أبعاد النفوذ الإعلامي عبر صناعة المعلومات

Avatar
كتب بواسطة أحمد مصطفى

منذ أن استطاعت وسائل الإعلام أن تجعل لنا العالم قرية صغيرة نجحت بالمثل أن تكون العالم بالنسبة لنا، إذ صارت بمرور الزمن وتعقد البيئة المحيطة هي المالك الأعظم للمعلومات، والصانع الأول للتفسيرات، والمطالع الأكبر لمجريات اللحظة وخفايا الأمس والغد، وهكذا تغلغلت في شتى محيطات حيواتنا اليومية، خصوصاً ومجاراتها لثورة المعلومات والاتصالات، كإدراكها البالغ لضرورة الاندماج مع الإعلام الجديد، أو التطوير المستمر في التقنيات المستخدمة إلى أن وجدناها بين أيدينا على الجوال، حتى بات من الصعوبة الفكاك من أثرها وأسرها، بما يمكننا من القول أن الإنسان صنع وسائل الإعلام ثم قامت الأخيرة بصناعته.

ولهذا تقول نظرية مارشال ماكلوهان بأن الناس يتأثرون تأثراً لا شعورياً بوسائل الإعلام، بل ويصبح هذا التأثير هو السر الحقيقي الكامن وراء السلوك الإنساني خصوصاً مع الثورة التكنولوجية التي زادت من فاعلية وتأثير وسائل الاعلام.([1])  ليتزامن مع نجاحها في تجاوز البيئة الاجتماعية والثقافية والنفسية المحدودة للإنسان، إذ صار العالم بيئة الانسان وليس محيطه المحلي المحدود.

فنفوذ التقنيات الإعلامية أدت إلي نهايات الإنسان ومحو فكره النقدي وأسره في الخطب المقفلة وفق قول هربرت ماركوز Herbert Marcuse وكيفما يقول نسيم الخوري في كتابه (الاعلام العربي وانهيار السلطات اللغوية) متحدثا عن “شيوع الثورة الإعلامية أو الموجة الثالثة والتي أدت إلي فقد الفردية والتحول إلي شكل من أشكال العبودية وانتفاء الحرية، عبر طبيعة التماثل والأحادية والتشابه التي يخلقها هذا النفوذ الإعلامي- إلى حد قول توفلر- إلى أنه ورغم التنوع تخلق ثقافة متشابهة فكرياً وروحياً وإن كان هنالك تنوع في الفنون والتعليم واللغات والثقافات الشعبية فهو سيؤدي إلى الثقافة المفككة”.([2])

وهذا يحدث بطبيعة الحال لأن وسائل الإعلام لا تؤثر فقط على جمهورها، ولا تكتفي بأن تكون البديل الأساسي لهذا الجمهور عن مؤسسات التنشئة كالأسرة والأصدقاء وزملاء العمل، ولكنها أيضاً تعمل بشكل جاد على أن تؤثر علي جمهور المؤسسات الأخرى، أي الآخرين ممن لا يقعون تحت سطوتها أو لا يتابعونها، وذلك عبر خلقها للوسائط أي تأثيرها على قادة الرأي أو على مؤسسات التنشئة لتعمل وفق ما تغرزه الوسائل الإعلامية من ثقافة.

أي إذا لم يتعرض الفرد لوسائل الإعلام إلا أنه لا شك سيتعرض لمؤسسات التنشئة الأخرى التي سبق وأن تعرض أفرادها لتأثير الإعلام كيفما تفسر الباحثة الجامعية سارة نصر عبد الباقي في رسالتها للماجستير لتشير إلى أن للإعلام تأثير غير مباشر على الأفراد الذين لم يتعرضوا له، وفي ذلك مختلف العوامل المترابطة والمؤثرة على الفرد (التنشئة السياسية– الجماعات المرجعية)، بل وحتى الجماعة الأولى كالأسرة التي أصبحت مؤسسة تنشئة تعتمد بشكل أساسي على وسائل الإعلام في نقل قيم المجتمع الخارجي وتوجيه النشء خصوصاً مع التغيرات الاجتماعية والاقتصادية الحديثة، وبهذا يخلق الإعلام وسائط لنقل مخرجات المستوى العام للأفراد، وفي الوقت نفسه تنامى تأثيره على جمهوره، ليصبح من المؤسسات التي يتفاعل معها الفرد في مرحلة مبكرة من العمر وعلى المدى الطويل وبشكل أكثر تحديداً وانتظاماً في المراحل الأكثر نضجاً. ([3])

