جوزيف كامبل وتأملات حول فن العيش

Avatar
كتب بواسطة أحمد الزناتي

ربما يكون كتاب عالم الميثولوجيا الأميركي الأشهر جوزيف كامبل Reflections on the Art of Living  (تأملات حول فن العيش) واحدًا من الكتب التي يتحتم العودة إليها مرارًا وتكرارًا. الكتاب مكوّن من سلسلة من النقاشات التي أجراها كامبل مع عشرةٍ من تلامذته خلال حلقة دراسية استمرّت شهراً كاملاً في سنة 1983، وكان الغرض من اللقاء محاولة استكشاف البُعد الأسطوري المهيمن في الحياة، وهو الغرض الذي أوقف عليه كامبل حياته بأسرها وما برح يناقشها في أغلب أعماله. تقول مُحررة الكتاب ومُنتقية النصوص الواردة فيه ديانا ك. أوسبون إن الشذرات الشعرية الواردة في افتتاحية الكتاب بعنوان In The Field  أو في قلب الميدان هي المقولات التي كان كامبل يحبّ ترديدها في أثناء الحلقة الدراسية والتي دوّنتها المـحرّرة في دفترها الخاص. في أثناء الاطلاع على الكتاب أسرت انتباهي الفقرات التالية فوقع اختياري عليها لتقديمها إلى القاريء. كما ذكرتُ يتسم الكتاب بنبرة شعرية عالية وقوية لا تخطئها عين القاريء، إذ يورِد كامبل وسط مناقشة آرائه وأطروحاته أبياتاً شعرية من تأليفه هو توجـز عصارة الفكرة.

تقول المحررة في المقدمة:

“يقارب الجزء الأول من الكتاب (العيش في العالم) مراكز الطاقة الكامنة في الإنسان، البقاء، الجنس والقوة. هنا يذيع علينا كامبل أفكاره حول المال، الجنس الآخر، أنماط الشيخوخة، الموت، الزواج، الحرب، الإنجاب والشعائر إلخ. فيعلمّنا أن فعلنا ما يطلبه الآخرون منا هو أخلاق العبيد وهو الطريق إلى الإصابة بالأمراض والانسلاخ من روحك وجسدِكَ. فينصحنا بالإنصات إذا ما تحدّث أحد، لا الإنصات إلى الكلمات، بل إلى ما وراء الكلام، الذي غالباً ما يكون مضمونه الكبرياء أو الحقد أو الجهل. فحين يخبرنا أحـد على سبيل المثال أننا “أنانيون”، فإن مـردّ ذلك في الأرجح أننا لا نفعل ما يودّون منا أن نفعله. إننا في اللحظة التي نقـيّد فيها مجال اختياراتنا فإننا نـقيد رؤيتنا إلى العالم.”

أما الجزء الثاني من الكتاب (بلوغ الـوعـي) فيجعلنا منفتحين إزاء إمكانات حبنا الحقيقي العميق وحقائقنا الدفينة. يعلمنا كامبل أن ننظر إلى ما وراء الرموز، وإلى الكنوز التي تمثلها، مشيراً إلى جيمس جويس الذي قال عنه: “كان لعبة جويس في أنه كان ينظر إلى الرموز في كل شيء. ومن لا يتأمل ما وراء الرموز أشبه بمن يذهبون إلى المطعم لتناول العشاء فيأكلون “قائمة الطعام” نفسها، بدلاً من تناول الوجبة الموصوفة في القائمة”.

تضيف المحررة في فقرة مهمة تالية:

“ما معنى الحياة؟ طالما سُـئل جوزيف كامبل هذا السؤال فأجاب:” الحياة في ذاتها بلا معنى، نحن مـنْ نكسبُ الحياة معناها. مثله كمثل كارل يونج لم يكن كامبل يرى في مسألة التقدّم في العمر أفولاً للحياة بل ازدهاراً لها. فإذا ملأنا دورق الحياة وسمحنا بإشعال النار بكل ما يحتاج إلى الاستهلاك فمرحباً بسكينة الشيخوخة، أما إذا أبقينا شطراً كبيراً من حياتنا غير مُعاش، فإننا ندنو من عتبة الشيخوخة، مُثقلين باحتياجات غير مُلباة من شأنها أن ترجعنا دائماً إلى الوراء. كما قال يونج ،فالرجل المسنّ العاجز عن وداع الحياة لا يختلف في قلة حيلته وسقمِه عن الشاب غير  القادر على احتضانها”.

وبرغم صعوبة عرض هذا النوع من الكتب لأن كل عبارة فيها جديرة بالتوقّف والتأمل والاقتباس، فسأحاول في السطور القادمـة عرض ما تيسّر منها. 

