سحرية الرواية العربية

Avatar
كتب بواسطة صالح لبريني

الفن هذا الكائن الجمالي يسعى من ورائه الفنان إلى القبض على عالمه المبهم؛ والبحث عن أسراره المتوارية خلف طبقاته التعبيرية، والتنقيب الأبدي عمّا يميزه عن باقي التعبيرات الأخرى والحفر عميقا في طبقاته النصية، فبالأسلوب الخارق، والتركيب المختلف عن المألوف هو الذي -في اعتقادنا- يمنح للفن بعده الأستطيقي ويشحنه بطاقات تجديدية مما يفتح إمكانيات التآويل المتعددة. ليس الفن ترصيص للكلمات، وتنضيد للعبارات، بقدر ما هو خلق لبنى تركيبية عمادها التجاوز المنبني على المفارقات الأسلوبية والدلالية؛ ومن سمات الفن كونه يخاطب الوجدان الباطني في الإنسان؛ ويستلهم الجمال الوجودي، وتعقيداته وغموضاته ليصوغ عالما جماليا يحاول، قدر الإمكان، التعبير عنه بلغة تزاوج العاطفي بالتأملي. فالفن تاريخ الذات والعالم لغة وتخييلا وهنا يتجلى سحر الإبداع.

لاغرو في كون الرواية عملية فنية تحاول قدر الإمكان القبض على الواقع، من خلال، المحاكاة بنقله في صورة مباشرة، وهذا ما طبع الروايات ذات البناء النمطي السائد في جل الكتابات السردية، مع إضافة جانب تخييلي للإيهام بالتماهي بين الواقع والخيال في النسيج الروائي. وهذا الصنف كان سائدا في مرحلة الأربعينيات والخمسينيات التي شهدت طفرة نوعية في تجسيد هذه التيمات ذات السمات الواقعية عبْر رائدها نجيب محفوظ الذي تمكّن من خلق عوالم سردية بنكهة واقعية ، وبتعبير أدق بوسيلة استنساخية حاول بها التعبير عما يعرفه المجتمع المصري ومن تم المجتمع العربي من تحولات ناجمة عن الخروج من مرحلة الاحتلال الغربي، باستقلالات ناقصة ، للبحث عن علاج لذات معطوبة في كل شيء ، في الإنسان والدولة ، ولعل الكتابات الروائية لهذا الهرم الروائي تعبّر عن هذا المنحى الاستنساخي، إذ جل الأعمال لم تخرج عن صفة الواقعية .لكن نجده في البدايات الأولى ينحو في اتجاه الواقعية التاريخية التي تمثلها روايات “عبث الأقدار ” و “بداية ونهاية” و “ثلاثية القاهرة” حيث كان الاحتفاء بتاريخ مصر ، هذه الأعمال شكلت المنطلق الرئيس في خلق كتابة روائية ذات البعد التاريخي، وهذا لا يعني السقوط في التاريخية الحرفية، بل نلمس الجوانب الجمالية والفنية فيها. ثم بعد ذلك التزم نجيب محفوظ برواية الواقعية المتعددة، أي لابد من التأكيد أن كتاباته السردية محورها الأساس هو الإنسان كبؤرة محورية في جل أعماله فيمكننا الحديث عن الرواية الواقعية كما هو الشأن في “القاهرة الجديدة ” و”خان الخليلي” و “زقاق المدق” ثم الواقعية النفسية في “السراب” والرمزية في “الشحاذ” و”أولاد حارتنا” ليصل في نهاية حياته الروائية إلى كتابة سردية تقف على تخوم الفنتازي ويتمثل ذلك في روايتي “الحرافيش” و “ليالي ألف ليلة”. وقد سار على نهجه العديد من الروائيين الذين احتفت كتاباتهم بالملمح الواقعي.
ونشير أيضا إلى الدور الهام لكل من طه حسين والعقاد وتوفيق الحكيم ويوسف إدريس ويحيى حقي وعبد الرحمن الشرقاوي الذين بصموا الرواية في توجهها بالواقعية الحقيقية التسجيلية والواقعية الاشتراكية خاصة عبد الرحمن الشرقاوي في روايته ” الأرض”. وكذلك محمد شكري ومحمد زفزاف وإدريس الخوري ومبارك ربيع وعبد الكريم غلاب في المغرب والطاهر وطار في الجزائر وعبد الرحمان منيف وحنا مينة وسعيد حورانية، فالكل أسهم إسهاما فعّالا في توطين ملامح رواية عربية تنصت للواقع وتكتب سيرة المجتمع بلغة سردية منبعها ذات مكلومة بجراحات ترتبط بالهوية والاستقلالات الناقصة الاكتمال والتخلف على صعد عدّة ، وهذه السمات