أوراق مبعثرة حول ثورة 25 يناير

لـ

 

أوراق مبعثرة حول ثورة 25 يناير

 

بعد أن استطاعت ثورة الياسمين من إبعاد زين العابدين بن علي من منصب الرئاسة في تونس، قُدّمت دراسة تحليلية إلى البرلمان الإسرائيلي (الكنيست) فيما إذا كانت هذه الثورة المباركة سوف يكون لها صدى في العالم العربي بشكل عام وبالجارة مصر بشكل خاص. كانت خلاصة الدراسة هي أن النظام المصري مستقر ولا توجد هناك أمور توجب القلق في نشوب ثورة مماثلة لثورة الياسمين. وعندما فاجئ الشعب المصري العالم بثورة 25 يناير، بدأت وقتها تل أبيب إعادة ترتيب أوراقها من جديد. وبعد بضعت أيام من بداية الثورة، سمعنا تصريحا لوزير الدفاع الإسرائيلي يهود باراك بأنه على إسرائيل الاستعداد لحرب تقليدية مع جارتها مصر في حالة سقوط نظام مبارك، الشخص الذي يُعرَف في الثقافة الإسرائيلية بالـ “الكنز الإستراتيجي” للدولة العِبرية. استغلت تل أبيب بطاقتها الديمقراطية لتنادي للعالم بأنها الدولة الوحيدة في الشرق الأوسط التي يستطيع الغرب الاعتماد عليها.
بداية، الكل فوجئ بثورة الغضب. كان الكثير من القراء السياسيين لشؤون الشرق الأوسط ينكرون إمكانية انتشار أمواج الثورة التونسية في العالم العربي ومنهم بروفسور العلاقات الدولية ستيفن وولت. يعتمد في رأيه في مقاله هذا بأن رسالة الشعب التونسي، والتي فحواها “الشعب هو مصدر السلطة وهو الوحيد القادر على نزعها متى شاء”، قد وصلت إلى جميع الحكام العرب. إضافة، إلى أن “الشعب العربي سوف يعي من المثال التونسي بأن البقاء تحت حكومة دكتاتورية هو أفضل من العيش في فوضى عارمة قد تُشَتّتُ البلد في طريق لا نعرف لها نهاية. بمعنى آخر، أن الشعب العربي سوف ينتظر النتائج الملموسة من المثال التونسي فيما إذا استطاع هذا الشعب الشقيق تحقيق الرضاء الاجتماعي بإحلال أول ديمقراطية ببلاد عربية. كنت أوافق البروفسور وولت في هذا الرأي، وخاصة عندما كانت ثورة الغضب هي ثورة تم تنظيمها مسبقاً -أي أنها لم تنفجر مثل الثورة التونسية-. غالباً، الثورة أمر لا يتم تنظيمه وإنما تبدأ بانفجار تلقائي. ولكن الشعب المصري أثبت لنا خطأنا في هذه النظرية. استطاع أن يفاجئ العالم كله، ليس فقط الشعوب، بل وحتى وكالات الاستخبارات ومن ضمنها السي أي أيه الأمريكية والموساد الإسرائيلي.
الكل تابع أحداث مصر بشكل مستفيض. حتى أنني استطيع أن أجزم بأن أغلبنا تابع الثورة المصرية أكثر من متابعته للثورة التونسية. وهذا ليس بغريب. فمصر هي العمود الفقري للوطن العربي. أصبح الجميع يترقب النتائج الأولية لهذه الثورة بإعلان سقوط نظام مبارك. في الواقع كانت هناك دول مؤيدة وبشكل ظاهر لنظام مبارك ومستعدة أن تخصص بعضاً من ثرواتها من أجل بقاء هذا النظام. لم يكن هناك- للأسف الشديد- حِراك رسمي من قبل الدول داعمة لموقف الشعب المصري. كل ما كنا نشاهده هو حركات شعبية في بعض الدول داعمة للثورة المصرية. أما المواقف الرسمية فكانت تدعو النظام إلى عمل إصلاحات عاجلة لإرضاء الشعب الثائر. من المحزن أن يؤكد لنا الرئيس المصري المخلوع عندما أراد عمل إصلاحات سياسية بمصر بأنه كان يسعى لإرضاء المجتمع الدولي بدلاً من الشعب. وهذه هي مشكلة كبيرة في الأنظمة العربية وهو سعينا أولاً لإرضاء العناصر الخارجية قبل الشرعية الداخلية وهي الشعب. فلا أحد يستطيع أن ينكر بأن الشعب هو مصدر السلطة.