يبدأ الكتاب بفصل تمهيدي يحمل عنوان: In The Field (أو في قلب الميدان)، وهو عبارة عن مجموعة من الشذرات والحِكَم التأملية الشعرية المكثّفة، يوجز بها كامبل خلاصة رؤيته وقراءاته، اخترتُ منه الفقرات التالية:

ما يتحتم عليك فعله، افعله وأنت لاعباً لاهياً

الحـياة خـلوّ من المعنى، فلتكسبَ أنت الحياة معناها 

وأيًا ما كان المعنى التي تضفيه على الحياة

كونك على قيد الحياة هـو المعنى الحقيقي

أسلوب المحارب أن تقبل الحياة

شارك في أتراح الدنيا مملوءاً بروح الفرح

ليس في وسعنا أن نشفي عالمَاً قوامه الأحزان لكن في وسعنا أن نعيش بفـرحة

حينما نتكلّم عن مشكلات العالَم  فإننا نقتلع الشجرة الخطأ

العالم مثالي والعالم أيضاً يضجّ بالفوضى.

 طالما كان العالم مجرد فوضى ولا ينبغي أن نذهب إلى إصلاحه

 علينا أولاً أن نصلح حياتنا وأن تقبلها بكل ما فيها

علينا أن نتخلص من أسـر الحياة التي خططنا لها حتى نعيش الحياة التي تنتظرنا

علينا الانسلاخ من الجلد القديم حتى يتسنّى للجديد أن ينمو

الحياة البطولية حقاً هي أن تعيش مغامرتك الفردية

ستغدو الحياة مملة إذا عرفتَ النتيجة مسبقاً

تدخل إلى قلب الغابة، حيث أحلك بقعة فيها وحيث لا مسار في الأفق

ولو ظهر طريق أو سبيل، فهذا معناه أنه طريق إنسان آخر

معناه أنك لستَ على الطريق الصحيح

وبينما تمضي في طريق الحياة

سترى هـوة سحيقة

اقفز

فهي ليست واسعة الهـوّة كما تـظن

الجحيم ليس إلا تجفيف نبع الحياة

يقتضي الأمـر منك التحلي بالشجاعة لأن تفعل ما تودّ أنتَ فـعلَه

فالكثير يرسمون خُــطـطاً من أجلك

لا أحـد يودّكَ أن تفعل ما تودّ أنتَ فعله

يريدونك أن تنوب عنهم في القيام برحلتهم، لكنك قادر على المضي قدماً فيما تودّ فعله

ابحثْ عن بقعة يسودها الفرح، فالأفراح ستحرق الأحزان

عن القَدر واختيار شريك الحياة يحكي كامبل الحكاية التالية:

“كيف يمكن للمرء أن يتحدث عن وجود قـدر يجمع بين شريكي الحياة أو عدمه؟ أنا أشعر به، لكني لا أصدقه. في حالتي، كنت أُدرّس في كلية سارة لورنس لعدد كبير من الفتيات الجميلات، وفي بعض الفصول الدراسية كان يغمرني شعور قوي بالحماسة، استغرق الأمر مني ستة أشهر كي أحدد الفتاة التي أوقعتني في حبائلها، وحينما عرفت ذلك أدركت أنني انتهيت. هذا هو الشعور الذي ساورني حينما رأيت المرأة التي صارت زوجتي اليوم، للمرة الأولى شعرت بمثل هذا الشعور، لكني لم أكن أعرف كنهه. كانت إحدى تلميذات الفصل، ووقعتُ في حبائلها؟ من الذي فعل ذلك بحق الجحيم؟ حتى حدّدتُ في النهاية أنها هي، ثم تشكّلت علاقة ما لم أدعها تعلم عنها شيئاً حتى أعطيتُ إشارة خفيفة. كانت على وشك مغادرة الكلية، فأعطيتها  كتاب شبنجلر “تدهور الغرب”. كانت هدية بسيطة، لكنها ثقيلة المضمون. أتذكر مثلاً يابانياً كنت قد سمعته عن أطوار التطور في حياة الإنسان: في العاشرة طور الحيوان، في العشرين طور الطائش، في الثلاثين طور الخيبة، في الأربعين طورالمخادِع، في الخمسين دور المجرِم. وأود أن أضيف في الخمسين يبدأ المرء في إسداء النصح إلى أصدقائه، وفي السبعين (بعد أن يدرك سوء تفسير كل ما قيل) يلوذ المرء بالسكوت ويُنظر إليه كرجلٍ حكيم، وفي الثمانين كما يقول كونفوشيوس: “ها قد عرفتُ محّلي ولزمتُ مكاني ثابتاً.”

