. حينها يتزامن وجود القارئ مع الرواية لمدة أطول من أي مدة نقضيها مع نوع أخر من الأعمال الفنية.

هل تمثل الكتابة بالنسبة لك ما تمثله القراءة؟ أعني، هل تمنحك بطاقة العبور لتجربة وجودية محددة، مثلما منحتك إياها القراءة، التي تلح عليك بالعودة لها من وقت لأخر وهو شيء لا يمكنك العزوف عنه.

حينما ترتبط المسألة بالكتابة، لست بذلك الالتزام المعهود لدى الكاتب بشكل عام. تمر على أوقات طويلة لا أكتب فيها شيئا البتة. عندما أشرع بكتابة شيء ما، يظهر الأمر وكأنني اكتب شيء أزلي الطول- انهيت معظم قصصي القصيرة في عدة جلسات مطولة- لذلك أحرص أن يخلوا لي الوقت من أي شيء يمكنه تشتيت استعدادي الكتابي. في الماضي كنت معتادا على استقلال الحافلة للمكوث في أحد الفنادق الرخيصة كنوع من الهروب من الأشياء، نوع من التحصين ضد خطر العالم المخاتل، أما الأن، من الصعوبة فعل ما كنت أفعله. حسناً، أود القول بانه في مثل هذه الأوقات، ما يستحوذ على إدراكي للزمن هو الرغبة وهوس الكتابة. هي بالفعل أوقات جيدة، أوقات أحن إليها، أوقات لمثلها فقط يعيش المرء.


[1] روائي وصحفي.

[2]  رواية “خطة الهروب” لأدولفو بيوي كاساريس.

[3] السجن الأخضر او سجن الأشجار رواية قصيرة لرودريغو روسا، ترجمت أيضا تحت عنوان مشروع بيلكاري.

[4] “المينائي” نسبة إلى سكان بوينس ايريس، الذين يعرفون بسكان مدينة الميناء.

[5] نسبة إلى بورخيس.

[6] سيزار أيرا، كاتب ومترجم أرجنتيني معاصر، له ما يقارب أكثر من مئة كتاب قصير.

[7] الحرب الأهلية الغواتيمالية أو ما يعرف بالهولوكست الصامت، استمرت ما يقارب ستة وثلاثين سنة، سميت أيضا بحرب الغوريلات نسبة إلى حرب عصابات الشوارع في أمريكا الوسطى.

أدب العدد الواحد والعشرون بعد المئة

عن الكاتب

Avatar

أمجد سعيد