من ثقافة الحج في صعيد مصر: أهازيج وجداريات وأطعمة وطريق تاريخي لحجيج المغرب العربي

Avatar
كتب بواسطة حجاج سلامة

للحج والعمرة ثقافتهما المتجذرة في الذاكرة وفي الفنون الشعبية المصرية، وربما تحمل تلك الثقافة لونا خاصا يصل لحد التفرد في صعيد مصر، حيث كانت تلك المناطق تستقبل الحجاج والمعتمرين الوافدين من بلاد المغرب العربي، في طريقهم لبلاد الحجاز، سالكين ما كان يُعرف بـ “طريق الحج المصري”.

وما بين ذكريات الحج قديمًا التي تتناقل الأجيال حكاياتها من روايات الذين بقوا على قيد الحياة من الجدات والأجداد، من الحجاج والمعتمرين، إلى تلك الأهازيج المرتبطة بمواسم الحج والعمرة، ونشر الرسوم التي توثق رحلة كل حاج إلى الأراضي المقدسة في بلاد الحجاز، على جدران المنازل وواجهاتها، تتنوع الثقافة الشعبية للحج والعمرة، وتتلون بطبيعة كل منطقة، لكن يبقي العامل المشترك دائما هو تلك الروح السائدة في كل قرية ومدينة ومحافظة، وهي تعلق الجميع بمواسم الحج والعمرة، وترقبهم لها وانتظارها بشوق بالغ، وحتى وإن غابت تلك المظاهر جراء جائحة كورونا، وما فرضته من تداعيات وتدابير بهدف حماية الناس، إلا أن الأرواح والقلوب تظل تهفوا وتتطلع لتلك المواسم التي تسكن بتفاصيلها القلوب، ولا غيّب عن الذاكرة الجمعية والفردية أبداً.

وقد وثّق أدباء وشعراء وباحثون الأهازيج والمواكب والعروض الفلكلورية المتعلقة بمواسم الحج والعمرة، في صعيد مصر، حفظوها في مؤلفات للأجيال القادمة، فيما يواصل فريق ممن يطلق عليهم “فنانون فطريون” رسم جداريات ورسوم الحج على الجدران والواجهات في منازل ودواوين عائلات الحجاج، في مظهر ثابت لا يغيب عن كل حارة وشارع وعزبة ونجع وقرية وحي ومدينة في الريف والحضر.

ويُعد الشاعر والكاتب المصري، درويش الأسيوطي، أحد هؤلاء الذين عملوا على حفظ وتوثيق الكثير من أهازيج وأغاني الحج في صعيد مصر، بجانب غيرها من الفنون الشعبية المرتبطة بالذاكرة الشعبية للمصريين، وكذلك الباحثة المصرية أمل مصطفى إبراهيم في كتابها “الغناء البلدي في مصر”.

وبالطبع فإن هناك غيره كثيرون ممن بذلوا الكثير من الجهد في ذلك المجال، خاصة في محافظات مثل قنا وأسيوط، بوسط وجنوب صعيد مصر.

وبحسب كتاب “الغناء البلدي في مصر” فإن الأغاني الشعبية باتت تفصح عن شخصية مصر، وتعبر عن خصائص شعبها وعاداته وتقاليده وحتى وجدانه.

أهازيج وغناء:

وتتنوع أهازيج الحج في صعيد مصر، كتلك التي يتغنى بها عند بدء رحلة السفر إلى بلاد الحجاز، وأخرى تنشد مع عودة الحجاج والمعتمرين بعد أن أدّوا مناسك الحج والعمرة، وتلك الأهازيج التي لا تنقطع عن بيوت الحجاج والمعتمرين منذ استعدادهم للسفر وطوال أيام وليالي سفرهم وحتى عودتهم سالمين مهللين مكبرين.

ومن أغاني الحج التي تُغنى للحجاج والمعتمرين من الرجال قولهم: “يا وابور السفر لأحني قلوعك.. حج من عندنا صغير بشوشه.. السنة حجتك ومن عاش عروسه”.

وقولهم: “يا حاجج يا حاجج خد اختك عديله.. تنكتب لك حجه وتبقى جميله.. يا حاجج يا حاجج خد اختك قبالك.. تنكتب لك حجه وتسلم جمالك”.

