شعرية الفضاء في رواية نوميديا، “إغرم” أنموذجا.

Avatar
كتب بواسطة يوسف المرحمي

     لعل ما يميز الرواية، ذلك الفضاء الذي تدور فيه الأحداث، وتتخذها الشخصيات ميدانا لحركاتها وسكناتها. فبالرغم من تعدد مداخل الرواية من دراسة الشخوص، والزمان، وتعدد الأصوات، والعتبات … وغيرها؛ إلا أن مكون الفضاء يعد العنصر الأساس في بناء الرواية، فالفضاء يوازي الأحداث، كونه يخدم حياة الشخصيات الشعورية واللاشعورية، وسواء كان فضاء حقيقيا أو متخيلا. لذلك يصعب الحديث عن مفهوم الفضاء، نظرا لعموميته وتشعبه، حتى أن الأبحاث والدراسات التي تناولَتْهُ حَصرت مفهومه في مجموعة من التصورات، ولذلك فهي لم تعطِ أي مفهوم محدد للفضاء. ويؤكد حميد لحمداني هذا القول في كتابه بنية النص السردي أن “الأبحاث المتعلقة بدراسة الفضاء في الحكي تعتبر حديثة العهد، ومن الجدير بالذكر أنها لم تتطور بعد لتؤلف نظرية متكاملة عن الفضاء الحكائي”.(1) مما يدل على أن عناصر هذا المكون، يشوبها شيء من الغموض والاضطراب، نظرا لشموليته واتساع مناحيه، وتزداد حدة هذه الشمولية بوجود علاقات تتحدد انطلاقا من جوانب أخرى، معناه؛ أن الفضاء يتسع ليشمل جغرافية المكان، إلى أن يشمل أيضا ذهنية الشخوص الروائية. لذلك؛ فجل الدراسات لا تقدم تصورا واحدا للفضاء، مما حذا بحميد لحمداني تلخيص كل التصورات حول الفضاء فيما يلي: الفضاء كمعادل للمكان: الذي يفهم على أنه الحيز المكاني في الرواية أو الحكي عامة ويطلق عليه عادة الفضاء الجغرافي.(2) _ الفضاء النصي: ويقصد به الحيز الذي تشغله الكتابة ذاتها على مساحة الورق.(3) _ الفضاء الدلالي: وهو فضاء له صلة بالصورة المجازية وما لها من أبعاد دلالية، مما يعني أن هذا النوع ليس ماديا بل إنه صورة أي الصورة المجازية للفضاء، وفي هذا الصدد يشير جرار جنيت إلى أن الصورة هي في الوقت نفسه الشكل الذي يتخذه الفضاء، وهي الشيء الذي تهب اللغة نفسها له، بل إنها رمز فَضَائِيَّةِ اللغة الأدبية في علاقتها بالمعنى”.(4) _ الفضاء كمنظور أو كرؤية: ويشير هنا إلى الطريقة التي يستطيع الراوي الكاتب بواسطتها أن يهيمن على عالَمِه الحكائي، بما فيها من أبطال يتحركون على واجهة تشبه واجهة الخشبة في المسرح.(5)

     وغير بعيد من هذا التصنيف،” فإن الفضاء الروائي مثل كل فضاء فني ينبني في تجربته الجمالية، بما يعني ذلك من بعد أو انزياح من مجموع المعطيات الحسية المباشرة، أي إن مجاله هو حقل الذاكرة والمتخيل”.

ومن خلال ما تقدم يمكن القول، إن الفضاء بحسب بعده المادي يتميز بتحديدٍ هندسيٍّ، ومختلفِ ما يشتمل عليه من مواد ملموسة، ثم شكله أو صورته كما يتجسد بحس الرؤية الفزيائية. وليس الشكل الذي يتبادر إلى أذهاننا كأنه مكان تدور فيه أحداث الرواية، ولكنه فضاء يشتمل على مجموعة من الأمكنة التي تقوم عليها الحركة الروائية. أضف إلى ذلك أن وجود أماكن عديدة ضمن فضاء معين يزيد من قوة الأحداث واتساعها أو تقلصها، التي بدورها تأخذ مجراها وفق الأمكنة التي تدور فيها، مما يعني أن تعددية الأماكن رهين بتقدم الأحداث واستمرارها.