الكتابية كانت نتيجة التأثر بالآخر سرديا، إذ حاولت الرواية العربية البحث عن سند نصي لترسيخ وجودها داخل منظومة ثقافية عالمية ، حيث تأثروا كتابها بالواقعية النقدية التي طرحها غورغي لوكاتش من خلال أبحاثه النقدية حول روايات بلزاك وإميل زولا والتي مثلتها عربيا رواية “زقاق المدق” هذه الرواية تُعرّي حقيقة الواقع الاجتماعي لحميدة الشخصية البطلة التي تبدي سخطها تجاه الزقاق الذي تعيش فيه، فكان حلمها هو الانسلاخ من واقعها والارتماء في عالم الدعارة الراقية حيث غدت بين أقدام العدو بعدما أغواها فرج بذلك، وغدرت بعباس الحلو الذي ضحى من أجلها، معتقدة أنها خلقت لحياة الرفاهية وليس لحياة القذارة والدناءة التي كانت تسم الزقاق، فنالت من المال والشهرة الشيء الكثير والحظوة، غير أنها ندمت بعد فوات الأوان، فهذا النموذج منبثق من رحم الواقع يبزر أهمّ التحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية التي شهدها المجتمع المصري في أواخر الأربعينيات من القرن الماضي، فالرغبة في التغيير هي العنوان الأبرز. ومن ثم فنجيب محفوظ كان البداية الحقيقة لرواية عربية تنصت للواقع وتحاكيه محاكاة تمزج الواقعي بالخيالي، لكنها تظل مرتبطة، في جوهرها، بالسرديات الكبرى التي ترتكز على البناء الأفقي للسرد، مع ملاحظة سمة الإبدال الملموس في منجزه السردي الغني والمتميز في سياق الكتابة الواقعية إلى جانب أعمال روائيين آخرين.
ثم بعد ذلك ظهرت الاتجاه الواقعي السّحري الذي تميزت به الرواية اللاتينية التي تميزت بلغة سحرية أخاذة تماثل لغة الأساطير والحضارات السابقة ومن أبرز الروائيين الذين بصموا هذه الواقعية السحرية نشير إلى ميغيل أنخيل أستورياس الغواتيمالي والكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز والبرازيلي جورج أمادو والكوبي أليخو كاربنتيير، فهؤلاء أحدثوا قفزة نوعية على مستوى السردية العالمية إذ تمكنوا من نقل واقع تاريخي اجتماعي سياسي موشوم بما هو غرائبي وعجائبي. وفي العالم العربي لابد من أن نشير إلى كل من سليم بركات وإبراهيم الكوني اللذين خلقا عوالم سردية مفعمة بروائح الأعالي والصحاري المتوهجة أسطورة وتراثا حضاريا ممتدا في ذاكرة الأمم. كما أشرنا سالفا بأن الواقعية الاشتراكية تجسدتْ، من خلال، رواية “الأرض“ لعبد الرحمن الشرقاوي التي عبّرت عن تحول الوعي لدى كتاب الرواية من وعي ثابت إلى وعي يستمد وجوده من الانتماء الطبقي ، وفي هذا السياق نشير أيضا إلى التجربة المتميزة لعبد الرحمن منيف وحنا مينة والطاهر وطار ، فهؤلاء قد عبروا عن انتمائهم للطبقة العاملة . ولعل وقفة تأملية في منجز عبد الرحمن منيف سنخرج بهذه الحقيقة، إذ ظل صوت من لا صوت لهم في المجتمع العربي، مبرزا ما يتعرض له الإنسان العربي من تسلط وقمع وعنف من لدن السلطة، لكونه يحاول التعبير عن حقوقه بالمطالبة، وقد نجح منيف في إعطاء صورة تراجيدية لذات الفرد داخل الذات الجماعية التي لا تسمع غير صوتها، في حين صوت الآخر يقبر بشتى الممارسات اللاإنسانية، والمرجعيات المستَنَد عليها هي الكتابات السردية الغربية التي وطّنها عمالقة الرواية منهم مكسيم غوركي ومايكوفسكي، وبابلو نيرودا الشاعر الشيلي العظيم، فمظانهم حافلة بهذه النزعة الاشتراكية في كتاباتهم . لكن الرواية العربية ستلج منعطفا فيه من الإبدال والتغيّر، ما يؤكد أن السردية العربية هي سردية التحول والتجديد كما تجدد الأفعى جلدها.
