في أثر عنايات الزيات

Avatar
كتب بواسطة حمود حمد الشكيلي

قارئ كتاب “في أثر عنايات الزيات” لإيمان مرسال يدرك كم أن الكتابة شقاء وضنى، ومتعة مع المحبين المخلصين لما يقومون به، في القليل النادر يحدث انكسار أحيانًا، يتغلّب عليه عشّاق الكتابة وينتصرون.

من هذه الفكرة يمكن بناء مسار قرائي باعتباره مدخلًا مقبولًا إلى حدٍّ ما، إن لم يكن جيدًا؛ لمقاربة نص ” في أثر عنايات الزيات”.

لم يكتب هذا النصُّ الفاتن في العزلة والصمت، تلك التي يستلذ بها كتّابٌ كثيرون وهم يبنون حياة أشخاص، أيًّا كان هؤلاء، تاريخيين، أم تخيليين بعد أي جذر واقعي مستلهم أو قادم إثر قراءات كثيرة، قراءات لعلها تلهم أفكارنا في يوم شخصية نكتبُ عنها؛ فيتّسع فضاؤها الحياتي على كتاب يمكن تجنيسه أدبيًّا، إنما في الضجيج والصخب والرغبة بالمشاركة مع الآخرين بوسائل عديدة (اتصالات/ إيميلات/ لقاءات/ زيارات/ طلبات/ حوارات..) وبحالات نفسيّة متقلّبة، كل هذا يكشفه النص في مشوار رحلة الكتابة الواقعة زمنيًّا بين (2015- 2019)، أثرٌ يقتفي حياة كاتبة رواية (الحب والصمت) عنايات الزيات، وهذا الأثر السابقُ – الحب والصمت- كتب على النقيض تمامًا من الحالة اللاحقة، فكان ميلاده/ها بالمخاض العسير في الصمت والغربة القاسية، تلك التي عزلت كاتبتها، ليس عن أول ظهور لها أبدًا؛ إنما عن الحياة كلها، بعد أكثر من فشل لم تنتصر عليه (التعليم/ الزواج المبكر/ الإنجاب/ الطلاق/ التجاهل..) وصولًا إلى قرار كسر الروح.

الخلاصة الأولى هنا إن حياة قصيرة متعالقة مع هذا الأثر، والتعالق مصطلح أتى عليه سعيد يقطين في أحد مؤلفاته، يشير إليه بالتعريف أن نصًّا لاحقًا يتعالقُ مع نص سابق. في الحقيقة لم يكن نص رواية “الحب والصمت” وحده السابق، إنما حياة كاتبته مقتفاة أثرها في هذا الكتاب.

قيمة هذا الكتاب تكمن في الرغبة الفنية أدبيًّا والإنسانية حياتيًّا، بدءًا من تفاعل كاتبته مع قصاصة من جريدة، برغبة صادقة وطموح كبير، وصبر تكشفه خمسة وعشرون فصلًا شيّدت حياة الزيات، وليس انتهاء بما سيصل إليه القارئ من أن النص تمكّن من استعادة كاتبة مجهولة، ردّها النصُّ من الغياب إلى الحضور. ما كان لهذا أن يحدث لولا التأمّل والرغبة، تأمل الكاتبة لقصاصة ورقة جريدة الأهرام يناير1967، وليس انتهاء بأفكاره الأولى الصغيرة، تلك التي أشار المتن إليها وهو ينمو متصاعدًا من المألوف العادي إلى الجديد المختلف، من حيث إنه ليس فقط “شجرة نسب أدبية لكاتبة مجهولة ص31″ بل إنه أبعد من السؤال الأخير” هل يجب أن تكون واقعة هدم المقبرة نهاية رحلتي مع عنايات؟”.

يصل القارئ في أن هذا الأثر استطاع بمقدرة أدبية إيصال الرسالة الظاهرة في التعريف بعنايات الزيات، وهو في العمق- كما أشرت سابقًا- أبعد من رسالته الأولى، بل إنه ذكّر الحياة الثقافية باسم لو أنه عاش وأعطى وأحب؛ لترك أثرًا في أكثر من عمل آخر بعد “الحب والصمت”، خاصة مع بدء تكشِّف أجواء مشروع الكتاب الثاني، من هنا أيضًا يمكن بناء مفارقة قرائية، الإشارة إليها تبدو ملفتة ومغرية، تكمن في التضاد بين حياتين من خلال إشارات إلى الأرشيف الشخصي، وهو الجامع بينهما، أشير إلى اهتمام عنايات الزيات بإرشيف” لودفيج كايمر” وإلى إيمان مرسال متفاعلة ومنشغلة بالأرشيف الشخصي الخاص لعنايات الزيات، باستيعابها للثقافي العام في الظرف الزماني والمكاني- لكأنها تبدو- ولو في معادل الفكرة الرمزية متممة لما لم تستطع عنايات الزيات عليه صبرًا في إقبالها على الحياة والنفس والكتابة، باعتبارها – أي الكتابة- مشروع تعويض استبداليّ عمّا غاب من أحلام وأماني.

تجتمع في متن هذا الأثر أجناس أدبية عديدة مخلّفةً أثرًا في ذاكرة قرائه، فيلتقي الأدب رواية ومذكرات بالعلوم والمعارف دراسة وبحثًا، مع النقد بأنواعه المختلفة اجتماعيًّا وثقافيًّا، بل نقد النقد حاضر في تلك المداخلات التي حاورت إيمان فيها عددًا من المقالات والكتب المنشورة لأسماء كتّاب يمكن وصفهم هنا بمجايلي عنايات الزيّات، من أمثال” أنيس منصور/ يوسف السباعي/ محمود أمين العالم..” وفي هذه الفكرة كُتِبَ لهذا الأثر أن يستفيد من بناء روحه الخاصة، ومع تتابع الفكرة ذاتها نقرأ خطابًا من الدرجة الثانية في مواطن فصول متفرقة منه، من ذلك مثلا هذه الصفحات من الكتاب (125- 131).

خلاصة تلك الإشارات العابرة أؤكد أن هذا الكتاب إضافة أدبيّة جميلة بما وفّره من متع تجعل قارئه يدرك قيمة الكتابة وثمنها الباهظ، وهي تسترد حياة مغيّبة من أرشيف السجلّات، ومن الرواة والمقابر والمكان.

أختم أن فكرة تتبع الأثر الواقعي ليست جديدة، كم من مرّة شاركتُ في رحلات اقتفاء مفقودين، متتبعًا ما تركته القدمان على تراب صحراء طفولتي، لعل قارئًا يدرك جيدًا ماذا يعني اقتفاء الأثر؟ هو أن تظل تبحث تحت الشمس، على أن تصل رحلتك إلى واحدة من هذه النهايات، العثور على الغائب حيًّا، أو ميتًا، أو مفقودًا؛ بإعلان وإشهار الغياب والفقد، بعده نكمل ما بقي من العُمر مع المرحلة الأصعب من الحياة، وهي نسيان هذا الغائب، وهذا صعب جدًّا، بل لن يحدث أن ينسى حيٌّ من النبلاء فقيدًا من البشر، كما هو الحال في فكرة هذا الكتاب.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مصدر الصورة: https://2u.pw/YdXwD

أدب الثاني والعشرين بعد المئة العدد الأخير

عن الكاتب

Avatar

حمود حمد الشكيلي