     ويحاول حسن نجمي في كتابه “شعرية الفضاء السردي”، أن يميز بين المكان والفضاء، معتبرا إياه ضروريا، فالحديث عن المكان يجرنا بالضرورة إلى ربطه داخل العمل السردي بالوصف، هذا الأخير الذي يحضر في غياب السرد أو الحوار. وقد أشرت سابقا  أن تطور الأحداث مرتبط بتعددية الأمكنة، لذلك فهذه الأماكن كلها تنضوي تحت ما نسميه “الفضاء”. يقول حسن نجمي:” إن مجموع هذه الأمكنة هو ما يبدو منطقيا أن نطلق عليه اسم: فضاء الرواية، لأن الفضاء أشمل، وأوسع من معنى المكان. والمكان بهذا المعنى هو مكون الفضاء“. (6)

     بناء على ذلك، يمكن القول إن الفضاء مدخل روائي يتميز ببعدٍ مادي محدد، وأيضا ببنية من العلاقات التي يتميز بها ضمن هذا البعد، وببعد تخييلي يُضفي على البعد المادي وعلى العلاقات البنيوية ظلالا لا سمة لها، في مستوى الواقع المباشر. وإذا كان هذا البعد المادي هو ما يميّز الفضاء، فإن فضاء “إغرم” في رواية نوميديا _كونه خاضع لهذا البعد_ من الأفضية التي استحوذت على أحداث رواية نوميديا، وعليه فإن فضاء إغرم هو الذي سيتحرك فيه السرد ويمارس ضمنه فعاليته.

      إن فضاء إغرم فضاء أمازيغي بالمغرب، وعريق في القِدم، مجتمع محافظ، ويعيش في عزلة، كعزلة من على شاكلته في أعالي الجبال، معنى هذا أن الفضاء ذو هوية خاصة وتقاليد وأعراف تميزه عن المناطق الأخرى داخل المغرب. بالإضافة إلى الحياة اليومية التي تسود إغرم والتي عادةً لا تتغير. هذا ما يمكن أن أرسم به صورة “إغرم” من داخلها كبعد مادي ملموس، ضمن أمة بشرية واقعية أو خرافية، مادية أو متخيلة. أضف إلى ذلك ما يتمم فضاء “إغرم” من أمكنة عديدة لها دلالتها وسماتها، ساهمت وبشكل كبير في تطور أحداث الرواية من خلال العلاقة التي تجسدها هاته الأمكنة ب”إغرم”، وهي ما سأسميها بإغرم الخارجية، المتمثلة في الوادي و الحقول و المضيق الجبلي، أما العلاقات الداخلية فهي التي تحدد كينونة إغرم الأمازيغية.

