حوار مع جون دوبريه John Dupré عن فلسفة علم الأحياء

Avatar
كتب بواسطة إسماعيل الموساوي

حاورته: تالبسيب راندلا  Talpsepp-Randla[1]

  ترجمة: اسماعيل الموساوي[2]

جون دوبريه أستاذ فلسفة العلوم بجامعة إكستر ومدير Egenis مركز دراسة علوم الحياة. انتخب مؤخرًا رئيسًا لجمعية فلسفة العلوم. تَحَاورت معه تالبسيب- راندلا عن فلسفة علم الأحياء (البيولوجيا).

مرحبا بروفسور. كان هناك العديد من المناقشات حول ماهية مساهمة فلسفة العلم في العلم نفسه. حتى أن بعض العلماء المشهورين زعموا أن الفلسفة لم تساهم في العلم. أنا مهتمة باستراتيجيتك وحججك في هذا الشأن.

   أظن أن أشهر الهجمات على الفلسفة جاءت من علماء الفيزياء، وسأترك فلاسفة الفيزياء للرد على هؤلاء. كما علّمنا الفيلسوف توماس كون بشكل صحيح، أظن أن عددًا كبيرًا من العلماء يقومون بعمل روتيني نسبيًا في نموذج راسخ بعينه، وليس لديهم اهتمام كبير بالقضايا التأسيسية بشكل عام، أو الفلسفة على وجه الخصوص. أظن أن علماء الأحياء أيضًا غير مبالين بالفلسفة. أقلية صغيرة لكنها مؤثرة أظن أن فلسفة علم الأحياء كانت مهمة لعلومهم. ومهمة جداً لتطور هذا المجال، ومن بين هؤلاء كانت هناك شخصيات عظيمة كإرنست ماير وريتشارد ليونتين. قضى العديد من فلاسفة علم الأحياء البارزين في السبعينيات والثمانينيات (وإن لم أكن أنا) وقتًا في مختبر ليوانتين. ومن بين علماء الأحياء البارزين الآخرين الذين اهتموا بالقضايا الفلسفية والتفاعل مع الفلاسفة دينيس نوبل، وسكوت جيلبرت، وفورد دوليتل.

   في هذه المرحلة من مسيرتي المهنية، أجد أهمية علم الأحياء للفلسفة واضحة جدًا. إن الحياة بشكل عام، والحياة الإنسانية على وجه الخصوص هي بالتأكيد موضوعات مركزية ذات اهتمام فلسفي يمكن أن تستفيد فقط من الاهتمام بالمعرفة العلمية التي تم اكتسابها عنها. ربما لا يكون ما يمكن أن يساهم به الفلاسفة في علم الأحياء واضحًا جدًا. ربما يستطيع معظم علماء الأحياء فعل ذلك في أعمالهم بشكل جيد للغاية دون معالجة العديد من الأسئلة الفلسفية.

    إحدى الإجابات التي يتردد صداها مع تجربتي الخاصة هي أنه في حين يُطلب من العلماء مهنيًا النظر بعمق في أسئلة محددة جدًا، يتمتع الفلاسفة بامتياز على نطاق أوسع بكثير، وإن كان بسيطاً. يمكّنهم هذا أحيانًا من رؤية النقاط التي تحتاج فيها المشاريع العلمية المتميزة إلى التواصل مع بعضها البعض. أرى قدرًا كبيرًا من عملي بهذه الطريقة. لقد شاركت مؤخرًا في تنظيم لقاء مشترك مثير جداً بين الجمعية الملكية والأكاديمية البريطانية، وأكاديميات المملكة المتحدة الرائدة في مجال العلوم الطبيعية والعلوم الاجتماعية والإنسانية على التوالي، حول وضع النظرية التطورية في ضوء الأبحاث الحديثة في المجالات مثل البناء المتخصص وعلم التخلق والتعايش. من بين أمور أخرى، لفت هذا الانتباه- كما أطمح- إلى قيمة الجمع بين التجربة البسيطة والعميقة في العلوم مع وجهات نظر أوسع وأكثر شمولية من العلوم الإنسانية. أو في سياق نقدي، لقد جادلت بأن علماء النفس التطوريين فشلوا في مواكبة التطورات في نظرية التطور التي تجعل الكثير مما يقولونه إشكاليًا للغاية.

