بوهوميل هرابال: لماذا أكتب؟

Avatar
كتب بواسطة أحمد الزناتي

بوهوميل هرابال (1914-1997) واحد من أبرز أصوات الأدب التشيكي والأوروبي في القرن العشرين. ولد في مدينة برنو التشيكية وانتقلت عائلته إلى مدينة نيمبورك  على نهر إلْبِه  حيث تلقى تعليمه وأمضى سنوات الصبا.           ظهرت تجارب هذه المرحلة في ثلاثيته القصصية «بلدة على شاطئ النهر» (1962) وفي «البلدة التي توقف فيها الزمن» The Town Where Time Stood Still  (1963). لم يُـبدِ هرابال اهتمامًا بالدراسة وفروضها، وبعد إتمام الدراسة الثانوية سنة 1935 انتسب هرابال إلى كلية الحقوق، وصار يحضر في الوقت نفسه محاضرات تاريخ الأدب والفن والفلسفة، ولم يتمكن من إنهاء دراسته حتى عام 1946 بسبب إغلاق الجامعة في فترة الاحتلال النازي لبلده، فعمل في أثناء الحرب في الخطوط الحديدية وفي إحدى شركات التأمين وكبائع متجول، ثم التحق للعمل في معمل لصهر الحديد منذ سنة 1949. وتعرّض في سنة 1953 لحادث مؤلم اضطره إلى الانتقال إلى مستودع لجمع الورق القديم. وقد تجلت تجارب هذه المرحلة في بعض أبرز أعماله القصصية مثل «عزلة صاخبة جداً» Too Loud a Solitude  (1977)، وفي الجزء الأول من سيرته الذاتية الثلاثية «أعراس في البيت» Weddings in the House  (1988)، وفي «خدمتُ ملك إنكلترا»  Served the King of England  (1980).

في السنة الماضية تُرجم إلى اللغة الإنجليزية كتاب يضم الكتابات النثرية الأولى لهرابال المكتوبة بين سنتي 1945 و1952 تحت عنوان Why I write (لماذا أكتب؟)، وهو يضمّ مجموعة من النصوص النثرية التي كتبها هرابال في بواكير حياته وسجّل فيها تجاربه الأولى مع الكتابة الإبداعية ومعاناته، وكشف فيها عن اللحظات التي اكتشف فيها هرابال سحر الكتابة، وعلى الأخص في أثناء الفترة التي حوَّل فيها هرابال تركيزه من الشعر إلى النثر، كما يضمّ الكتاب مجموعة من القصص القصيرة  التي كان يكتبها  في دفاتر المدرسة  أو يتلوها بصوت عالٍ على أصدقائه  أو يُنشرها في ساميزدات [1] ، وعددًا آخـر من “النصوص الخام” بأسلوب من شأنه أن يحدد أعماله اللاحقة. كما يضمّ الكتاب نماذج الشخوص الروائية التي ظهرت في روايات هرابال اللاحقة مثل “عزلة صاخبة جدًا”، و”خدمتُ ملك اسكتلندا” وغيرها. في السطور القادمة نقدّم مقتطفت مما كتبه هرابال عن اللحظات الأولى لاكتشاف عالم الكتابة.

***

حتى بلوغ العشرين لم تكن لدي أدنى فكرة عن ماهية الكتابة ولا الأدب وطالما صادفتني عقبات في تعلّم اللغة التشيكية واضطررتُ إلى إعادة الصفين الأول والرابع، لذا امتدتْ فترة مراهقتي سنتيْن إضافيتيْن. وبعد إتمام  العشرين انهارت خشبة جهلي الصلبة واندفعتُ اندفاعًا متهورًا ناحية الأدب والفن لدرجة تحوّلت فيها القراءة والبحث والدراسة إلى هواية متاصلة.

وحتى اليوم لم تفارقني متعة إعادة قراءة أعمال الكُـتَّــاب الذين سبق وأن طالعتُ أعمالهم إبان شبابي وما زلت أحفظ أعمالهم عن ظهر قلب: أعمال جارجانتوا وبانتارجويل لرابليه ورواية موت بالتقسيط للويس ف. سيلين وأشعار رامبو وبودلير، وحتى اليوم ما أزال أقرأ مُعلمي الأخير شوبنهاور كما أقرأ أعمال رولان بارت.

في سن العشرين كان مصدر إلهامي الحقيقي هو الشاعر جوزيبي أنغاريتي الذي أثار إعجابي لدرجة أنني بدأت في نظم الشعر. وهكذا شرعتُ في أن أخـطو خطوات هادئة فوق طبقة الجليد الرقيقة للكتابة، وكان مصدر القوة المحفزة على مواصلة الكتابة هو البهجة التي كانت تقطر من العبارات المنطلقة من روحي لتسكن أوراق الآلة الكاتبة من نوع  Underwwod، كما هزّتني من الأعماق سلسلة الجُمل المصفوفة أمامي كالبنيان المرصوص، وهو ما دفعني إلى الاحتفاظ بالمذكرات الحميمية والرسائل الغرامية المُرسلة من طرف واحد، وكذلك المونولوجات الموجهة نفسي جنبًا إلى جنب مع المونولوجات الداخلية.