وعن أطوار الحياة يقول كامبل:

يذهب يونج إلى أن منحنى العُمر مُقسّم إلى شطرين: الشطر الأول هو شطر تكوين العلاقات [الاجتماعية والشخصية] والثاني فهو محاولة العثور على مغزى الحياة التي عشناها أو كما يقول الهندوس: “اتباع الطـريق = marga”، اقتفاء أثر التجربة التي خضنا غمارها بغية الوصول إلى حياتك الجوّانية، ثم يأتي بعدها الخلاص/الانعتاق الكلي، واجتياز الممر الأخير دونما شعور بقلق أو خوف. فتسير ناحيك موتِكَ وأنتَ تغني. يقول يونج: “كطبيب نفسي أنا على يقين أنه من الصحي لأي إنسان أن يكتشف في الموت غاية يسعى إلى تحقيقها، كما أنني على يقين من أن الهروب من فكرة الموت أمــر ضار ومجافٍ لسنة الطبيعة، لأنه من شأنه أن يسلب من شطر حياتك الثاني الغاية والغرض. من الأهمية بمكان أن تعرف إلى أين وصلتَ في مسار حياتك الروحية وأين موضعك في الطريق. الربع الأول من الحياة هو طور التلميذ، والشكل المثالي له هو الإذعان للأوامر والتحلّي بالكياسة وحسن المظهر والسلوك وفق كلام دانتي [ألليجيري]، وهو ما يعني بوجه عام الامتثال إلى الأنماط والقوالب التي يفرضها المجتمع، فترة الاستكانة تلك هي ما يُطلق عليه نيتشه لفظ “فترة الجَمَل”، فالجَمل يجثو على ركبتيه سائلاً وضع الأحمال فوق سنمِه. أما الربع الثاني من الحياة فهو فترة “ربّ الأسرة العائل”، والمقصود بها خروجكَ إلى معترك الحياة للاضطلاع بمسؤوليات حياة الكبار البالغين، وهي ما يُطلق عليه في النظام الهندوسي يُطلق “الدارما” = القانون المجتمعي. أما مرحلة منتصف العُمر، فهي مرحلة الإدراك، لا مرحلة التحقق، وينبغي لها أن تكون مرحلة الإشباع والرضا. وفق أطوار الحياة عند نيتشه، حينما يكتمل تحميل الجَمل بالحمولة المطلوبة، ينهض واقفاً على قوائمه الأربعة ليشقَّ طريقه عبر الصحراء ليتحول إلى أسـد، ووظيفة الأسد أن يقتل التنين الذي اسمه “ينبغي عـلـيكَ أن تفعل كذا..”، وحينما يُقتل “ينبغي عليك أن..”  على يـد الأسد المكافيء لعملية اكتشاف الذات ستنتقل إليك الطاقة التي كانت محبوسة في التنين = تنفيذ رغبات الآخرين لتصير ملكك. 

وعن الغرض من الطقوس والشعائر الدينية في كافة الأديان السماوية منها وغير السماوية يقول كامبل:

“الهدف من جميع الرياضات والشعائر الدينية هو إحداث التحول النفسي في نفس الإنسان. في مقدورك أن تبتكر تأملاتك وطقوسك الخاصة انطلاقاً من معرفتك الشخصية ومن محبة الآخرين ومن التقرّب إلى الرب عبر رعاية أطفالك أو إسداء المشورة الطبية إلى مدمني الكحول أو تأليف الكتب، سيّان. فأي نشاط من أي نوع يمكنه أن يتحول إلى ضرب من ضروب التأمل إذا كان لديك شعور بأن كل شيء هو براهمان[1]: العملية والفعل والموضوع الذي تتأمله والشخص المتأمِّل نفسه: التأمل في كل شيء. لكن المشكلة الرئيسية هي تغيير إحداثيات عقلك، فالمدينة التي تعود إليها هي التي غادرتها وإلا فرحلتك في الحياة منقوصة غير مكتملة. يعود المرء في النهاية إلى ما يعدُّه المكان الذي طالما عاش فيه، إلى المهنة نفسها، وليس بالضرورة إلى نفس المكان، لكن إلى روح المكان، إلى ذكراه. 

أنت تمنح نفسكَ للحياة بـطرح الزمن المؤقت وراء ظهرك

الرغبة في المكسب والخوف من الخسارة يحولان بينكَ وبين الحياة

وعن بلوغ الحقيقة المطلقة وتحقيق الكمال يقول كامبل:

