اللغة، مركزية الثقافة والهوية

Avatar

لا شكّ أنّ اللغة تعبر عن الهوية، ولغة أمة ما تعكس ثقافة وروح وطريقة تفكير هذه الأمة، ولكل لغة سماتها الخاصة التي تنبع من داخلها وتعبر عن تفكير الناطقين بها وتحمل بداخلها ما يجعلها تمثل خطًا دفاعيًا عن الهوية والخصوصية الثقافية لهم، لا سيما أن كثيرًا من القوميات في العالم تتمسك بثقافتها المحلية التي تتمثل في الإنتاج الأدبي والفني والثقافة الشعبية بكل ما تحتويه من فنون قولية وبصرية وحرف يدوية وغيرها من أشكال الإبداع المختلفة؛ إلى جانب العادات والتقاليد الاجتماعية التي أنتجتها الثقافة المحلية وتشكلت عبر الزمن، وتعبر جميعها عن الهوية الثقافية للشعوب، بينما تمثل اللغة مركزية الثقافة والهوية والمعبر الأول لثقافات الشعوب. وعلى الرغم من أن الثقافة العربية تعاقبت عليها ثقافات مختلفة لأجناس مختلفة، مستعمرون وغير مستعمرين، غزاة ومحتلون، مهاجرون وتجار ورحالة ومستشرقون، من ذوي أعراق مختلفة وألوان متباينة؛ إلا أن لغتنا العربية تأثرت بالقدر الذي يثري مفرداتها ويشحذ طاقتها، فأفسحت الطريق لدخول كلمات من اللغات الفارسية، والتركية، والإنجليزية، والفرنسية، لإغناء معجمها وإثراء مفرداتها بعد أن تم صياغة الكثير من المفردات والمصطلحات وفق ما يتواءم والإيقاع الصوتي العربي.

      حول مفاهيم اللغة

   في القرآن الكريم: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا…” (الحجرات 13) والتعارف لا يتم إلا باللغة، وتفضي تعريفات اللغة إلى أن اللغة وسيلة للتواصل الإنساني بين البشر، فتعرف اللغة – معجمياً-  بأنها: أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم. ويقال: سمعت لغاتهم: اختلاف كلامهم. واللغة: مظهر من المظاهر التي تميز حياة الجنس البشري، وتعمل على تطورها بالصورة التي تليق به. واللغة -أيضا- أداة رمزية تتألف من ألفاظ وتركيبات من هذه الألفاظ. والألفاظ مجرد رموز متفق على معناها بين المتكلمين لهذه اللغة أو تلك. ويتواضع أفراد المجتمع وحكماؤه – كما قال ابن جني قديمًا – على مجموعة من الأسماء الرمزية بقصد “الإبانة عن الأشياء المعلومات، فيدعون لكل واحد منها سمة ولفظًا إذا ذكر عرف به مسماه ليمتاز عن غيره، وليغني بذكره عن إحضاره إلى مرآة العين”. أما انتظام هذه الألفاظ على هيئة جُمل تعبّر عن معانٍ معينة، قد تحمل خبرًا أو تدُل على استفهام أو تتضمن أمرًا او تنطوي على تعجب أو تشتمل على ثمن أو رغبة؛ فيعرف هذا بالتركيب اللغوي. اللغة أيضا طريق معينة في تنظيم العالم، وبالتالي طريقة محددة في فهمه والتعامل معه. 

   يذهب كلود ليفي شتراوس في كتابه “الأنثربولوجيا البنيوية” إلى أن أكثر السُبل إلى فِهم منطق تفكير شعب معين هو دراسة لغته، ويعرف عالم اللغويّات الأمريكي برنارد بلوخ اللغة بأنها “عبارة عن مجموعة من الرموز الصوتيّة المناسبة المستخدمة للتواصل مع الجماعات الاجتماعيّة”، أمّا عالم اللغة الإنجليزيّة هنري سويت فيعرف اللغة بأنها “عبارة عن أداة تُستخدم للتعبير عن الأفكار من خلال أصوات كلاميّة مكوّنة من كلمات تؤّلف الجمل، بحيث تعبّر هذه الجمل عن الأفكار الموجودة في داخل الإنسان”. كل لغة إذن كما يقول اندريه مارتينيه “تمثل طريقة خاصة في تنظيم العالم” وبما أن التفكير في الواقع يستحيل حصوله بدون لغة؛ فلا شك أن هذه الأخيرة تؤثر تأثيرًا كبيرًا على عملية التأمل. واللغة عند تشومسكي ظاهرة فردية، بينما عند دي سوسير “ظاهرة اجتماعية، تعكس كل العادات والتقاليد والثقافات التي تطبع مجتمعا من المجتمعات”. 