ومن الأغاني التي تردد عند عودة الحجاج والمعتمرين قولهم: ” يا بشير الهنا يا رايح بلدنا.. قول لابويا العزيز يزوق عتبنا.. يا بشير الهنا يا رايح بلادي.. قول لأبويا العزيز يزوق عتابي.. زوقوا البوابة وحتى عتبها.. وعملوا لي الزواق غزالة وولدها.. زوقوا البوابة وحتى العتابى.. زوقوها مليح لما الحج ياجى “.

من أغاني الحج التي تُغنى للنساء قولهم: ” رايحه فين يا حاجه.. بتوبك القطيفة.. رايحه أزور النبي محمد والكعبة الشريفة “، و ” اركبي يا حاجة وردى غطاكى.. مايرعبكيش المالح – أي لا تخافي من امواج البحر الأحمر – دا ولدك في طولك – أي ابنك الذي بصحبتك صار كبيرا – واركبي يا حاجة وردى غطاكى.. مايرعبكيش الجمل ولدك وراكي “.

أطعمة الحجاج:

وإذا كان للحج والعمرة أهازيج وأغنيات، ورسوم وجداريات، فقد كان له أطعمته أيضا، كان كانت تعد للحجاج والمعتمرين -قديما – قائمة من الأطعمة المكونة من مواد جافة لا حتى لا تتعرض للتلف من طول فترة السفر والذي غالبا ما يكون على ظهر الدواب والسفن.

ومن تلك الأطعمة التي كان يحملها الحجاج “الدقة ” المصنوعة من السمسم المحمص و”الملوخية اليابسة” – أي الملوخية المجففة – و”القرقوش” – أي الخبز الشمسي المحمص-والجبن البلدي القريش.

رسوم وجداريات فنية:

ولعل من أبرز مظاهر الحج السائدة في الثقافية الشعبية، بصعيد مصر حتى اليوم، هو ذلك الفريق من الفنانين الفطريين، الذين ينشطون في كل موسم للحج والعمرة، في رسم مشاهد من رحلة الحج، مثل الدواب، والبواخر، والطائرات، وصور للكعبة المشرفة، ومشاهد للوقوف بعرفة، وغير ذلك من الصور التي تُعد توثيقا لتلك الرحلة المباركة، وهو نمط فني بات يرتبط بموسم الحج، وبدأ في التطور، وجذب مزيد من الفنانين الهواة من أطباء ومهندسين، وغيرهم، بجانب دارسي الفنون، كما بات محل دراسة وبحث من قبل الباحثين الأجانب والمصريين، وتنتشر رسومات ذلك الفن، وقصص الفنانين الممارسين له في وسائل الإعلام المحلية والعربية والدولية.

وباتت تلك الرسوم والجداريات، لا تقف عند تزيين واجهات وجدران منازل الحجاج، بل امتدت لدواوين عائلات الحجاج وللمحال والمتاجر وحتى المطاعم والفنادق المملوكة لهم، وصارت بمثابة مزارات يتردد عليها زوار تلك المناطق التاريخية في صعيد مصر من سياح العالم، فيلتقطون الصور لتلك الرسوم التي تزين جدران منازل مجاورة لتلك المقابر والمعابد التي شيدها قدماء المصريين قبل آلاف السنين في الأقصر وأسوان جنوبي البلاد.

في الطريق ما بين قوص وميناء عيذاب:

ولعل من الصور الباقية في ذاكرة الثقافة الشعبية للحج بصعيد مصر، هو ذلك الطريق القديم، الذي كان يسلكه الحجاج من مصر وبلدان المغرب العربي، في طريقهم لبلاد الحجاز، والذي كان يُعرف بـ “طريق الحج المصري”، حيث امتلكت مصر في العصر الإسلامي ذلك الطريق الحج الذي كان يسلكه الحجاج من الاقاليم المصرية وبلدان المغرب العربي وشمال أفريقيا، في طريقهم لأداء مناسك الحج والعمرة بالأراضي الحجازية في مكة والمدينة المنورة.