بل وينافس التلفزيون المؤسسة الاجتماعية الأعمق وهي النظام التعليمي لتضمنه المعلومات والمعرفة والرأي معاً وفق نتائج سايمون ديورنغ في كتابه “الدراسات الثقافية.. مقدمة نقدية” مرجعاً ذلك لمنافسته المؤسسات الاجتماعية الأخرى وتقديم وظائفها بشكل أكثر متعة، مروراً بتعمد الوسائل الاعلامية لمنافسة حتى الأدب بوصفه خيار راحة، بجانب تناغم وسائل الإعلام التقليدي مثل التلفزيون مع وسائل الإعلام الأخرى كالشبكة العنكبوتية، ليس فقط عبر التعاون، ولكن بالنشر خلالها، ومتابعة القيل والقال حول خيوط الحبكة والنجوم وهلم جرا، فمنافسة الإنترنت ليس فقط على مستوي المعلومات البرامجية ولكن كتقنية اتصال، وهذا يأتي بطبيعة الحال للتخوف والخشية من خطورة الإنترنت في ابتلاع التلفزيون. ([4])

وبهذا ووفق تأكيدات قديمة للعالم شرام يبدو الأثر التعليمي لوسائل الاتصال الجماهيري لا يمكن إغفاله أو التقليل منه، قاصداً هنا التعليم بمفهومه الأوسع أي كل ما يعمل على زيادة قدرات الإنسان الفكرية عن طريق المعلومات ذاتها أو القدرة على استعمالها، وبهذا تمارس وسائل الاتصال تأثيرا كبيرا على وعي الأفراد ومعارفهم ([5])، بما ينعكس بدوره على المجتمع ويمثل عاملاً أساسيا وجوهريا في عمليات التغيير الاجتماعي.

ولهذا انشغل الباحثون في دراسة أثر وسائل الاتصال المتطورة عبر التاريخ كيفما يتناولها الباحث حلمي خضر ساري في دراسته للدكتوراه بجامعة برادفورد 1983 قائلاً : أن الأمر بدأ مبكراً ومنذ اعقاب الحرب العالمية الأولي، فيما يعرف بنظرية “المجتمع الجماهيري” التي ترى أن لوسائل الاتصال تأثيراً قوياً على اتجاهات وآراء وسلوك الجماهير، فهم برايها مجرد ذرات منفصلة من كتلة ملايين من القراء والمستمعين ومشاهدي الأفلام، لا تجمع بينهم اي علاقة، وهؤلاء الافراد/الذرات مهيؤون دائماً لاستقبال الرسائل الإعلامية والتي تمارس قوة مطلقة في الاقناع لا حدود لها لدرجة قدرتها على غسل أدمغة الجمهور بلا مقاومة ([6])

وهو الأمر الذي أثار نقد بعض الباحثون الجدد ليبرهنوا أن الاعتقاد بالقوة الأسطورية لوسائل الاتصال ليست مطلقة وإنما محددة الأثر، إذ تخضع لمؤثرات عديدة قد تكون خارجة عن عملية الاتصال نفسها، إذ الأفراد لا يعرضون أنفسهم لوسائل الاتصال بشكل عشوائي، كما يعرضون أنفسهم بشيء يتفق مع اتجاهاتهم واهتماماتهم، بل ويميلون إلى تفسير وإدراك المعلومات بطريقة تتناغم وتتسق معها، فضلاً عن طبيعة البناء الاجتماعي وشكله الذي تعمل فيه المؤسسات الاتصالية ودورها في عملية التغيير الاجتماعي. ([7])

أي علينا أن نستكشف مدى تعقد عملية التأثير الإعلامي علي الأفراد باختلافهم وتنوعهم، كما توضح الدكتورة حنان يوسف في كتابها “الإعلام والسياسة” من أن الجمهور يحمي نفسه سيكولوجيا من بعض الرسائل الإعلامية ([8])، فالجمهور كما يصفه يموند باور Raymond Pauer جمهور عنيد يرفض التعرض بشكل سلبي للرسائل الإعلامية وله دور إيجابي حيالها، فهو يختار ما يروق له، ووفقا لعدد من الاعتبارات الانتقائية التي تختلف فيما بين الأفراد، ووفقا لوجهة نظرهم وآرائهم واهتماماتهم واستعدادهم السابق ويتجنبوا لما يعارضهم ويختلف معهم، حتى أنهم يفسروا بعض المواد بشكل خاطئ أو يتناسوها عندما لا تتفق معهم.