اللغة والتفكير والتواصل

   كان للغة حضورها منذ أول لحظات خلق الإنسان، فقال الله عز وجل: “وعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا…” (البقرة 31)، وللغة حياتان.. في حياتها العامة هي نظام تقاليد متفق عليه من قبل مجموعة ناطقين بهدف التواصل الفعال. وفي وجودها الخاص، كنظام معرفة تبناه المتحدث في عقله الخاص، وإن كان للغة أن تقوم بأعمالها كوسيلة تواصل فعالة، فلابد للنظام الخاص في عقل المتحدث أن يتوافق بشكل واضح مع النظام العام للتقاليد اللغوية.(1) لذلك فإن لظاهرة اللغة علاقتها الوطيدة بظاهرة التفكير، فإذا كان الإنسان يتميز عن الكائن الحيواني بالتفكير، فإنه يتميز أيضا بفعالية اللغة، بل لعل امتيازه واختصاصه بالتفكير مستحيل بدون اختصاصه باللغة.

   يوضح الإنجليزي فرنسيس بيكون في القرن السابع عشر أننا نستطيع أن نستشف “دلائل ملموسة لأخلاق وعقول الشعوب من خلال لغتهم” وأكد على ذلك الفرنسي إتيان دي كونديلاك في القرن الذي يليه عندما صرح بأنّ “جميع الدلائل تؤكد أن كلّ لغة تعبر عن شخصية الإنسان الناطق بها”، أما الألماني يوهان جوتفريد هيردر فقد أقر بأن “فكر وشخصية كل شعب مطبوعان في لغته، فلدى الشعوب الكادحة عدد كبير من الأمزجة في أفعالهم، بينما يزداد عدد الأسماء عند الشعوب المتحضرة الميالة إلى الأفكار المجردة” وأضاف أنه يمكن القول باختصار “إن فكر الشعوب يتجلى في شكل لغتها أكثر منه في أي مكان آخر”. وقال رسل “قد يمكننا دراسة سمات الشعوب من خلال الأفكار التي تطرحها لغتهم”  ان اللغة أساسا فطرية، وبمعنى آخر، إن أساسيات اللغة مطبوعة في جيناتنا، وهي متشابهة عند جميع أصناف الجنس البشري. ولنعوم تشومسكي مقولة شهيرة: إن علماء المريخ لابد أن يستنتجوا أن جميع الأرضيين يتحدثون بلهجات مختلفة للغة واحدة، فجميع اللغات تتشارك أساسًا في قواعد لغة عالمية ومفاهيم معينة ودرجة من التعقيد المنهجي”(2

اللغة وسؤال الهوية 

   الهوية هي ما يتشكل من علاقتنا بالدين واللغة والفنون المحلية والعادات والتقاليد التي نتوارثها عبر مئات السنين، ويمكن تعريف الهوية بإيجاز بأنها الذات الجمعية والقومية بما تنفرد به من مواصفات عامة لا تتوفر أغلبها لأمة أخرى. ويجب أن نفرق بين القومية كخصوصية ثقافية، والقومية كشعار سياسي. وبحسب د. عبد الحميد ابراهيم فإن “القومية بالمفهوم الثقافي لغة واحدة، وبيئة جغرافية متجاورة، وتاريخًا مشتركًا، وغير ذلك مما يشكل في النهاية مجموعة من الملامح الثقافية المشتركة، تميز إنسان المنطقة، وتمثل خلفية فكرية وراء ردود أفعاله”(3من هذه الزاوية لا يختلف مفهوم “الثقافة” عن مفهوم الهوية. ويعرف إدوارد تيلور الثقافة في كتابه “الثقافة البدائية” بأن “الثقافة بحسها الإثنوغرافي(4الشامل هي ذلك المفهوم المركب الذي يشمل المعرفة والمعتقد والفن والأخلاق والقانون والتقاليد وأي قدرات وعادات أخرى يكتسبها الإنسان كعضو في المجتمع”(5) وعلى الرغم من كثرة المفاهيم العلمية والتعريفات التي تحدد ماهية “الثقافة” ومدلولها، نتوقف عند المفهوم التالي باعتباره يتواءم من حيث الزاوية التي نتأمله منها، ويختزل الكثير من التعريفات الأخرى، تعرف الثقافة بأنها “مجموع القيم والتقاليد والأفكار وأشكال الإبداع الفردي والجمعي المادي وغير المادي التي ترادف الوعي الاجتماعي من ناحية وأسلوب الحياة أو رؤية العالم من ناحية موازية. وأول ما يترتب على ذلك هو أن الدين مكون أساسي من مكونات الثقافة في كل مجتمع من المجتمعات البشرية”(6) على هذا الأساس يمكن النظر إلى اللغة العربية باعتبارها أحد المقومات الثقافية الرئيسة للمجتمع العربي. 

