بيتر سنغر والأخلاق العملية

حاز الفيلسوف الأسترالي بيتر سنغرPeter Singer من مواليد 1946م مؤخرا ً في سبتمبر 2021م، على جائزة بيرغروين Berggruen Prize نتيجة لمساهماته الفكرية والفلسفية المختلفة في مجالات متعددة، أو بحسب إعلان الجائزة، “بسبب الدور الحيوي الذي أظهره سنغر للفلسفة العامة في عالمنا”، كما “قدمت أفكاره إطارا ً فكريا ً قويا ً ألهم العمل الفردي الواعي، والعمل الخيري الأكثر تنظيماً وفعالية، والحركات الاجتماعية بأكملها، مما أدى إلى تحسن حياة الملايين نتيجة لذلك”.

على مدى أعماله المختلفة السابقة والمتعددة، ناقش سنغر الكثير من القضايا الأخلاقية المتصلة بالحياة الواقعية اليومية والمباشرة للأفراد من جهة، وبحرية الحيوانات وعلاقتها بالتجارب من الجهة الأخرى، وبشكل خاص في كتابه “الأخلاق العملية Practical Ethics” الصادر بطبعته الثالثة باللغة الإنجليزية عام 2011م، حيث أن الأخلاق محاطة بالغموض شأنها في ذلك مثل الكثير من المفاهيم البشرية المتعلقة بالسلوكيات المختلفة. فالقضايا الأخلاقية التي يسعى هذا الكتاب لمعالجتها: هل من الصواب إنفاق الأموال على الترفيه عن أنفسنا عندما يمكننا استخدامها لمساعدة الأشخاص الذين يعيشون في فقر مدقع؟ كما هل لدينا ما يبرر لمعاملة الحيوانات على أنها ليست أكثر من آلات تنتج اللحم لنأكله؟ وهل يجب أن نقود سيارة -وبالتالي تنبعث منها غازات الدفيئة التي تدفئ الكوكب – إذا كان بإمكاننا المشي أو ركوب الدراجة أو استخدام وسائل النقل العام؟ كما يتطرق لمشاكل أخرى، مثل الإجهاض والقتل الرحيم والتغير المناخي، وغيرها.

من الواضح أن هذه القضايا متنازع عليها من الناحية الفلسفية، فمن غير الممكن حسمها، غير أن النقاش الجذري من الممكن أن يساهم في الوصول لحلول أفضل لها، وبالتالي فإن تعريف الأخلاق ووضعها في سياقها الفلسفي ضروري جداً في المرحلة الأولى، بحيث أنها كما يقول سنغر لا تقتصر فقط على المنع والحظر والتحريم، أو العلاقات الجنسية خارج الزواج فقط، بل تمتد لتشمل أيضا الحديث عن الفقر وتوزيع الثروات والعدالة وغيرها.

كما أن الأخلاق من الجهة الأخرى، وبحسب سنغر، ليست نظاما مثاليا موازيا للخير من الناحيتين النظرية والعملية، وغير مرتبطة بالواقع، كما في حالة الكذب في وقت الحرب، أو تذهب لتغليب العواقب consequentialism، كما في النظرية النفعية utilitarianism مع جون ستيورات مل Mill، ومذهبها الكلاسيكي الذي يُغلب السعادة على نتيجة أو عواقب الفعل.

من الجهة الأخرى من الضروري فصل الأخلاق عن الدين كما يرى سنغر وغيره الكثير من الفلاسفة والمنظرين، حيث أن لفظة “الخير” ليست شيئا ً آخر سوى ذلك الفعل المتفق مع الإرادة الإلهية، وهو ما نقضه أفلاطون منذ فترة طويلة، قائلاً بأن الخير جاء نتيجة للموافقة الإلهية، الأمر الذي يجعل الكثير من الأفعال كالتعذيب، وعدم مساعدة الآخرين، وهي أفعال ليست خيّرة، تعتبر أفعالاً جيدة في سياقات ذات مصدر إيماني. والسؤال هنا، الذي يطرحه سنغر كما سبقه الكثير من الفلاسفة واللاهوتيين، من أين جاءت الأخلاق؟ إذا لم تكن ذات مصدر ديني؟ والجواب غير الحاسم هنا، بأنها جاءت من تلك الحدوس التي ولّدت فينا استعدادات طبيعة للصواب والخطأ كما هو الحال في الكثير من الثدييات الرئيسية.