وكما يقول فرانسيس ج. برجين في كتابه “الإعلام التطبيقي واستخداماته في تطوير الإدارة”  أن الإعلام عملية ذات اتجاهين، لا يشترط فيها أن تبث المعلومات بل أيضا أن يتسلمها المستقبل ويتفهمها، وأن يتصرف أيضا حسب متطلباتها، ولذلك يجب مراعاة الاتصال الصاعد وإلا تولدت مشاعر السخط التي قد تؤدي بعملية اتخاذ القرارات إلى فراغ، وقد لا تجد هذه القرارات قبولا لدى الجمهور([9])، أي وعلى حد وصف خلدون عبد الله في كتابه “الإعلام وعلم النفس” أن هنالك فن يتعلق بتوصيل المعلومة واتقان هذا الفن يحقق هدف السيطرة إعلاميا على الجمهور. ([10])

وربما يمكن تلمس جوانب هذا الفن في أهمية عرض المعلومات بصورة تنفذ إلى العقل وتستأثر بالنفس خصوصاً مع توافر المعلومات علي الانترنت أو في الكتب كيفما تشرح الدكتورة سامية أحمد علي في كتابها “النقد الإعلامي.. المسموع والمرئي” لخصوصية سمت عصر المعلومات سواء على الإنترنت أو في الكتب، وهذا هو التحدي الحقيقي للبرامج الإعلامية للنجاح في إقبال الجمهور عليها أو النفور منها. ([11])

لكن وعلى وجه مغاير لنقد سطوة التأثير الإعلامي، علينا الاعتراف أن طبيعة العصر السريعة والمتنامية عمدت لضعف الخبرة الشخصية للجمهور وهو تعمد على استغلاله وسائل الإعلام عبر إنتاج المعلومات بأدوات تكنولوجية متطورة عبر الإخراج الفني والاستخدام اللغوي الاحترافي لتصبح القوة المهيمنة على الجمهور كيفما تؤكد نتائج بحوث غليم شابير Ghulam Shabir وآخرون المنشورة بمجلة بحوث جنوب آسيا 2011 لتشير لما صار إليه الإعلام من إمكانية التلاعب أو تشويه الصور أو إعادة تشكيل وبناء التصورات في أذهان الجماهير المستهدفة ([12])

وهو ما أثبتته دراسات كريستوفر 1997 Christopher حول ارتباط وسائل الإعلام في هذا العصر تحديداً بتشكيل التصورات الذهنية، عبر استخدام الوسائط لتحقيق أجندتها من خلال أنماط موصى بها كما يقول ميغيس يد دMughees-ud-Din,   1997، وبهذا يصير لوسائل الإعلام القوة المتزايدة التي يحسب لها في تشكيل وإعادة تشكيل أو بناء أو تشويه الصور حتى عن الدول الخارجية أو المجتمعات المحلية، أو الدين أو المذاهب أو اللون أو العقائد أو المجموعات العرقية. ([13])

خصوصاً وأن الجمهور لا يحتك غالبا بهذه البيئات بشكل مباشر مما يفعل استجابته للصور والنماذج التي يبثها الإعلام وفق ما تسرده رسالة الدكتوراه للباحث حماد إبراهيم بكلية الإعلام جامعة القاهرة، وهو نفس ما كان قد ذهب إليه من قبل ولتر ليبمان على نحو قرابة قرن من الزمان بالعام 1922 من أن وسائل الإعلام تساعد في بناء الصورة الذهنية لدي الجماهير، بل وتعمل على تشكيل الرأي العام في القضايا التي تهم المجتمع.

وهو ما يمكن رؤيته بوضوح في معطيات الإعلام بالألفية الثالثة الجديدة، وخصوصا فيما يرتبط بكون وسائل الإعلام هي مصدر المعلومات والناقل للمعلومات بطريقتها الفنية المؤثرة، أو قولبة المعلومات بطريقة تحقق الغرض منها.