تملّكني إحساس دائم بأن ما أكتبه يخصّني وحدي وأن نجاحي في تسويد الأوراق البيض هـو أمـر مفزع وإن لم يخلُ من شعور بالزهو. وكلما استفسر أصدقاء أمي وجيرانها عن تقدمي في دراسة القانون كانت تتجاهل سؤالهم بقولها:”إن ذهنه مشغول بأشياء أخرى”.

وهكذا مضت الأمور. كنتُ مهووسًا بالكتابة وكنتُ أشبه بشاب في مرحلة الحَمْل، وكانت عطلة نهاية الأسبوع هي الشيء الوحيد الذي أتطلع إليه بفارغ الصبر بعد عودتي إلى “نيمبورك” قادمًا من براج.

 كان مبلغ همي هو الاعتكاف في بقعة هادئة في المكتب المُلحق بمصنع الجعة. في تلك الأثناء كان في وسعي البقاء مدة يومين كامليْن عاكفًا على آلتي الكتابة طراز Underwood، وكان بمقدوري الجلوس إلى الآلة والانتظار ورفع الأصابع عالياً حتى تُـنجِبَ الجملةُ الأولى الجملة التالية.

في بعض الأحيان كنت أنتظرُ ساعة أو أكثر، وفي أحيان ثانية كنت أنطلق في الكتابة بوتيرة سريعة تدفع الآلة الكاتبة إلى التلعثم والتعثّر، كان تدفق العبارات هادرًا. وكان ذلك التدفق هو ما أكَّـد لي “أن الأمور تسير على هذا النحو”.    

كنتُ أكتب ابتغاء المتعة المطلقة لفعل الكتابة وابتغاء ذلك النوع من النشوة التي كانت برغم رصانتها، لم تكن تخلو من علامات تسمّم. كنتُ أكتب وفق قانون التأمل، تأمل وجودي المجنون.

كنتُ ما أزال في الأطوار الأولى لتعلّم الكتابة وكانت كتابتي أقرب إلى تدريبات وتنويعات على ألحان أبولونير وبودلير، وفي وقت لاحق قطعتُ شوطًا في أسلوب “الكلام عن المدينة” مقتفيًا أثـر لويس فيرديناند سيلين، ثم جاء دور إسحاق بابل ومن بعده تشيخوف. علمنّي هؤلاء جميعًا تأمل ذاتي في أثناء الكتابة، لا تأمّل ذاتي وحدها، بل تأمل العالم المحيط  بهدف الاقتراب من نفسي عبر معرفة الآخرين ومعرفة أي مصير ينتظرني.  

ثم اندلعتْ الحرب وأوصدت الجامعات أبوابها وانتهي بي المطاف لأعمل مأمور حركة قطارات، في تلك الفترة اقتحمت حياتي رواية “ناديا” لأندريه بريتون كما اقتحم حياتي البيان السوريالي.

في كل يوم سبت وأحد، وبينما أجلس إلى المكتب المهجور في مصنع الجعة الكائن ببلدة نيمبورك، كنتُ أواصل العمل على تدوين الملاحظات الهامشية حول الأحداث التي وقعت لي أو لغيري، وبرغم امتلائي بالخوف لم يفارقني شعور قوي بالفخر أنني صرت- بفضل عملية الكتابة- شاهدَ عيان ومؤرخاً شاعريًا لويلات الحرب.

 وبعد قضاء سنوات طويلة عاكفًا على الكتابة على آلة Underwood عن كآبة الواقع ووحشيته، أجبرتُ تدريجيًا على التخلي عن مراهقتي.

ثم وضعت الحرب أوزارها فاستأنفت دراستي ونلتُ درجة الدكتوراه في القانون، لكني كنت واقعًا تحت سطوة قانون التأمل الملازم للكتابة، فشغلتُ عددًا من الوظائف ملتمسًا غاية واحدة، لم تكن غايتي الانغماس أو التلطّخ بالأجواء الاجتماعية التي يعيشها البشر وحسب، بل التنصّت إلى ما يقولونه كذلك.

لم تفارقني دهشة مواصلة تدوين الأحداث التي وقعت إليَّ على مدار الأسبوع في المكتب المهجور الكائن في مصنع الجعة حيث يعمل والدي محاسبًا. واصلتُ اللعب بالكلمات على هذا النحو، مملوءًا بشعور أن فتاة سمينة كالأوزة، لكنها حلوة تدلّك صدري، وهو ما أشعرني بالفخر وبمسحة مباركة.