“حينما نتحدث عن الحقائق العلمية مثلما نتكلم عن حقيقة الله فنحن أمام ورطة حقيقية، لأن للحقيقة معانٍ متباينة.  إن فكرة بلوغ الحقيقة المطلقة بألف لام التعريف، وفكرة أن شيئًا يسمى الحقيقة يتجاوز نطاق نسبية العقل البشري هو ما أسميه خطأ الحقيقة المكتشفة. المشكلة مع مُلاك الحقيقة المطلقة الملعونين هي مشكلة خطأ الحقيقة التي اكتشفوها. وعندما تلمس اختلاج نبرة أصواتهم ويخبرونك بما همس به الله في آذانهم فعليك أن تعلم أنك أمام شيء مزيف. عندما يعتقد الناس أو يعتقد معلمّوهم أنهم يمتلكون الحقيقة المطلقة، فيشيرون إليها هكذا: هذه هي الحقيقة، فاعلم أن هؤلاء هم من يُطلق عليهم نيتشه المصابين بصَرَع الأفكار، بمعنى الأشخاص الذين تفتقت أذهانهم عن  فكرة دفعتهم إلى الجنون. الحقيقة إن التفكير في كونك قد بلغتَ الحقيقة المطلقة هو لون من ألوان الجنون، لا يختلف  عن ادعاءات البشر حول الجمال المطلق، ومن الصعوبة بمكان إقناعهم بعدم وجود شيء من هذا القبيل. الجمال الذي نحسّه مرتبط دائماً بشيء ما، شيء داخل نفوسنا. لا يمكن للإنسان أن يُـمـثّل الكمال، والسبب  أنك تمثّل دائمًا جانباً واحداً من ثنائية الوجود التي تشكّل الكمال ذاته. في اللحظة التي تقدم فيها على النهوض بعمل/فعل يسقط عنك الكمال، لأنك قررت التصرف بهذه الطريقة بدلاً من تلك الطريقة الأخرى. هذا هو سبب أن الأشخاص الذين يعتقدون أنهم مثاليون سخفاء للغاية. إنهم في وضع مُــزرٍ فيما يتعلق برؤيتهم إلى أنفسهم.

وعن علاقته بالمرأة وبمن درَّسَ إليهن، ولاسيما السيدات اللواتي جرأن على خوض غمار الحياة باستقلالية:

“لقد درَّسـتُ إلى مئات الشابات اليافعات. والتحقت كثيرات منهن بمجال الفنون مثلما فعلَتْ “جين” [زوجة كامبل]، التي اختارت مجال الرقص الكلاسيكي. لكن العديد منهنّ أيضاً كـن مقترنات بأزواج رفضوا التحاقهن بمجال الفن، وكان على كل واحدة منهن أن تختار، فلو اختارت الشابة النزول على رغبة زوجها فسوف يقضي اختيارها على مغامرة حياتها ويتحول كل شيء آخر في حياتها إلى مجرد بديل. غاية الحياة أن تكون لديك مغامرتك الخاصة، لا أن يكون لك بديل للحياة وهو ليس أمراً يسيراً تحت أي ظرف من الظروف. عندما كنتُ أقوم بالتدريس لأولئك الشابات لم أكن أفكر في تحويلهن إلى فقيهات في علم اللغة أو إلى مؤرخات. السؤال: لم كنت أدرّس إليهن إذن تلك المواد؟ كان أغلبهن يتزوجن وينجبن أطفالاً ويكرسن أنفسهن لأداء الأنشطة اليومية الروتينية مقارنة بعملي اليومي في تعليمهن، وهو العمل الذي كان يفقد رونقه بعد نوبة الحماسة الأولى. ولكن هناك العديد من الوسائل لتحقيق الاستغلال الأمثل لهذه المواد. كان اعتقادي هو أن أولئك الشابات سينهضن بمهمة تكوين عائلة، وفي اليوم الذي يبلغن سن الخمسين ويخرج الأبناء إلى حال سبيلهم سيكون مربط الفرس. كنت أنوي إعطائهن هذه الرسالة الروحية عن كيفية قراءة العالم في النصف الثاني من رحلة الحياة. حدث هذا قبل زمن طويل. ما زلت أعرف العديد من هؤلاء السيدات، بعد انقضاء بعد عشرين أو ثلاثين أو أربعين سنة أسمع منهن بالإجماع أن أسلوبي كان ناجعاً وأني أعطيتهن شيئًا ما يزال يغذي هذا الجانب من حياتهن حتى اليوم”.


  1. 1-      كلمة سنسكريتية يُقصد بها الاسم الذي أطلقه مُعلمو وحكماء الأوبانشياد على الموجود الأسمى أو الروح الكلية العظيمة الخالقة وهم يجسدونه في الإله الخالق براهما، وللكلمة نفسها معانٍ عديدة منها الكلمة الأولى المقدسة والحقيقة الجامعة لكل شيء (المترجم نقلاً عن موسوعة تاريخ الأديان، الكتاب الرابع- فراس السواح).  
أدب العدد الأخير العدد الثالث والعشرين بعد المئة مختارات الثقافة والفكر

عن الكاتب

Avatar

أحمد الزناتي