    أعتقد أنه لا يوجد حد فاصل بين الانضباط العلمي النظري وفلسفة هذا التخصص. على سبيل المثال فلسفة الفيزياء والفيزياء النظرية. تتضمن العديد من الاكتشافات العلمية “براديغم- التغير” تغيير بعض الطرق الأساسية التي نرى بها جوانب مهمة من العالم، لذلك ربما ينبغي اعتبار هذه الاكتشافات “ميتافيزيقية” بالإضافة إلى كونها “علميةً. ما هو موقفك من هذا؟

    أنا أوافق بالتأكيد على أن هذين الجانبين- إذا كانا هناك معاً فعلا-!  مترابطين بشكل وثيق؛ لكنني أميل إلى الاعتقاد بأن هناك أقسامًا مهمة للإشغال والتجربة. يتمتع العلماء والفلاسفة بنهج مختلف تمامًا وعادة ما يكون لديهم تجربة فكرية مختلفة جدًا. أود أن أقول إن هذا كان سببًا مهماً في الحوار مع بعضهم البعض. لكنني أتفق بالتأكيد على أن التحولات النظرية الكبرى غالبًا ما تكون فلسفية بقدر ما هي تجريبية.

هل ستكون مستعدًا لدعوتك إلى علم الأحياء النظري؟ 

حسنًا، أفضل أن يقرر علماء الأحياء ما إذا كانوا سيتصلون بي، فهم يفعلون ذلك أحيانًا، وأنا سعيد جدًا بشكل عام عندما يفعلون ذلك. على الرغم من ذلك، أود أن أقول إن معظم أعمالي تهدف بالتأكيد إلى فلسفة علم الأحياء (البيولوجيا)؛ وكما ذكرت، على الرغم من أن العلماء والفلاسفة غالبًا ما يهتمون بالأسئلة نفسها، إلا أن هناك اختلافات مهمة في المقاربات والمهارات التي من المحتمل أن يطرحوها على هذه الأسئلة.

هل تظنّ أن الشخصية الأكثر شهرة في علم الأحياء، تشارلز داروين، كان أكثر من عالم طبيعي، أو فيلسوف طبيعي، أو هو يجمع بين الاثنين معًا؟

    “فيلسوف طبيعي” هو مصطلح جميل فقدنا منه الكثير إلى حد ما، وأظن أنه سيلائم داروين جيدًا. ومع ذلك، أود أن أقول إنه على الرغم من وجود أفكار ثورية كان لها بلا شك تأثيرات عميقة على الفلسفة، إلا أن هناك جوانب متعددة ينتمي من خلالها إلى فئة العلماء. ربما يمكننا أن نركز كثيرًا على أصل الأنواع ونسب الإنسان، فلا نركز بشكل كافٍ على عمله، على سبيل المثال، في التلقيح أو ديدان الأرض. يُظهر هذا العمل العناية الكبيرة والمثابرة والبراعة التجريبية التي هي إلى حد كبير من خصائص العلماء وليس الفلاسفة. لكنه بالتأكيد فكر بعمق في هذه الآثار المترتبة على كل هذا العمل العلمي المفصل، لذلك سأكون سعيدًا باستخدام أي من التسميات التي اقترحتها أو كلها.

     لقد قدمت مساهمة كبيرة في العديد من الموضوعات في فلسفة علم الأحياء، ولكن هناك القليل من الموضوعات التي أود أن أسأل عنها بشكل خاص. أولاً، أحد المفاهيم التي تحدث عنها وهو الواقعية المختلطة/المتداخلة. هل يمكن أن تخبرنا بإيجاز ما هو؟

    كانت “الواقعية المختلطة/المتداخلة ‘Promiscuous realism’ ” فكرة انبثقت عن عملي المبكر جدًا في علم التصنيف. لقد بدأت في الواقع كرد على فكرة الفيلسوف التحليلي هيلاري بوتنام والذي كان شديد التأثير في السبعينيات والثمانينيات. كان بوتنام مهتمًا بمصدر المصطلحات العامة، وخاصة ما يسمى بمصطلحات “النوع الطبيعي” الكلمات التي نستخدمها للدلالة على لأشياء الموجودة بشكل طبيعي كأفراد. اقترح أن المصطلحات الطبيعية في لغتنا اليومية، على سبيل المثال أسماءنا لأنواع الحيوانات والنباتات، كانت تهدف إلى الإشارة إلى الأنواع الطبيعية الحقيقية، الطبيعة الحقيقية أو جوهر الأشياء التي سيكتشفها العلم في النهاية. لذلك، من المعروف أن العلماء اكتشفوا في النهاية أن الماء هو H2O، وهذا ما ملأ نوعًا من الفراغ في معنى مصطلح “الماء”.