إذا كانت الرواية التاريخية مع جورجي زيدان والواقعية مع محمد حسين هيكل ونجيب محفوظ كنص يمثّل الهوية والأصل في كتابة رواية تستثمر التاريخ لسردية تذكّرية بغية تجسير علاقة الذات بالماضي، وتحاكي الواقع عبْر استراتيجية سردية عمودها تصوير الخارج النصي المؤثّر على الذات، فإن مرحلة منتصف الستينيات ستأخذ الرواية العربية مسارا جديدا مفارقا للمنجز النصي الروائي ومكسّرا للشكل القائم بخلق شكل روائي يستجيب لحظة تاريخية؛ شهدت اهتزازات وانكسارات للذات ويقظتها من سبات الأحلام الطوباوية والخروج من يقينيات أصبحت أكذوبة لجيل آمن بالتغيير والتمدّد القومي العربي، فجاءت رواية أواخر الستينيات مارقة عن المألوف السردي، محطّمة القالب السائد بخلق نص روائي يبدع وضع ذات متشظية وممزّقة، ممّا انعكس على بنية النص الروائي الذي لبّى نداء الذات المتشظية ببناء قالب تعبيري لا يخضع للتصور السردي القائم، بقدر ما عبَّرت عن كينونتها السردية بشكل متحوّل ومقوّض للنظام الكلاسيكي في الكتابة الروائية العربية. شكل روائي يحتفي بالهدم في الكتابة الروائية ليؤسس كتابة تتخلّق من رحم التشظي الذي حتّم على الروائي أن يخلق رواية ساحرة وساخرة من الذات والواقع والوجود، وقد تجلّى هذه الملامح في نصوص لتجارب روائية كانت لها بصمة في هذا التوجه في الكتابة الروائية نذكر عبد الرحمن منيف وصنع الله ابراهيم وسليم بركات وإلياس خوري وغالب هلسا. لاشك أن الرواية العربية سحرها يكمن في هذه الانعطافات التعبيرية والأسلوبية مشكّلة بذلك طفرة نوعية على مستوى الكتابة السردية، وقد شقّت الرواية طريق المغامرة معتمدة على نوعية ذاتية خالصة متأثرة بما شهدته الرواية الغربية من تعرّجات بعد الحرب العالمية الثانية حيث عبّرت عن الهزيمة النفسية من خلال الرواية الوجودية التي جسّدت الوعي بما أصاب الإنسانية من انهزامات وتراجعات في القيم ومكانة الفرد التي شهدت تقهقرا مما جعل الخطاب الروائي الغربي يجنح صوب بنى هاجسها الأول والأخير الانغماس في اللغة والفكر كتعبير عن هوس الأنا الروائية كموجود تلازمه الهزيمة والأزمة والاغتراب والتيه. وفي سياق تأثر الروائي العربي بهذه التيارات التي وسمت الرواية الغربية ظهرت عندنا الرواية الوجودية كجواب عن الهزيمة ورغبة الذات في البحث عن الذات والحرية والوجود للخروج من واقع القلق والشك والاضطراب والضياع الناجم عن انهيار الأحلام والمأمول من واقع مخدّر بالمد القومي العروبي وما شاكل من ذلك من أوهام، ومن أبرز الذين عبّروا عن هذا التوجه في كتابة روائية تبحث عن الزمن المفقود من تاريخ أمة حليفها الانتكاسات والهزائم، وفي هذا السياق نذكر الروائيين الذين يشكلون البدايات الأولى للرواية التجريبية مطاع صفدي في روايته “ثائر محترف” والروائية ليلى بعلبكي في “أنا أحيا “ورواية “المهزومين” لهاني الراهب وغيرهم، ولابد من الإشارة إلى أن الستينيات عرفت بروز وجودية سارتر واغترابية كامو، عبثية ألبير مورافيا وشيئية ناتالي ساروت، وآلان روب غربيه، وميشيل بوتور وأمواج فرجينيا وولف اللاشعورية وتيار الوعي لجيمس جويس ورباعية لورنس داريل.
جملة الأمر إن سحر الرواية العربية يكمن فيما جاءت به من تحويلات سواء تعلّق الأمر بالشكل والفحوى، كاستجابة منطقية لما يمور به الواقع من تغيّرات عميقة مسّت الأصعدة قاطبة، وبصمت الخطاب الروائي بخصائص التأصيل والتجريب، الجانب التأصيلي الكامن في التعبير الواقعي أو ما سميّ بالرواية الواقعية والجانب التجريبي الذي جاء وفق هزيمة سبعة وستين وما تلاها من نكسات غيرت الرؤى والتصورات للكتابة الروائية.

أدب العدد الأخير العدد الثالث والعشرين بعد المئة ثقافة وفكر

عن الكاتب

Avatar

صالح لبريني