بالإضافة لذلك، فإن الإتجاه الذي يذهب لنسبية الأخلاق وبالتالي تعتمد على معايير المجتمع الذي يعيش فيه الفرد، مما يعني الدخول في النسبية والذاتية relative or subjective التي لا يمكن معها الإتفاق حول حُكم أخلاقي محدد، الأمر الذي يجعل النقاشات لا تستند على أرضية فلسفية صلبة، بل تعتمد على الرأي والميل النفعي والانفعالي السريع.

ما هي الأخلاق؟ 

هذا السؤال ليس جديداً أو مرتبطاً بالحياة المعُاصرة المعُقدة فقط، أو يطرحه الشخص المتدين، بل وُلد مع الإنسان منذ ما قبل التاريخ المكتوب، ذلك أن الحديث عن الأسباب التي تجعل حُكماً ما أخلاقياً، أو كيف بإمكاننا أن نعيش حسب معايير أخلاقية، وكيف تختلف هذه الأحكام عن غيرها، وما الفارق بين شخص يعيش بناءً على معايير أخلاقية وآخر يعتنق غيرها؟ كل هذه الإجابات متفاوتة، ويبدو أنها لا تتفق مع بعضها، وربما هنا مكمن الغنى والتناقض في نفس الوقت، حيث يذهب بعضهم إلى أن الأخلاق تعني المعاملة بالمثل، في حين يذهب بعضهم إلى أنها تسعى لتحقيق المنفعة الكبرى والسعادة القصوى، كما يذهب طرف آخر بأنها تعني الإلتزام بالمبادئ والقيم الإنسانية العُليا، في حين يذهب طرف رابع بأنها تعني الكُلية أو الاتساق في الأحكام والخطوات، أو كما يقول سنغر، فإن هذه الخطوات تقوم على “تفضيل منفعة أولية preference utilitarian position”، وهو ما يؤدي بحسب سنغر، إلى أننا لا نستطيع الإتكال على الحدوس، أو البديهيات، أو العوامل والقواسم المشتركة مع الآخرين. غير أن هذا الإتجاه لا يتساوى مع الرؤية الإنتهازية والمصلحية الساذجة، فهي تأخذ بالحُسبان الجانب العملي والمتُغير في الحياة، الذي يحتاج لتغير قيمي هو الآخر ليتناسب معه، وألا تبقى الأخلاق كما ورد أعلاه، ألا تبقى نظرية ومنفصلة عن الواقع، بل توجهه، وتعدل مساراته. تنطبق هذه الرؤية المعروضة هنا، على الكثير من الأمثلة والوقائع التي حرص سنغر على مناقشاتها، وتطبيقها عليها، وذلك في الفصول المتبقية من هذا الكتاب، سواء تلك المواضيع المتعلقة بالبيئة، بالقتل الرحيم، أو حقوق الحيوانات أيضاً.

معاملة الحيوانات ومعيار التقدم الأخلاقي.

في مقالته حول معيار التقدم الأخلاقي يشير سنغر، وباقتباس من المهاتما غاندي إلى أن “المعيار للحكم تقدم الأمم وعظمتها الأخلاقية يكمن في التعامل مع الحيوانات”. والسؤال الذي يطرحه هنا: ما مقدار هذا التقدم في هذا السياق خلال الألفي سنة الماضية؟ 