   على كل حال، لقد اقترح بوتنام في علم الأحياء، أن هناك فراغًا مشابهًا في مصطلحات مثل “النمر” أو “الليمون” سيتم ملؤه في النهاية بمعرفة علم الوراثة. بدا هذا خطأ بالنسبة لي، على الأقل بالنسبة لعناصر معينة. العلاقات بين المصطلحات البيولوجية المهنية للأنواع البيولوجية وتلك المصطلحات الأكثر شيوعًا، أو المستخدمة من قبل الخبراء غير العلميين مثل البستانيين أو الحِرَاجين، بدت لي أكثر تعقيدًا من هذا. وبالفعل أكد القليل من الاستكشاف الدقيق أنه ليس فقط عدم التوافق بين المفردات العلمية وغير العلمية، ولكن أيضًا أنه كانت هناك في كثير من الأحيان أسباب وجيهة للطرق التي قسّم بها غير العلماء مفردات العالم الطبيعي. بدا لي أن التصنيفات يجب أن تكون مفهومة ومبررة من حيث أغراض التصنيفات؛ ولم تكن الأغراض (المتنوعة) للعلماء هي نفس أغراض الصيادين أو الحِراجين أو النجارين.

    لم تكن هذه هي المرة الأولى التي يخطر ببال أي شخص مثل هذه الفكرة بالطبع. حيث كانت الواقعية المختلطة/المتداخلة خارجة عن المألوف إلى حد ما في “الواقعية”. بشكل عام، يتماشى التصنيف النسبي مع فكرة أن التصنيف هو نشاط اجتماعي إلى حد كبير، مما يخلق نظامًا نفرضه على العالم. على العكس من ذلك، بدا لي أن التصنيفات المختلفة احترمت بالفعل السمات الحقيقية للعالم، وأن هذه السمات جعلت تصنيفاتنا إما جيدة أو غير مناسبة لأهدافنا اعتمادًا على الغاية. عندما بدأت لاحقًا في وصف العالم بأنه “مضطرب”، جادلت أيضًا بأن هناك العديد من الخيوط النظامية المتشابكة والمتفاعلة داخل هذا الاضطراب أو بالخارج منه. تتناقض هذه الفكرة بشدة، بالطبع، مع الافتراض الذي لا يزال سائدًا على نطاق واسع بأن العالم لديه مساحة لمجموعة واحدة فريدة من القوانين وتقسيم الأنواع التي تحكمها. قد يُفهم الكثير من مسيرتي الفلسفية اللاحقة على أنها متابعة للنتائج المترتبة على فكرتي المعارضة.

هل تعتقد أنه إذا تبنى علماء الأحياء وغيرهم الواقعية المختلطة/المتداخلة، فإن هذا سيؤثر بشيء ما أو بطريقة ما في “صنع العلم الحقيقي”؟

من المؤكد أنه قد يكون له تأثير على العلم الذي يتناوله بشكل مباشر، وعلى النظاميات الحيوية systematics، وكما سيعرف قراء كتاب ديفيد هال الرائع، العلم كعملية (1990) Science as a Process، فإن المناقشات بين مؤيدي المدارس المختلفة للتصنيف يمكن أن تكون حادة وشرسة كذلك. من الصعب أن نتصور أنها سوف تستمر على هذا النحو إذا اتفقوا على أنه لا توجد طريقة واحدة صحيحة لتصنيف الكائنات الحية.

   كان هناك بعض النقاش، بما في ذلك أحيانًا في المجلات العلمية، حول تطبيق الواقعية المختلطة/المتداخلة في مجالات أخرى، بما في ذلك الطب والاقتصاد والطب النفسي. لقد تمت مناقشته فيما يتعلق أيضًا بالعلوم الفيزيائية مثل الكيمياء وعلم الفلك، ولكن هنا بشكل رئيسي من قبل الفلاسفة. ومع ذلك، لست متأكدًا من أن هذا هو نوع الأطروحة ذات الصلة جدًا بالممارسة اليومية للعلم، والتي تنتمي بدلاً من ذلك إلى مناقشات أوسع حول الصلاحية المحتملة للمنهجيات المتنوعة.

