رأسمالية الكوارث

Avatar
كتب بواسطة محمد الإدريسي

كيف تعمل الشركات الكبرى على تسليع وتسويق الكوارث الإنسانية؟

مرت المنظومة الاقتصادية الرأسمالية، طيلة القرون الثلاثة الأخيرة، من ثلاث مراحل كبرى أسهمت في تعزيز سيطرتها المتزايدة على البنيات الاجتماعية والسياسية الكبرى وتكيّفها مع مختلف التحولات والأحداث التي عرفتها البشرية خلال العقود الأخيرة؛ بل والعمل على إعادة إنتاج شروط عمل هذه التحولات بما يتوافق ورهانات الربح وقوانين السوق المفتوح. اقترنت المرحلة الأولى بسياق بدايات الثورة الصناعية (اختراع السكك الحديدية والقطار البخاري) خلال القرن الثامن عشر والرغبة في تسليع العمل بوصفه فعالية اقتصادية. انصب اهتمام المرحلة الثانية على تسليع المال وربط نظام القروض بالسوق الحر بفضل تحولات الثورة الصناعية الثانية (ظهور الكهرباء والبترول) خلال القرن التاسع عشر. ركزت المرحلة الثالثة على تسليع الأرض والموارد الطبيعية واستنزاف المواد الخام، على حساب التوازنات البيئية، بفعل إمكانات الثورة الصناعية الثالثة (الحاسوب والانترنيت) في خضم تحولات القرن العشرين. لكن، كل هذا لا يقارن بالمرحلة أو الموجة الرابعة من الرأسمالية واللبرلة الجديدة للعالم! من خلال المراقبة، رهان التحكم في السلوك البشري والاستثمار في المآسي الإنسانية، تحولت المنظومة الرأسمالية خلال القرن الحالي إلى ما يشبه “الكائن المتوحش والجشع” الراغب في تسليع وتسويق أي شيء، حتى وإن كان وهميا [فعلا أو منتوجا إنسانيا بالضرورة]، بحثا عن الربح والمزيد من الربح. وعليه، انخرطنا خلال العقدين الأخيرين فيما يسمى برأسمالية الكوارث (Disaster capitalism) القائمة على مقولة الربح من الكوارث والحروب الإنسانية والعمل على إدامتها والتحكم في شروط إنتاجها. فكيف ذلك؟

عرف العقد الأخير موجة “نقد” فكري ومعرفي واسع النطاق للشروط الموضوعية لإنتاج المنظومة الرأسمالية، في تفاعلها مع تحولات العصر الرقمي، دفعت البعض إلى القول بالأزمة الوشيكة لاقتصاد السوق خلال هذه السنة، ومطالبة البعض الآخر، متشائما، بضرورة إصلاح البنية الاقتصادية القائمة قبل فوات الأوان (يورجن راندرز (jorgen randers)، فرانسيس فوكوياما (francis fukuyama)، شوزانا زيبوف (Shoshana Zuboff)…). تبعا لذلك، تطورت تحليلات ومقاربات ومفاهيم اقتصادية واجتماعية جديدة (رأسمالية المراقبة، دولة الشركات، رأسمالية “الماد ماكس”…) تقارب المنظومة النيوليبرالية كـ”خطر بنيوي” على الطبيعة، العالم والإنسان، من خلال هيمنة الشركات الكبرى، تركز الثروات في يد فئات معينة، والسيطرة على العالم الرقمي وتسليع البيئة والأفراد. لم يقف الأمر عند هذا الحد، حيث يتم الحديث اليوم عن امتداد “توحش” المنظومة الاقتصادية نحو تسليع الكوارث والمآسي الإنسانية وربطها بمنطق الربح، مع صعود “رأسمالية الكوارث” (Disaster capitalism)، بدول الشمال كما دول الجنوب، وفتح المجال أمام الشركات الكبرى من أجل إنتاج/تنظيم/تدبير الحروب والنزاعات في عالم مضطرب.    