في حقيقة الموضوع، ما يزعج العالم بشكل عام والجارة إسرائيل بشكل خاص في عالمنا العربي هي الحركات الإسلامية. عندما بدأت ثورة الغضب تحصل على صدى عالمي كبير أصبح الكثير من الكتاب ينشر البروباجندا بأن مصر سوف تُحكم من قبل الإخوان المسلمين. أصبحت هذه البطاقة وسيلة فكرية فتاكة للقضاء على الثورة المصرية ولدعم نظام مبارك. حيث إن الكل يخاف من الحركات الإسلامية ومن رغبتهم في إعادة عهد الخلافة في عصرنا الحالي. أذكر هنا ما قاله الرئيس المخلوع حسني مبارك لـ بل كلينتون عندما كان رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية في تسعينيات القرن الماضي. طلب كلينتون من مبارك أن تكون هناك أكثر حريات وأن تكون الانتخابات أكثر نزاهة. كان رد مبارك هو إذا كانت واشنطن مستعدة في أن ترى الإخوان المسلمين في الواجهة في مصر، فمحمد حسني مبارك مستعد في أن يقيم انتخابات حرة ونزيهة. ما كان من كلينتون إلا أن يؤيّد مبارك في هذا الموضوع.
المشرّف في موضوع الثورة المصرية هي أنها لم تكن تُدار من قبل حزب سياسي أو إيديولوجية أو حتى دين معين. هي حركة شعبية طفح بها الكيل من فلتة النظام وأصبحت تلهث للتغيير. فالقول بأن الإخوان المسلمين هم من يسيطر على هذه الثورة ليس له أساس من الصحة. أو التكهن بأن الإخوان المسلمين هم من سيحققون النتائج في الانتخابات القادمة فهذا لا يستند على إحصائيات دقيقة. فبحسب الخبير في الشؤون المصرية طارق مسعود، فإن حركة الإخوان المسلمين في مصر تحظى بشعبية ما بين 20% إلى 30% بالمجتمع المصري. حتى ولو كانت شعبيتهم أعلى من ذلك، فالإخوان المسلمون لا يسعون إلى المشاركة في أي انتخابات رئاسية أو في حكومة انتقالية. هذا من شأنه أن يخفف من حدة الهلع الذي يصيب بعض السياسيين.
لا أحد ينكر ديمقراطية إسرائيل. خوف هذه الدولة “الديمقراطية” من الثورة الشعبية في مصر لا يوجد له تفسير إلا أنها تسعى إلى تمديد عمر الاستقرار بالمنطقة. نظرية السلام الديمقراطي تقول بأن الدول الديمقراطية لا تحارب بعضها البعض. توجد استثناءات ضئيلة جداً لهذه النظرية. ولكن ما هو سائد في عالمنا الحالي بأن الدول الديمقراطية تسعى بأن يكون هناك تعاون فيما بينها أكثر من وجود خلافات ونزاعات قد تؤدي إلى حروب. فديمقراطية مصر سوف تعني نظرياً إحلال السلام مع الجار الإسرائيلي. ولكن ليس عنصر الديمقراطية أو الإخوان المسلمين من يعكر صفو الحكومة الإسرائيلية. وإنما ما يعكر صوفها هو زوال “الكنز الاستراتيجي” – أي مبارك- من الصورة. فهذا الأخير، هو شخص مهتم بعملية السلام في الشرق الأوسط ولكن بالصورة التي تُرضي الحكومة الإسرائيلية. فخروج هذا الطرف من المعادلة يعني العديد من المعوقات للمنهجية الإسرائيلية في عملية السلام. نستطيع أن نجسد خوفها هذا من إنهاء العمل باتفاقية السلام بين الطرفين بكامب ديفيد، أو بالأحرى “اتفاقية السلام الباردة”. حيث إنها ليست بين الشعبين بشكل رسمي، ولكن بين نظام مبارك وإسرائيل. وبحسب كي بيرد، مبارك ساعد في عرقلة عملية السلام في الشرق الأوسط. بحيث إنه لا توجد مؤسسة ديمقراطية في مصر تستطيع أن توصل الحصار على غزة. فهذه وحدها تكفي بأن تعيد الإسرائيليين إلى مربع الحوار وبشكل جدي.
لا أظن بأن إسرائيل خائفة بالصورة التي تُظهر نفسها بها، من وجود حكومة ديمقراطية في مصر، حتى ولو كانت مُدارة من قبل الإخوان المسلمين. فمعادلة القوة بين الطرفين ترجح في الجانب الإسرائيلي. ومثل ما تقول المدرسة الواقعية بأن الدولة هي عنصر عقلاني، فإن الإخوان المسلمين ليس بمقدورهم التغاضي عن طاقات الجار الإسرائيلي. من جانبه يؤكد إبراهيم سعيدي بأن القوة النوعية لإسرائيل لا مثيل لها في العالم العربي. هذا يدعونا إلى الاستنتاج بأنه كان على تل أبيب أن تدعو مصر إلى الديمقراطية أكثر حتى تحقق الاستقرار الدائم في المنطقة. ولكن، عدم فعلها لهذا يفسر مفهوم الكنز الاستراتيجي الذي يتحدث عنه فهمي هويدي. فليس بمقدور مصر الدخول في حرب تقليدية من إسرائيل. فدعوة يهود باراك إلى الاستعداد إلى حرب تقليدية ليس سوى ورقة لدعم نظام مبارك والوقوف ضد ثورة الغضب.