وهذه السيطرة الإعلامية يحددها الدكتور قدري علي عبد المجيد في كتابه “الإعلام وحقوق الإنسان.. قضايا فكرية ودراسة تحليلية وميدانية” متفقاً مع إليوت افرامز Elliott Avrams  من قبل، في مرورها بمرحلتين:([14])

أولهما: أن وسائل الإعلام هي المولدة والمصدر للمعلومات.

ثانيهما: أن وسائل الاعلام تقوم بنقل هذه المعلومات.

وهنا نود الإشارة إلى أن المقصد ليس فقط المعلومات المرئية أو الحسية عبر الحواس، بل وتحولها إلى المعلومات الوصفية وهي التي تصف وتفسر وتحلل المعلومات، بحيث يمكننا الحديث عن صناعة كاملة هي صناعة المعلومات التي تعكف على إنتاجها وتسويقها مختلف وسائل الإعلام عبر آلياتها المتطورة ووسائطها المتعددة، وذلك بغية تحقيق الهدف الإعلامي المتخفي منها سواء كان اقتصاديا أو سياسيا أو اجتماعياً أو غير ذلك.


([1]) سعيد شيمي، الصورة السينمائية، من السينما الصامتة إلى الرقمية، ط1(القاهرة: الهيئة العامة لقصور الثقافة، 2013)، ص 417.

([2]) نسيم الخوري، الإعلام العربي وانهيار السلطات اللغوية، رسالة دكتوراه منشورة، (لبنان: مركز دراسات الوحدة العربية، 2005م)، ص ص 438 – 439.

([3]) سارة نصر عبد الباقي، معالجة القضايا المصرية في البرامج السياسية بالقنوات العربية وعلاقتها باتجاهات الجمهور نحو الحكومة، رسالة ماجستير غير منشورة، (جامعة القاهرة: كلية الإعلام: قسم الإذاعة والتليفزيون، 2010)، ص ص94-113.

([4]) سايمون ديورنغ، الدراسات الثقافية .. مقدمة نقدية، ترجمة ممدوح يوسف عمران، (الكويت : المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب – سلسلة عالم المعرفة، يونيو 2015)، ص ص 191، 198.

([5]) Wilbur Schramm & Donald F.Robert, The Process and Effects of Mass Communication (Urbana : University of IIIinois Press,1972), P P 256 – 268.

([6]) حلمي خضر ساري، صورة العرب في الصحافة البريطانية .. دراسة اجتماعية للثبات والتغير في مجمل الصورة، ترجمة عطا عبد الوهاب، رسالة دكتوراه منشورة، ط 1 (لبنان: مركز دراسات الوحدة العربية، 1988م)، ص 178.

([7])عاطف عدلي العبد، نهى عاطف العبد، الإعلام التنموي والتغير الاجتماعي .. الأسس النظرية والنماذج التطبيقية، ط 5 (القاهرة: دار الفكر العربي، 2007م)، ص ص 49 – 50.

([8]) حنان يوسف، الإعلام والسياسة.مقاربة ارتباطية، ط 1 (القاهرة : أطلس للنشر الانتاج الإعلامي، 2006)، ص ص 55-57.

([9]) فرانسيس ج. برجين، الإعلام التطبيقي واستخداماته في تطوير الإدارة، ترجمة : إبراهيم سلامة إبراهيم، (القاهرة : الهيئة المصرية العامة للكتاب: 1995م)، ص  17.

([10]) خلدون عبد الله، الإعلام وعلم النفس، ط 1، (الأردن : دار أسامة للنشر والتوزيع، 2010م)، ص 17

([11]) سامية أحمد على، النقد الإعلامي .. المسموع والمرئي، ط 1، (القاهرة : الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2010م)، ص 19 .

([12]) Ghulam Shabir, Shahzad Ali, Zafar Iqbal, US Mass Media and Image of Afghanistan: Portrayal of Afghanistan by Newsweek and Time, A Research Journal of South Asian Studies Vol. 26, No. 1, January-June 2011, p 88 .

([13]) Ibid ,p, p 88 .

([14]) قدري علي عبد المجيد، الإعلام وحقوق الإنسان .. قضايا فكرية ودراسة تحليلة وميدانية، رسالة دكتوراة منشورة، كلية الإعلام، جامعة القاهرة، الطبعة الأولى (القاهرة: دار الجامعة الجديدة للنشر، 2008م)، ص 121.

العدد الأخير العدد الواحد والعشرون بعد المئة ثقافة وفكر سياسة

عن الكاتب

Avatar

أحمد مصطفى