روديارد كيبلينج، وصرحه الأدبي

Avatar
كتب بواسطة حجاج سلامة

الموسيقا لم تخفت بعد

روديارد كيبلينج، شاعر عبقري، وأديب إنجليزي ذائع الصيت، نال جائزة نوبل في الآداب، وعاش ما بين القرن التاسع عشر والقرن العشرين، ورحل قبل أكثر من ثمانية عقود مضت، تاركا صرحا أدبيا من الدواوين المؤلفات الأدبية والدواوين الشعرية التي لم تخفت موسيقاها بعد، والتي منح من خلالها الأنشودة الحقيقية التي كان ينشدها الإنجليز لأرضهم.

وكما يقول بنوا وطنه بريطانيا، فإنه إذا كان التاريخ قد أبطل النظريات الاستعمارية لروديارد كيبلينج، فإن الموسيقا التي وجدها جمهور القراء والنقاد في أعماله “ظلت كما هي دون تغيير” فيما يظل الصرح الأدبي الذي يتكوّن من أعماله الشعرية والأدبية فريدا في نوعه، وحالة المرح والخيلاء التي عاشتها بريطانيا فيما يُعرف بالعصر الفيكتوري.

 وعلى الرغم من النظريات الاستعمارية التي عُرف بها كيبلينج”، وحرصه في فجر مجده الأدبي على الإشادة بالموهبة الاستعمارية لبلاده، إلا أنه كتب قصائد مجّد فيها من كانوا يثورون في وجه التمدد الاستعماري لوطنه بريطانيا.

 ومن بين تلك القصائد الشعرية، القصيدة التي كتبها خلال المعارك الشرسة الجيوش البريطانية المدججة بأحدث الأسلحة آنذاك، والتي كان يقودها جنرالات الإمبراطورية البريطانية، وثوار السودان، بقيادة الأمير عثمان دقنة، حيث التحم الطرفان –وقتها -في معارك بطماي، والتيب، وسنكات، وطوكر، وسواكن، واركويت وهي المعارك التي شارك فيها روديارد كيبلينج، حيث كتب قصيدته التي تحدث فيها عن شجاعة الثوار السودانيين في المعارك، وروعتهم في الوثب على الجنود البريطانيين، وهي القصيدة التي يعدها بعضهم بأنها من عيون القصائد التي كتبها “كيبلينج”.

في بلاد الشرق

ولد روديارد كيبلينج، في يوم الثلاثين من شهر ديسمبر عام 1865 في بلاد الشرق، وتحديداً في مدينة بومباي الهندية، وفي عام 1871، إذا به يكتشف مع شقيقته أرض اجداده.. بريطانيا، وكان في ذلك الوقت يبلغ من العمر ستة عشر عاما. 

ويروي “كيبلينج” في قصصه بأنه عاش طفولة تعسة، وقد اسمى البيت الذي أقام به في سنوات طفولته بـ “بيت الأسى”.

وعندما أصبح في السابعة عشرة من عمره، عمل في لاهور محررا بالصحف الهندية، التي كانت تصدر بالإنجليزية، وبدأت حياته الأدبية في العام 1886 حين كتب أول قصائده الشعرية.

وفي العام التالي مباشرة، أي عام 1887، صدرت له مجموعة قصص قصيرة بعنوان ” قصص التلال البسيطة”، وهي مجموعة وصفها النقاد آنذاك بالجذابة، ووصفت أيضا بشديدة القسوة، حتى قال عنها أوسكار وايلد: “عندما كنت أقلّب صفحاتها، اعتراني إحساس بأني أجلس تحت نخلة، أقرأ عن الحياة في أضواء سوقيه رائعة”، وبهذا العمل الأدبي، الذي نال شهرة ونجاحا بالغين، بدأت رحلة النجاحات الأدبية لروديارد كيبلينج.

الضوء الذي يخبو

وبعد تلك الفترة، ومع انطلاق رحلته نحو عالم الشهرة، كتب روديارد كيبلينج الجانب الأكبر من مؤلفاته الضخمة.

 وفي أعقاب قيامه برحلة إلى اليابان والولايات المتحدة الأمريكية في العام 1889، نشر أول قصة طويلة له، وهي القصة التي حملت عنوان: “الضوء الذي يخبو”، وكان ذلك تحديا في العام ١٨٩١.