حتى الولايات المتحدة الأمريكية، لم يكن لها موقفاً صريحاً مسانداً للشعب. كل ما كانت واشنطن تدعو إليه هو تحقيق إصلاحات فورية، وهذا ما نلاحظه يتكرر في خطابات الرئيس أوباما والمتحدث باسم البيت الأبيض خلال فترة الثورة. توماس فريدمان يشير إلى أن الإدارة الأمريكية قد قدمت خدمة للشعب المصري عندما لم تسانده. ففي المطاف الأخير، الشعب المصري استطاع أن يجتث النظام بنفسه دون إعانات خارجية. ولكن قد يعطي هذا الموضوع نقطة إيجابية لا تستحقها لصالح الإدارة الأمريكية. فنائب الرئيس الأمريكي جو بايدن لم يستطع أن يطلق لفظ الدكتاتور لمبارك. وقد انتظر أوباما كثيراً حتى نستطيع أن نحدد موقفاً صريحاً لإداراته. في نهاية المطاف، الشعب المصري عندما يعيد ترتيب بيته، سيسأل نفسه: “من كان بجانبي عندما كنا في عاصفة الثورة؟” سيجد بأن الولايات المتحدة – وهي أولى الدول الداعية إلى الديمقراطية وحقوق الإنسان بشكل أساسي- كانت مع النظام السابق.
الموضوع الآن برمته تحت يد الشعب المصري. والحكومة المصرية الانتقالية بقيادة أحمد شفيق، بإمكانها، على الرغم من موالاتها السابقة للنظام المخلوع، أن تثبت وطنيتها للشعب المصري وتُدير مرحلة انتقالية سلسة دون تجاوزات قانونية. إذا استطاعت هذه الحكومة ضمان العملية الديمقراطية في المستقبل القريب، فأتوقع بأن الشعب المصري سيقدم شكره لهذه الحكومة. قيادة حكومة انتقالية ليس بالأمر السهل. ولكن أحمد شفيق يملك الطاقات اللازمة لضمان السلاسة لهذه المرحلة.
فاجئنا الشعب المصري بثورته هذه. ولكن تفاجئنا أكثر عندما علمنا أن ثروة مبارك تصل إلى 70 مليار دولار. نعلم بأن الناتج المحلي لمصر يصل إلى 180 مليار دولار. هذا يعني بأن ثروة مبارك تعادل تقريباً نصف ثروة مصر كلها. وما فاجأنا أكثر كذلك هو تصريح عمر سليمان عندما قال بأن المصريين ليس لديهم حتى الآن ثقافة ديمقراطية. كل هذه تراكمات على حكم ظالم استبد شعبه ونهب ثرواته بطريقة علنية. ماذا سيقول التاريخ على هؤلاء في صفحاته؟
من بين الأخطاء الفادحة التي ارتكبها نظام مبارك طوال فترته، هو أنه لم يكن لمصر نظرة إستراتيجية لمستقبلها مثل ما كان ذلك سابقاً. فالرئيس جمال عبد الناصر كان يحمل مشروع القومية العربية وكان يكافح من أجله حتى نهاية المشوار. من جانبه، كان أنور السادات مهتماً أكثر بسمعة مصر الداخلية. فأعاد ترتيب البيت المصري حتى يعيد شأن القاهرة ومنهجيتها تجاه نظرة الآخرين. بينما نظام مبارك، لا يمكن أن نستطيع أن نجد مشروعاً برمته استطاع أن يثبت وجوده بنفسه. فالإصلاحات الاقتصادية لم تكن مجدية، كذلك الإصلاحات السياسية التي قد تكون منعدمة هي الأخرى. قد يكون هدف مبارك هو الحفاظ على معاهدة السلام مع إسرائيل. ولكن لا يعني هذا إهمال الإصلاحات الداخلية.
ما حدث في مصر ليس نهاية المطاف. ولكن يعد هذا النصر بداية لتحول ليبرالي لقاهرة المعتز. ستخبرنا المرحلة الانتقالية بنجاح ثورة 25 يناير بشكلها الكامل. أختتم أوراقي المبعثرة هذه بما سطره توماس فريدمان حول عظمة مصر التاريخية “لقد كانت مصر دائماً مركز الثقل في العالم العربي، ولأنها جنحت هذه السنوات الـ30 الماضية، فكذلك تبعها العالم العربي بأسره في الجنوح. يمكن للمرء أن يأمل بعد هذا التحرير أن تتمكن مصر من اللحاق بركب التاريخ وتصبح نموذجاً رائداً للتنمية العربية. إذا حققت ذلك، فبقية الدول العربية الأخرى ستتبعها”.

0 1874 10 أبريل, 2011 العدد الرابع عشر, سياسة أبريل 10, 2011
Avatar

عن الكاتب

باحث عماني في شؤون العلاقات الدولية

عرض كل المواضيع التي كتبها سليمان الشقصي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.