يبدأ الراوي روايته بطرح معالم الفضاء الذي سيتم فيه السرد وهي “إغرم ” تتضح جلية في المقطع الأول من الرواية:” كنت أعلم أنني أقترف بعودتي المجنونة إلى هذه القرية خطأ فادحا … في إغرم هذه القرية الغريبة الجملية سيشتعل فتيل الذاكرة” (7) هنا بصدد فضاء مادي ملموس يصفه الراوي بلفظتين شبه متقابلتين وهو التعارض الذي سيأتي فيما بعد. إغرم الغريبة بصمتها بتنظيمها المتماسك، والغريبة بسكانها الكادحين، وهي إغرم الجميلة بواديها وعبق أزيرها وعرعارها، وبنيانها المتراص الذي لا يفهمه إلا من عاش تحت سقفه، ويعبر عن ذلك طارق بكاري بقوله:” ما أجمل تلك المنازل الصفراء الواقفة والمتعانقة التي تسيل من أعلى الهضبة إلى أسفلها في فوضى لا يفهم نظامها إلا أهلها“. ففضاء إغرم يوحي بأكثر من دلالات وإيحاءات، كما أنه قادر على كشف الحياة اللاشعورية للبطل أو الشخصية بصفة عامة. وتكاد إغرم أن تلخص لنا الهوية والثقافة الأمازيغيتين، لذلك فإن إغرم يتميز بفضاء خارجي يمارس فيه السارد مغامراته. فلا يمكن الحديث عن القرية إلا بوجود عناصر أخرى (الوادي، الجبل والحقول…) وفضاء داخلي يتصدى لكل هذه المغامرات، وهذا الفضاء هو الذي يسعى من خلاله السارد إلى أن يكسب اعترافه به، ويتمثل أساسا في تلك الأمة البشرية، وما يرافقها من عادات وتقاليد وأعراف، غادرها السارد منذ نعومة أظافره ليعود إليها بعد سنين خلت، ليجدها كما كانت. مما يدل على أننا أمام مجتمع محافظ، لم يغير فيه الزمن شيئا، مما يؤشر على أن الهوية والثقافة الأمازيغيتين، مهما مرَّ عليها الزمان فلن يتغيرا، وبالتالي فإن الأمر الذي يسعى إليه السارد (مراد الوعل) هو اختلاقه هذه الهوية، باحثا عن كينونته المجتمعية والانتماء الوجداني. ففضاء “إغرم” كفضاء روائي يمنح للسارد حيزا واسعا لتطور الأحداث، وتخوِّل له أمر التنقل في العديد من الأمكنة، فهذه المساحة هي أهم ما يميز فضاء إغرم، فيكون بذلك مسرحا لتشخيص هذه الأحداث. وفي إغرم توجد الطبيعة الساحرة، يوجد الوادي كما يوجد المضيق الجبلي، وحقولٌ وتلة عرعارٍ وأزيرٌ تفوح منه روائح ساحرة، يقول طارق بكاري:” وقبل أن نذوب في الفضاءات اللامتناهية لإغرم … طفنا القرية، ومررنا من حقولها، وعبرنا من أزقتها إلى مختلف مزاراتها، انتهى بنا الأمر إلى المضيق الجبلي”…أي دلالات تقدمها هذه الفضاءات إذن؟ إنها فضاءات إغرم الخارجية التي تحضر بشكل متوازي مع الفضاءات الداخلية، وبالطبع هناك ما يفسر حضورها، فإذا تأملنا الأحداث التي تدور فيها، نجدها مجموعة من الأمكنة يفرّ إليها مراد الوعل ليخلّص نفسه من صمت الفضاء الداخلي. والواقع أن إغرم كما يعرضُه الكاتب يحمل مجموعة من المعاني الوصفية التي تتشكل بداخلها وتضمينها النسيج الدلالي لبنيته المكانية، وتعطيه امتداده الرمزي، والإيديولوجي المرتبط بالقيم التي يحتضنها إغرم كفضاء له خصوصياته. وتظهر هذه الدلالات كلما تعددت قراءات هذا النص، كما أن وجود الوادي _الماء_ والطبيعة والحقول والأزير والعرعار,,, ينطق هنا بأكثر من دلالة واستحضارها يتجاوز الموقع الرمزي إلى ما هو أشمل من المعاني والإيحاءات، وبما أن السارد يبحث عن هويته، فإنه يحاول أن يجسد لنا مكونات المجتمع الأمازيغي الذي يحيى بهذه العلاقة، وهذه العلاقة هي التي تصور لنا إغرم كاملة مكتملة. يقول: “تعد هذه القرية سيدة في أوج بهائها…هكذا تفتعل إغرم هدوء ملكة في عرشها الأخضر”. ويقول أيضا:” وأنا أرى إغرم مجللة بعبق سحري خفي”. أمَّا الآخر فيصور القرية في صورة تغرس في القارئ فضولا، لمعرفة أسرار هذه القرية، تقول جوليا على لسان السارد:” ذلك اليوم الذي يغادر فيه مملكة إغرم”. ثم يقول:” القرية هناك ممددة كعنقود من العنب يستريح فوق الهضبة”. والواقع أننا نظن أن هذا الوصف وبهذه القوة له ما يفسره: منها جعل القارئ يطن أن هذه القرية حقيقية وهو ما يثير الفضول في النبش عنها، ثم إن هذا الوصف يعبر عن حقيقة وهي العناية والاهتمام بالهوية الأمازيغية كما أسلفت الذكر. بالإضافة إلى الوظيفة الجمالية، وهي الأسمى فيما أعتقد، من أجل إضفاء الجمالية على الفضاء الذي تدور فيه الأحداث.