    قد أذكر أنني أُعدُّ أحد أهم أنصار هذا الموقف خارج فلسفة العلم ليدخل ضمن أجزاء أخرى من الفلسفة. لا يزال الفلاسفة من خارج فلسفة العلم يميلون إلى التفكير كثيرًا فيما يتعلق بمجموعة فريدة من الأنواع الطبيعية والقوانين التي تحدد سلوكهم. يمكن أن يكون لهذا آثار ضارة في العديد من مجالات الفلسفة، وبالأخص فلسفة العقل.

    في عام 2018، نشرت مطبعة جامعة أكسفورد كتابًا تم تحريره بواسطتك أنت ودانيال نيكلسون بعنوان “كل شيء يتدفق: نحو فلسفة عملية في علم الأحياء”. ما هي البيولوجيا القائمة على العمليات، وكيف تؤثر على فهمنا للكائنات الحية؟

  إن عامل الجذب الرئيسي لبيولوجيا العمليات بالنسبة لي هو أنه يمكن أن يقدم تفسيرًا أعمق للواقعية المختلطة/المتداخلة. في عالم الأشياء الذي افترضه معظم الفلاسفة حيث الأشياء الكبيرة مثل الكائنات الحية هي هياكل وأشكال لأشياء صغيرة على سبيل المثال الأعضاء والخلايا والجزيئات، وفي النهاية، تعد تعددية الجسيمات دون الذرية مجرد احتمال عرضي. ربما تكون الأشياء قد سقطت تمامًا في الأنواع الطبيعية، لكونها محددة بجوهرها الحقيقي، ولكن حدث عدم القيام بذلك. ومع ذلك، في عالم العمليات، الأمور مختلفة. تصنيفاتنا المألوفة هي أوصاف ثابتة، قائمة بالخصائص التي يمتلكها الشيء إذا كان عضوًا من نوع معين؛ ولكن في عالم العمليات، لا يمكن لهذه الخصائص إلا أن تعكس مقطعًا عرضيًا لحظيًا عبر عالم في تدفق مستمر.

    بدءًا من العمليات على نطاق زمني تطوري معين، فإن السلالات المتطورة هي بالطبع عمليات فريدة وعمليات ليس لها مسار محدد مسبقًا. مكونات هذه السلالات المتطورة هي كائنات فردية. هذه الكائنات، كما نفهمها الآن، تُظهر درجة عالية من المرونة التطورية ذاتها، أي أنها أيضًا لا تتبع مسارًا محددًا سلفاً في تطورها. إذن فالنوع عبارة عن مجموعة من العمليات المتغيرة التي تتفاعل لتوليد عملية ذات مسار يتغير بشكل غير متوقع، جزئيًا واستجابةً للأنشطة غير المتوقعة للكائنات ذاتها. أخيرًا، والأهم من ذلك أن هذه السلالات بعيدة كل البعد على أن تكون مستقلة عن بعضها البعض. تخبرنا الشمولية القريبة للتكافل في علم الأحياء أن الأدمغة متشابكة بشدة في العلاقات الحيوية، ولكنها متطورة مع الأنساب الأخرى. يصل تشابك العمليات أحيانًا إلى نقطة نعتبر من خلالها الكل عملية واحدة. باختصار، العالم الذي يتألف من عمليات دائمة التطور ومتشابكة باستمرار، ليس العالم الذي سيوفر مجموعة مميزة واحدة من الأوصاف للعناصر المكونة له. يصبح المنظور التعددي أو الواقعي المختلط/المتداخل ضروريًا لأي فهم متماسك للعالم الفعلي.

    نهجك التعددي للتصنيف يتعلق أيضا بالإنسان. هذه هي واحدة من القضايا التي توضح لماذا فلسفة علم الأحياء لها صلة بخارج تخصصات البيولوجيا والفلسفة. ما هي بعض الآثار المترتبة على هذا المنطق التعددي فيما يتعلق بالفئات الإنسانية؟