   اللغة جزء من كيان الشخص ووجوده وشخصيته الاجتماعية، والتفريط فيها يمثل تنازلًا عن بعض هذا الكيان وإهدارًا لشخصيته. واللغة العربية هي لغة القرآن الكريم، وتعتبر أداة للفهم والتقارب بين شعوب العالم العربي رغم اختلافها في الأصل السلالي أو العرقي. فإذا كانت اللغة هي الوسيلة الرئيسة التي يتم بها التعبير عن أفكار الإنسان، فهي على هذا النحو أساس التطوير في حياة الانسان وتقدمه(7). وتبدأ عملية التطوير من اللغة ذاتها، ويجمع كثير من العلماء والباحثين على ضرورة النهوض باللغة العربية كأحد الشروط الأساسية للنهوض بالأمة العربية، وقضايا اللغة من القضايا المحورية التي تضطلع بإنجاح محاولات النهوض في الدول التي لديها مخزون ثقافي عريق يؤهلها لأن تشكل قوة مؤثرة على الصعيد العالمي. العالم العربي يمتلك مخزونًا ثقافيًا يجعل له الطموح المشروع في أن يكون على رأس هذه القوى، فضلًا عن امتلاك لغة تاريخية، وعقيدة، وثروة بشرية، ولكي يتحقق ذلك فإن العالم العربي عليه أن يجعل اللغة العربية هي اللغة الأم قولًا وفعلًا وليس بالأحاديث البراقة التي تمجد اللغة وتهتف باسمها، أي التخلى عن استخدام اللغات الأجنبية ويكون الاعتماد على بعض المفردات والمصطلحات من خلال مجامع اللغة العربية، فهي الجهة المنوط بها ضبط المفردات صوتيًا بما يتواءم في النطق مع الإيقاع العربي.

الهوامش والمراجع:

  1. جاي دويتشر – “عبر منظار اللغة- لمَ يبدو العالم مختلفا بلغات أخرى؟”- ترجمة: حنان عبد المحسن مظفر- سلسلة عالم المعرفة- الكويت (429 – أكتوبر 2015)
  2. منظار اللغة – مرجع سابق
  3. عبد الحميد إبراهيم- الأدب المقارن من منظور الأدب العربي- نادي المنطقة الشرقية الأدبي – الدمام
  4. الإثنوغرافي: يشير مصطلح الاثنوجرافية (ethnography) إلى العمل المتعلق بدراسة الثقافة من خلال الدراسة الميدانية العلمية للظواهر الاجتماعية. ويمكن القول بأن الإثنوغرافيا هي وسائل لتمثيل ثقافة الجماعة بيانيًا وكتابيًا.
  5. منظار اللغة – مرجع سابق
  6. جابر عصفور ” صحيفة الأهرام القاهرية” – مقال بعنوان “الثقافة والدين” 9/4/2015  
  7. أحمد أبو زيد، “هوية الثقافة العربية”، الهيئة المصرية العامة للكتاب (بتصرف).

العدد الأخير العدد الثالث والعشرين بعد المئة ثقافة وفكر

عن الكاتب

Avatar

طارق إبراهيم حسان