اقترن استعمال مفهوم رأسمالية الكوارث بأعمال الباحثة الكندية-الأمريكية نعومي كلاين (Naomi Klein)، خاصة كتابها المثير للجدل “عقيدة الصدمة: صعود رأسمالية الكوارث”[1]، التي انتبهت إلى وجود شركات كبرى تسلعن الحروب والمآسي الإنسانية وتجني ملايين الدولارات سنويا من خلال الاستثمار في الفوضى. تستفيد هذه الشركات من عقود عمل مع الحكومات العالمية، من دول الشمال والجنوب، قصد المساعدة في تدبير الحروب والكوارث والمآسي الإنسانية من جهة، وتمرير الإصلاحات الرأسمالية وبرامج الخصخصة بما يخدم مصالح ورهانات الفئات الاقتصادية المهيمنة من جهة أخرى. تطلق كلاين توصيف “أطباء العلاج بالصدمة” (the shock doctors) على هذه الفئة الاقتصادية الجديدة لكونها تستغل وضعية الأزمات والصراعات والمآسي من أجل تمرير قرارات وقوانين نيولبرالية مجحفة (اليونان، أفغانستان…)، لم تكن الشعوب المتضررة لتقبلها ضمن السياقات الاعتيادية، تحت ثوب نشر الديمقراطية، إعادة الإعمار ومساعدة المنكوبين.

نتيجة لكل هذا، وعوضا عن استباق الأزمات والبحث عن حلول عملية وسريعة لها، أضحت المنظومة الرأسمالية تسارع إلى إدامة سياقات الأزمة والبحث عن مزيد من الأرباح عبر دعم مسلسل خصخصة المؤسسات، فرض السياسات التقشفية ودفع الدول التي تعاني من الأزمات والكوارث الطبيعية إلى تبني “إصلاحات” منفتحة على القطاع الخاص أساسا. نكون إذن أمام ما تسميه كلاين “العلاج بالصدمة” الذي يحيل بالضرورة إلى تفويض السلطة إلى الشركات الكبرى وتحرير الأسواق المحلية. هذه الشركات، تعمل ما وسعها من أجل إبطاء مسلسل الإصلاح بما يتوافق وضمان مزيد من الأرباح على المديين المتوسط والبعيد، وتسهم في تركز الثروات والرساميل في يد فئات معينة دون اكتراث بمستقبل شعوب الأزمات أو البيئة والمناخ العالميين. لهذا، سبق للباحثة أن خلصت إلى أن هذا “الجشع” المتنامي للمنظومة الرأسمالية لن يسهم سوى في إفقار شعوب الشمال كما الجنوب وميلاد الحركات العالمية المضادة لرسملة الحياة الإنسانية، قبل رسملة ولبرلة الكوارث (كندا، تايوان، اليونان، فرنسا…).

على نفس المنوال، أصدر الصحفي الأسترالي أنتوني لوينشتاين (Antony Loewenstein) كتابا موسوما بـ”رأسمالية الكوارث: كيف تجني الحكومات والشركات العالمية أرباحاً طائلة من ويلات الحروب ومصائب البشرية”[2] مفترضا أن رأسمالية الكوارث تجاوزت اليوم منحى تسليع “الكوارث البيئية، الحروب، التكاليف الخفية للمعونات الأجنبية نحو خصخصة قطاع الموارد ومراكز الاعتقال [السجون]”. لقد انتقلنا من مجتمع/دولة المراقبة نحو “دولة الشركات” حيث الفعل الاقتصادي أساس تحديد الشروط الموضوعية لإنتاج العالم الاجتماعي في أبعاده الواقعية والرقمية. بتنظيمها للفوضى، الرهان على الخصخصة في ثوب الإصلاح، تعويض القطاعات العامة بالتعاقدات المؤسساتية، تسير الرأسمالية، خلال السنوات الخمس الأخيرة، نحو التجسيد الفعلي لأنموذج “اقتصاد الماد-ماكس”(The Mad Max Economy): تتحكم الشركات الكبرى في الموارد الطبيعية والطاقية وتزيد من خطر الانهيار الوشيك للتوازنات البيئية، بالإضافة إلى احتكارها للبيانات الشخصية للمواطنين بالعالم الرقمي، متجاوزة رقابة الدولة والمجتمع. والخوف أن يؤدي هذا الاستنزاف والتحكم [في كل شيء] إلى نهاية الحضارة الإنسانية وعيش سيناريو “الهيمنة المطلقة” بالتحكم في النادر والأساس من الموارد الحيوية (النفط، السماد والماء، كما في سلسلة أفلام ماد-ماكس)، بتعبير “زيلفيناس سيليناس” (Zilvinas Silenas).