وإذا كان فضاء إغرم قرية السارد الفاضلة (ص99) على حد تعبيره، فلماذا يضعنا أمام حقلين متعارضين في حديثه عن هذا الفضاء؟ تارة يمجد القرية ويمدحها ويفخر بها، “إغرم يا جميلتي أرض البدايات، هي أمي الوحيدة الجديرة بأن أناديها أمي، وإن تخلت عني ونسيتني” وتارة يذمها ويبخسها في قوله: “تواصل لعبتها مع الغرباء تتورط في كل شيء وتبقى على الحياد في الوقت نفسه” وقوله:”إغرم متكبرة كإناث الوعول وغامضة كنوميديا لا تبالي بالقادمين إليها ولا بالهاربين منها”. هذه الثنائية كما يصورها السارد اتصال وانفصال، وأظن أن النفور الذي يصيب إغرم تجاه السارد يحضر حينما يستحضر هذا الأخير نزيف ذاكرته، وهو الماضي الذي واجهه بمرارة، وكلما حضرت الذاكرة في السرد، إلا وحضرت معها خيبة الأمل لدى السارد. ثم يمدحها عندما يستشرف الحاضر والمستقبل، بحثا عن ضالته. وحضور الذاكرة يسائل من خلالها إغرم دون أية إجابة، فأعدُّ ذلك صمتا يزيد من تعميق جراحه. إننا أمام ثنائية الألم والأمل، ألم رافقه منذ ولادته ساعيا إلى أن يجد مهربا منه، وهو يستحضر هذه الجراح لا يفوته التفاؤل. وأمل في الخلاص من شبح الماضي، وكأنه بهذه الثنائية يعطي مصداقية لحياة مراد الوعل البئيسة. وهو يتحدث عن إغرم، يشركها معه في السرد ويضفي عليها صفة النطق، أو ما يمكن أن نعبر عنه بأنسنة إغرم، فإعطاء صفة الكلام لهذا الفضاء لم يكن اعتباطيا، وإنما ليعطي مصداقية لإغرم. وترد هنا ألفاظا كثيرة دالة على ذلك: (إغرم تذبحني، بعد أن لفظتني إغرم، أبصرتني…..) هذه الطريقة التي وظفها السارد تنم عن رفض المجتمع لمراد الذي لم يكن له فيما وقع ذنب، وعدم الاعتراف به تأكيد لمبادئ ذلك المجتمع المحافظ، وبالتالي يحاول أن يخاطب القرية في شخص إنسان، وهو في حد ذاته توظيف لصوت إغرم في الرواية، نظرا لتأثيره في أحداث هذا المتن، خصوصا كونه النقطة الرئيسة في بروز الحياة الداخلية لمراد.

الهوامــــــــش:

  • لحمداني (حميد) بنية النص السردي، المركز الثقافي العربي ط 1 ، 1991 ص 53
  • لحمداني (حميد) نفسه ص 53
  • نفسه ص 55
  • نفسه ص 60
  • نفسه ص 61
  • نجمي (حسن)شعرية الفضاء “المتخيل والهوية في الرواية العربية” المركز الثقافي العربي، ط1، 2000  ص 56
  • بكاري (طارق)، رواية نوميديا، دار الآداب بيروت ط1، 2015، ص 11
أدب العدد الأخير العدد الثالث والعشرين بعد المئة

عن الكاتب

Avatar

يوسف المرحمي