ومن المعروف أن الحجاج قد ظلوا لقرون يؤدون رحلة الحج سيرا على الأقدام، أو على ظهور الحمير والجمال لمن هم أيسر حالاً، وكان هناك طريق يؤدي إلى مكة المكرمة من الشام، وطريق آخر يؤدي إلى مكة المكرمة من مصر، أي أن الطرق التي كانت تؤدي بالحجيج إلى مكة المكرمة طريقين اثنين فقط، أحدهما من مصر، وهو ما كان يعرف بطريق الحج المصري.

وكان طريق الحج المصري، يمتد من مدينة قوص في محافظة قنا إلى ميناء عيذاب على شواطئ البحر الأحمر، والطريق ومعالمه بجانب الميناء، حظيا بقيمة كبيرة لدى المصريين، كونهما قد لعبا دورا مهما في تاريخ الحج لمكة وبلاد الحجاز طوال مائتي عام.

وطريق الحج المصري كان له محورين، محور عبر قوص –حميثرى– عيذاب، ومحور طريق العبدي.

 وبحسب كتب المؤرخين، فقد كان هناك طريق يسلكه حجاج بلدان المغرب العربي، للوصول لمدينة قوص التابعة لمحافظ قنا في صعيد مصر، والانتقال منها إلى ميناء عيذاب على شواطئ البحر الأحمر، وكانت مدينة قوص مقصداً ومكاناً لتجمع الحجيج، وكانت تضم فنادق لإقامة الحجاج، فكان يلتقي بها حجاج بيت الله الحرام من بلدان المغرب العربي وأقاليم مصر، والذين كانوا يلتقون بها، ثم يتحركون منها في جماعات نحو وادي عيذاب على سواحل البحر الأحمر، ومنه إلى بلاد الحجاز.

ملتقى الحجيج:

وكانت قوص بجانب كونها ملتقى للحجيج، مدينة حافلة بالأسواق، متسعة المرافق، وتضم الكثير من الفنادق والخانات والبيوت الفاخرة “التي أعدت لاستقبال الوافدين من بلاد المشرق والمغرب، في طريقهم لزيارة البلاد الحجازية، وأداء مناسك الحج والعمرة، حيث كانوا يستقلون البواخر من عيذاب إلى مدينة جدة السعودية.

أما “عيذاب” فكانت من أشهر المراعي الواقعة على البحار، وكانت تأتي إليها سفن بلاد الحبشة واليمن والهند، بجانب كونها جزءا من طريق الحجاج لبلاد الحجاز عن طريق قوص.

وبالنسبة لحميثرى فقد كانت كثيرة الضياع لوجود عين ماء بها، ويوجد بها مسجد تاريخي للعالم الشيخ أبى الحسن الشاذلي، والذي وافته المنية بحميثرى، سنة 656 هجرية، حين كان ذاهبا إلى بلاد الحجاز لأداء فريضة الحج.

وكان الحجاج الوافدين إلى عيذاب للسفر منها إلى بلاد الحجاز بحراً، يسلكون مسارين عبر طريق قوص، الأول كان يعرف باسم طريق العبدين، وكان هو الأقل مسافة، والثاني هو طريق حميثرى – ويقال ايضا حميثرة – وكانت حميثرى كثيرة الضياع لوجود عين ماء بهاء، ويوجد بها مسجد تاريخي للعالم الشيخ أبي الحسن الشاذلي، والذي وافته المنية بحميثرى، سنة 656 هجرية، حين كان ذاهبا إلى الحج.

وظل حجاج مصر والمغرب العربي، يتوجهون إلى مكة عبر ميناء عيذاب طوال مائتي عام،

وفي عام 677 هجرية، توقف استعمال الحجيج لطريق قوص – عيذاب، وتحول الحجاج إلى طريق السويس والعقبة، واندثر ميناء عيذاب تماما في القرن العاشر الهجري، وتلاشت ملامح الطريق الذي كان يؤدى لها من مدينة قوص.

مصدر الصورة: https://2u.pw/XoxZk

العدد الأخير العدد الواحد والعشرون بعد المئة ثقافة وفكر

عن الكاتب

Avatar

حجاج سلامة