قد يظهر الانحياز، وحتى فكر المؤامرة، واضحا في تحليلات نعومي كلاين وأنتوني لوينشتاين، إذا ما أدركنا الخلفية الصحفية لتحرير الكتابين. لكن، ومادامت لغة الإحصاءات والأرقام محببة لدى الساسة ورجال الاقتصاد، فإنها أداة تفسير وتحليل علمية لا يستهان بها: أقل من 1% من سكان العالم يتحكمون فيما يقرب من نصف الموارد والرساميل والأصول المالية العالمية، نسبة الأثرياء في تقلص، ونسبة الثراء في تزايد، بالموازاة مع زيادة الفقراء وتهميش الطبقة الوسطى، الشركات الكبرى تحقق أرقام معاملات تقارب الخيال باستغلال العمال ومراقبة الأفراد… كل هذا يبين أن النظام الرأسمالي قد خرج عن مساره الصحيح، وما من حل لوقف هذا الطوفان إلا بإعادة التفكير الانعكاسي في شروط إنتاجه أو تجاوزه… وحدها العقود القادمة ستقدم الإجابة الفاصلة.

تكمن القيمة العلمية لعمل أنتوني لوينشتاين في كونه تحقيقا صحفيا وثائقيا يهدف إلى نقد “الاتجاه الوحشي والمفترس” من النظام الرأسمالي القائم والكشف عن الاستراتيجيات الجديدة التي يلجأ إليها لتحقيق الأرباح، خاصة فيما يتعلق بالتعاقدات العسكرية وتدبير السجون، والتي تبين أننا أمام سيرورة كونية لتسليع الأرض بما فيها وما عليها. بالإضافة إلى ذلك، يعيد لوينشتاين التذكير بالدور المحوري للصحفي، كما العاِلم والمفكر، في قيادة التغيير ورسم معالم العالَم الجديد الذي نسعى إليها، سواء باستثمار تحولات الرقمنة والتقانة في تعرية الوجه الخفي لاقتصاد السوق أو ربط التغيير والتأثير بوعي وإرادة الشعوب والمجتمعات نفسها.

يتحدث لوينشتاين عن نمطين أو صيغتين من عمل رأسمالية الكوارث خلال العقد الأخير:

 أولا، رأسمالية الكوارث بدول الجنوب. ترتبط بوضعيات الحروب والكوارث الطبيعية، تعمل على استنزاف الموارد الطبيعية وإطالة زمن المآسي من أجل خصخصة المؤسسات وتوطين القطاع الخاص بالمجتمعات المحلية كمخلص من وضعية الأزمة. يسرد لوينشتاين حكايات شركات أمن خاص وقوات خاصة متعاقدة تكسب ملايين الدولارات سنويا من خلال الحروب، تراهن على مدخل الأمن العام بغية حماية مصالح الشركات الكبرى، في تجاوز لسلطة الساسة وصناع القرار المحلي والدولي (أفغانستان…). يقدم كذلك نماذج شركات صناعية تبحث عن موضع قدم لها بالمجتمعات التي تعاني من ويلات الكوارث الطبيعية بهدف استغلال العمالة الرخيصة، وأخرى تتاجر في المساعدات الغذائية (هايتي، بابوا غينيا الجديدة…). في بقاع أخرى، يصادف الباحث شركات خاصة تسابق الزمن من أجل خصخصة القطاعات الحكومة واستغلال الإصلاحات الحكومية للانخراط في نمط الاقتصاد الأخطبوطي (اليونان)… يمثل هذا النمط امتدادا لتحليلات كلاين، خاصة فيما يتعلق بربط آليات العمل الحقيقية لرأسمالية الكوارث بدول الجنوب والمجتمعات النامية.