 وأما مجموعة قصصه “أناشيد عنبر الجنود”، والتي صدرت عام 1892، فقد كَتب الجانب الأكبر منها، بينما كان يتجول بين الجنود الإنجليز خلال الحروب الاستعمارية، وفي العام نفسه تزوج كيبلينج من فتاه كندية، تدعى “كانديس بالستيك”، والتي أنجبت له فتاتين هما: “جوزيفين”، و”إيلسي”، وعندها استقر به المقام في ولاية فيرمونت بالولايات المتحدة الأمريكية، وذلك بعد أن قضي شهر العسل في كلاً من كندا واليابان، ولكنه ظل على الدوام يتذكر أيام طفولته في الهند، حيث عوالم الشرق الثرية والمُلهمة.

وفي عامي 1894، و1895، أهنى من وضع كتابيه الأكثر شهرة عن “الغابة”، وفي هذين الكتابين اللذين استعان على كتابتهما بكتاب لوالده بعنوان: “الحيوانات والإنسان في الهند” روى فيهما المغامرات العجيبة التي قام بها “موجلي” أو الطفل الذئب، الذي عاش -بحسب كتابات كيبلينج- بين الحيوانات المفترسة، كما لو كان يعيش في بيئته الطبيعية كما أوضح أن سكان الغابة يحكمهم قانون أخلاقي صارم، ويعيشون فيها حياة لا تقل روعة عن عالم الانسان.

لكن هذا الإطار سرعان ما تغير في روايته “رجال شجعان” التي أصدرها عام 1889 فأحداثها لا تدور في الغابات الاستوائية المترامية الأطراف، وإنما تدور في الأرض الجديدة، حيث البطل، وهو ابن رجل ثري يمتلك آلاف الملايين، يشرف على الغرق، فينقذه بحارة سفينة صيد في عرض البحر أمام جلوستر، وهنا يدرك البطل أن المال، والحياة الرغدة، والقوة الاجتماعية، ليست سوى أمور تافهة في نظر هؤلاء الصيادين، الذين لا يقيمون وزنا إلا لصفات -الشجاعة وقوة الاحتمال، اللتين تتطلبهما حياة البحار.

ويصادف كيبلينج متاعب عائلية، فيغادر الولايات المتحدة الأمريكية عام 1897 مع زوجته وطفلتيه، لكي يذهب إلى مدينة الكاب في جنوب أفريقيا. إلا أن الطفلتين أصيبتا بمرض خطير، توفيت على أثره جوزيفين، وعندها وتحطم روديارد كيبلينج نتيجة لهذه المأساة، فعاد إلى إنجلترا، وأقام في مقاطعة سوسيكس، ولكنه عاد مرة أخرى إلى جنوب أفريقيا، فلم يغادر مدينة الكاب حتى عام 1907، لكي يقضي فترات قصيرة في الوطن الأم.

 وفي عام 1907، الذي حصل فيه على جائزة نوبل للآداب لمجموعة أعماله، اشترى منزلا في بورواش مقاطعة سوسيكس وأقام فيه. 

إنتاج أدبي متعدد الألوان

وقد ظل روديارد كيبلينج يعيش في هذا البيت حتى توفي عام 1939، وذلك بعد أن نشر عدة روائع له هي: كيم – عام 1901 – وپوك.. شيطان التل – عام 1906 – وجوائز – عام 1910 – وكذلك كتاب “التاريخ هكذا “، وهو عبارة عن مجموعة قصص للأطفال كتبها عام 1915، وربما لا يزال الأطفال الإنجليز يتعلمون منها حتى اليوم “كيف أصبح للنمر ثوبا مخططا.. وكيف حصل الفيل على خرطومه”، وفي جُلّ مؤلفاته أثبت ” كيبلنج ” أنه يمتلك قريحة قادرة على التجديد. 

وقد نشرت القصيدة الأخيرة له عام ۱۸۹۷، خلال عهد الملكة فيكتوريا، وكانت اللغة القاسية التي كُتبت بها، مبعث دهشة للجميع، وجاءت لتشير إلى روديارد كيلينج، كان رجلاً صافي النظرة، لا ينساق مع مرح الإمبريالية.

ومن أشعاره المعروفة ما كتبه تحت عناوين: موندالاي، وفوزي وودي، وداني ديفر، وجونجا دين، والصلاة خلال الإجازة، وهذه جميعا أكثر أشعاره انتشارا وذيوعا. 

أدب العدد الأخير العدد الرابع والعشرين بعد المائة ثقافة وفكر

عن الكاتب

Avatar

حجاج سلامة