بعدها تبيّن لي أن سنوات التمرين على الكتابة قد آذنت بالانتهاء وأنه يتحتم عليَّ الخروج من مصنع الجعة و هجر ​​الغرف الأربع ومغادرة المدينة الصغيرة التي تجمّد فيها الزمن. وهكذا انتقلتُ إلى مدينة “ليبيه”، حيث سكنتُ غرفة كانت في الأصل ورشة حِدادة، لكني لم أبدأ حياة جديدة وحسب، بل بدأتُ طريقة مختلفة في الكتابة، ثم داومت على السفر يوميًا إلى مدينة “كلادنو” لمدة أربع سنوات، حيث أفران الصهر المفتوحة ومصانع الحديد والصلب التي أحدثت اختلافًا تدريجيًا في طريقة تلاعبي بالجُمل.

لكن الكتابة الذاتية الغنائية ما لبثت أن تحولت شيئًا فشيئًا إلى واقعية محضة، ولم أكد ألاحظ ذلك التحوّل كوني أعمل إلى جوار الحرائق وبيئة مصانع الحديد والصلب القاسية.

وهكذا، وبرغم أنني نزعت نفسي بالمقص من رداء الماضي  بقي المقص بين أصابعي. بدأت في إعمال المقص على جسد ما كتبته، مُطبقًا  تقنية المونتاج السينمائي على نصوصي كما يُفعل في صناعة الأفلام. 

واصلت الكتابة والمقص في يدي واضعًا نصب عيني الوصول إلى اللحظة التي يمكنني فيها تقسيم النص إلى شيء يأخذ بمجامع قلبي، كما يفعل فيلم.

بعدها اشتغلتُ كجامع للأوراق القديمة لإعادة تدويرها، ثم كعامل على خشبة المسرح، متشوفًا بتصميم وثبات إلى أوقات الفراغ وإلى فرصة الكتابة لنفسي وإلى لأصدقائي، وإلى كتابة الـ “ساميزدات”، مثلي مثل أي كاتب حقيقي يحرّر نسخة أصلية وأربع نسخة كربونية.

تحولت إلى كاتب محترف لما أتممتُ الثامنة والأربعين وبدأتُ في نشر كتاب تلو الآخر، وكدتُ أشعر بالمرض مع نشر كل كتاب، إذ كنتُ أقول في نفسي: إنهم ينشرون الآن أشياء طالما اعتقدتُ أنها مخصصة لي ولأصدقائي فقط.  وها قد وصل عدد قُرائي اليوم إلى مئات الآلاف وصاروا يقرؤون أعمالي مثلما يقرؤون صفحات الجرائد الرياضية.

تابعتُ الكتابة بدأبٍ وإصرار حتى أني كنتُ أدرّب نفسي على التفكير عبر النقر على الآلة الكاتبة، كنتُ أنتظر طَوال أسابيع حتى تتراكم الصور في رأسي وحتى يُؤذنَ لي بالجلوس إلى الآلة الكاتبة لسكب الأشياء التي كانت تتدافع للخروج على الصفحات. واصلتُ الكتابة واحُتفي بأعمالي، برغم ذلك كنتُ أشعر بعد كل حفل تكريم أنني مجرد عنـزة أنجبَتْ مجموعة من الماعز الصغيرة.

أجمل ما في الأدب هو ألا أحد  مضطرّ إلى الكتابة.

الآن يمكنني تحمّل رفاهية الكتابة مستخدمًا تقنية ألابريما  Alla Prima [2] بحيث ألجأ إلى مقصّ الحذف بأقل قدر ممكن، والآن بعد أن تقدمت بن السنّ أراني قادرًا على قبول رفاهية كتابة ما أشعر به فقط.

أقول مجددًا: أجمل ما في الأدب هو ألا أحد مضطر لأن يكتب. وماذا عن المعاناة إذن؟ المعاناة مجرد مغامرة يخوضها الإنسان، المعاناة هي الشقوق الأبدية التي تشوب قطع الألماس وفـق تعبير الفيلسوف جابريل مارسيل.


[1] نوع من الكتابة والنشر مارسه المنشقون في الاتحاد السوفييتي ودول الكتلة الشرقية تحديًا للرقابة على الكتابات المعارضة. كانت المطبوعات المحظورة تُكتب باليد وتُمرر من قارئ إلى آخر. وقد كانت هذه الطريقة محفوفة بالخطر، وكان من يُدان بنشر أو تداول مثل هذه المنشورات يواجه عقوبات قاسية (المترجم).

[2]  الرسم الزيتي بتقنية ألابريما (Alla prima) يشيرالمصطلح إلى أحد تقنيات الرسم بحيث يوضع الطلاء دون ترك الطبقات السابقة جافة، بحيث يمكن للفنانين الذين يستخدمون هذه التقنية إنهاء اللوحات غالباً في جلسة واحدة(المترجم).

أدب العدد الأخير العدد الواحد والعشرون بعد المئة

عن الكاتب

Avatar

أحمد الزناتي