ثانيا، رأسمالية الكوارث بدول الشمال. يعترف لوينشتاين بأن ما يميز تحقيقه الصحفي هو انفتاحه على مظاهر تطور رأسمالية الكوارث بالدول الغربية، الأمر الذي جعل كتابه يثير جدلا كبيرا بالولايات المتحدة الأمريكية فور صدوره، في ارتباطها بأنموذج دولة الشركات وخصخصة بعض القطاعات التي لم يكن أحد يتصور أن يصلها المتعاقدون: السجون ومراكز الاعتقال. لم تسهم خصخصة السجون وتعاقد الحكومات مع القطاعات العسكرية والأمنية الخاصة في تخفيض معدلات الجريمة وأعداد المجرمين، بقدر ما أضحت “تسلعن السجناء”، فيما يشبه العمل مقابل الغذاء، وتستثمر في استمرارية الجريمة كمدخل جديد لاقتصاد الكوارث. عززت معسكرات الاعتقال من العنصرية الإثنية والنظرة الدونية إلى الأقليات المحلية (السود، اللاتينيين…) وبات القطاع الخاص يوجه صناع القرار نحو تشديد العقوبات السجنية والاستفادة من خدمات السجناء، بالشكل الذي تمت معه مجاوزة الوظيفة العقابية والتأهيلية للمؤسسة السجنية نحو تثمين الجريمة والعود السجني كسلع وهمية وزائفة. نتيجة لهذا، تفقد الحكومات يوم بعد يوم سلطتها السياسية والاجتماعية بعد أن فقدت قبل قرون سيادتها الاقتصادية لصالح منطق السوق المفتوح.

قصارى القول، تغلب على تحليلات وأفكار لوينشتاين الأحكام القبلية والتعميمات السطحية، إلا أنه يعري للقارئ عن وجه جديد وأكثر وحشية من تطور المنظومة الرأسمالية خلال العقدين الأخيرين. في الواقع، يثمل الكتاب وثيقة خام وإطارا توصيفيا لعمل رأسمالية الكوارث، قابلا لمزيد من التحليل والاستثمار العلمي، في أفق ربطه بالشروط الموضوعية المنتجة لرأسمالية المراقبة خلال العصر الرقمي، خاصة وأنهما تتكاملان من حيث الغايات والأهداف: تسليع الإنسان والتحكم في سلوكه المستقبلي. لم نعد نربط حصرا بين الإصلاحات الرأسمالية ومسلسل التفقير والهيمنة الخفية بدول الجنوب، وأضحينا على بينة من أننا أمام ظاهرة كونية تتعدد مداخلها وتوصيفاتها، لدرجة تسليعها لـ”كل شيء”، ولا يمكن مجاوزتها أو إصلاحها إلا عبر الوعي بالشروط الاقتصادية والمادية لإنتاج وتدبير عالم اليوم.


الهوامش:

[1] – Naomi Klein, The Shock Doctrine: The Rise of Disaster Capitalism, Penguin, 2007.

[2] – Antony Loewenstein, Disaster Capitalism: Making a Killing Out of Catastrophe, Verso, 2015.

العدد الأخير العدد الثالث والعشرين بعد المئة ثقافة وفكر سياسة

عن الكاتب

Avatar

محمد الإدريسي