   كما يمكن أن تكون المناقشات في العلوم الإنسانية على سبيل المثال حول العلاقات بين علم الوراثة والتطور والثقافة أكثر إنتاجية إذا أمكن تجنب الميل إلى افتراض أن هناك طريقة واحدة صحيحة لوصف الظواهر. ومن الأمثلة الواضحة بشكل خاص قضية العرق. إذا كان من المفهوم بشكل عام أن الأنواع البشرية تشمل أنماطًا متداخلة ومتقاطعة متعددة من الاختلاف فيما يتعلق بالثقافة والنمط الوراثي والنمط الظاهري، فسيكون من الصعب الدفاع عن أي فكرة عن العرق، والتي ترى أننا نشكل أنواعًا طبيعية مميزة مع هذه الأنواع. ذات خصائص أساسية. لكن كما توضح هذه القضية، أميل إلى الاعتقاد بأن الواقعية المختلطة/المتداخلة هي من نواح كثيرة أكثر عند المشتغلين بالعلم دون التقليل من أهميتها عند الفلاسفة!  وعند المنتجين للعلم. يعمل معظم العلماء بشكل مريح ضمن مجموعة من الفئات المصممة خصيصًا لأسئلتهم واهتماماتهم، وربما لا يفكرون كثيرًا فيما إذا كانت هذه الفئات تتكيف جيدًا مع هذه الاهتمامات المختلفة تمامًا. لكن العلماء المهتمين بموضوع مثل الارتباطات بين المتغيرات الجينية التي تتخلص من الأمراض والأصل الجغرافي، على سبيل المثال، يحتاجون إلى أن يكونوا أكثر وعياً بأن النتائج التي توصلوا إليها من المرجح أن تُفسر على أنها دعم لبنية عمل فكري عنصري بشكل عام للأفكار.

   أود أن أتطرق إلى موضوع آخر يوضح كيف تجد فلسفة علم الأحياء طريقها إلى قضايا اجتماعية أوسع.علم النفس التطوري هو اتجاه شائع يستدعي النظرية التطورية عند شرح أو تبرير السمات السلوكية البشرية المختلفة، من الاختلاط والتداخل الزوجي إلى المواقف تجاه اللاجئين أثناء أزمات الهجرة. إلى أي مدى يمكننا اللجوء إلى التفسيرات التطورية في هذا النوع من هذا السياق، وإلى أي مدى ينبغي أن نظل متشككين؟

بشكل عام، هذا مجال دافعت فيه لفترة طويلة على التشكيك.  يجب القول أن هناك- من وجهة نظري- الكثير من العلوم السيئة جدًا التي يتم تطبيقها هنا. لقد جادلت لسنوات عديدة في ذلك بإن علم النفس التطوري الذي يفهم السلوك البشري المعاصر من حيث الوحدات العقلية التي تطورت في العصر الحجري يستند إلى وجهة نظر عفا عليها الزمن ولا يمكن الدفاع عنها للتطور. ولا يزال الكثير من الجينات السلوكية يفترض وجود علاقة بين التركيب الجيني (التركيب الجيني الخاص بك) والنمط الظاهري (خصائصك) التي تم دحضها بالكامل من خلال العمل الأخير في علم الوراثة.

مرة أخرى، يغدو كل هذا أكثر وضوحًا من وجهة نظر ترى الكائنات الحية، والبشر على وجه الخصوص، على أنها عمليات تطوير عالية للكائن بدلاً من الأشياء ذات مجموعة ثابتة من الخصائص الأساسية.  تعتمد عملية التطور البشري على مجموعة متنوعة من العوامل من بينها الجينوم، على الرغم من أهميته، ليس له امتياز خاص. علاوة على ذلك، فإن العديد من التأثيرات الخارجية الحيوية متغيرة بدرجة كبيرة بين الثقافات والمراحل التاريخية، وهي عرضة للتغيير المستمر، جزئيًا نتيجة لعمل بشري مقصود. إن الفكرة المؤثرة بشكل متزايد حول البناء المتخصص في علم الأحياء التطوري مفيدة للغاية في هذا السياق. فالبشر هم الذي يساهمون في التطور، حيث يتطورون في بيئة معقدة للغاية في المدن والمدارس والمستشفيات وغير ذلك الكثير مما يعكس أجيالًا عديدة من النشاط البشري المكثف. لنفترض أن أنواع السمات السلوكية التي ذكرتها يجب فهمها فقط من حيث الجينات المختارة في حقبة بعيدة، تتجاهل هذه التأثيرات الحاسمة بطريقة تجعل التفسيرات محاولة عديمة الجدوى إلى حد كبير.


[1]  إديت تالبسيب راندلا زميل باحث في فلسفة العلوم بجامعة تارتو، إستونيا. حصلت على درجة الدكتوراه عام 2013 من جامعة بريستول، وتخصصت في فلسفة علم الأحياء.

[2]  باحث وكاتب في الفلسفة والعلم من المغرب.

العدد الأخير العدد الثالث والعشرين بعد المئة ثقافة وفكر

عن الكاتب

Avatar

إسماعيل الموساوي