غير أن هذا السؤال طرحه في أعمال سابقة له، منها: الأخلاق في العالم الواقعي، المنشور باللغة الإنجليزية عام 2016م وهو عبارة عن مقالات منشورة سابقًا حول السلوكيات في عالم جديد ومتغير، يناقش فيه الكثير من المواضيع الأخرى، كالسعادة، الحياة والموت، مشاكل الانتحار، الجنس والجندر، الأخلاق الحيوية وغيرها من المواضيع، وتحديداً في الفصل الثاني، وذلك بعد طرحه للكثير من الأسئلة الأخلاقية في الفصل الأول، مثل “أننا جميعاً نتخذ خيارات أخلاقية، غالباً دون أن ندرك ذلك.وغالباً ما نفترض أن الأخلاق تتعلق بطاعة القواعد التي تبدأ بعبارة “لا يجب عليك “… إذا كان هذا كل ما في الأمر للعيش بشكل أخلاقي، فعندئذ طالما أننا لم ننتهك إحدى تلك القواعد، فإن كل ما كنا نفعله سيكون أخلاقياً”.  غير أن القضايا المستجدة الآن تبحث عن حلول أخلاقية، في تعامل البشر مع غيرهم من الكائنات غير العاقلة، مثل: ما هي الأحكام الأخلاقية حول اللحم الذي نأكله؟ وكيف نُعامل الحيوانات في المنزل، والأقفاص، والبحار بما فيها الحيتان وغيرها من الأسئلة التي يبدو أنها خارج نطاق التفكير اليومي، غير أنها تكشف عن أساس أخلاقي خلف هذه السلوكيات. فالحيوانات كما يرى سنغر لم تُخلق من أجلنا، بل نحن –البشر– نوع واحد من الأنواع الحيوانية التي تطورت في هذا الكوكب، كما أنها تشترك في الكثير من الخصائص كالشعور بالألم الذي يشعر به البشر أيضاً، الأمر الذي يجعل هذا التفضيل لا يقوم على أساس أخلاقي واضح، بل تتخلله الأنانية وعدم التحلي بالإيثار. 

من جانب آخر، تثير الحياة المعُاصرة أسئلة حول أهمية وقدسية الحياة ليس للإنسان والحيوان فقط، بل أيضاً وبشكلٍ مواز ٍ حول حق الإجهاض في حالة مرض الأم أو الجنين، أو القتل الرحيم لبعض الأشخاص الذين يعانون من الأمراض المزمنة، ككبار السن مثلاً، حيث أن هذه الأسئلة ليست حِكراً على الجانب الديني، بل تمتد أيضًا إلى الجانب الأخلاقي أكثر من الجانب النفعي، المرتبط بالرحمة، ومصاريف العلاج. فالألم وعدم إمكانية إحرز تقدم في جانب ما، مثل مرض الزهايمر، كفيل بإتخاذ قرارات قد تبدو قاسية من الناحية الإنسانية، لكنها أخلاقية من الجانب المعياري والفلسفي، فهذه الأمثلة المختلفة والمتناقضة تزودنا بمجال فلسفي من الضروري التزود به، وعدم تركه بيد فئة قليلة، كالأطباء، والمتدينين.

خاتمة: 

أخيراً، بهذا المعنى، يسعى سنغر منذ زمن طويل، وتحديداً بعد نشر مقالته “المجاعة والثراء والأخلاق” (1972)“Famine, Affluence, and Morality، لإيصال فكرة حاسمة، وهي: بأن الجميع، وكل واحد منا يستطيع القيام بتغييرات بسيطة في مجاله المحدود، لتخفيف معاناة الآخرين، كالفقر، الجوع، والمرض وغيرها، ليس في بيئته فقط، بل في الكثير من مناطق العالم الآخرى. الأمر الذي جعله يتبرع بنصف مبلغ هذه الجائزة التي تبلغ مليون دولار للمؤسسة الخيرية التي أسسها الحياة الممكن إنقاذها The Life You Can Save من جهة، وتأسيس منظمة تحرير الحيوانات Animal Liberation من الجهة الأخرى، التي تسعى للتركيز على حقوق الحيوانات في مجالات مختلفة، ومنها، التعامل في المختبرات، صناعة الأغذية، تجارة الملابس، ومجال الترفيه. كما تهتم أيضا بالتعامل مع القتل الوحشي للقوارض، والطيور والحيوانات الأخرى.

العدد الأخير العدد الثالث والعشرين بعد المئة ثقافة وفكر

عن الكاتب

Avatar

علي بن سليمان الرواحي

كاتب وباحث عماني