حرب مكبرات الصوت البرلينية

Avatar
كتب بواسطة رونزا اليحمدي

تفاهم دولي بقوة 5000 واط

بعد بناء جدار برلين في عام 1961 ، بدأت حرب من نوع مختلف بين شرق وغرب المانيا، باستخدام دعاية مكبرات الصوت. حرب سرقت النوم من عيون البرلينيين. كانت لدى المنتسبين الى المانيا الشرقية – والذين كانوا في ثكناتهم العسكرية بقرية جروس جلينيكه في برلين وبوتسدام – خطة أخرى، حيث أنهم رغبوا في 7 من أكتوبر لعام 1965 بالإحتفال بالذكرى السادس عشرة لألمانيا الشرقية. لم يتوقع أي من الجنود ضوضاء الجحيم التي دوت في آذانهم تلك الليلة.

على بعد بضعة أمتار في الضفة الأخرى من الحدود الألمانية كان الإبهام مسيطراً على المكان، فبين الأشجار التي غطت أرض المطار التابع لسلاح الجو الملكي لغا تو[1] بدأت أطراف شبه هيدروليكية لآلة ما؛ ترتفع إلى السماء، لا توجد في نهاية تلك الأطراف أية اصابع، بل مكبرات صوت ضخمة. في الوقت نفسه بدأت في الثكنات العسكرية إحتفالات يوم الجمهورية بالموسيقى، العروض العسكرية وخطابات تكريمية للإشتراكية. إلى أن أوقف الإحتفالات ضجيجُ بوقٍ يصم الآذان من كل بقعة في الحدود.

“إنتباه، إنتباه! هنا استوديو الأسلاك الشائكة! يا رجال الجيش الشعبي الوطني: [2]كل من يطلق الرصاص على شخص، فهو قاتل. صباح الأمس نزف في المنطقة المجاورة لمعبركم الحدودي أحد افراد الجيش الشعبي الوطني حتى الموت. لقد أُطلق عليه النار من قِبل أحد من زملائه، فقط لأنه أراد التنقل من ألمانيا إلى ألمانيا. سيتبعكم هذا العار في جميع أنحاء العالم” حتى على بُعد أربعة كيلومترات من الثكنة العسكرية كان صوت هذا الخطاب واضحاً تماماً.

صوت مدوي عبر جدول محدد

بعد فترة قليلة من بناء جدار برلين في اغسطس لعام 1961، بدأت ذروة سباق التسلح بمكبرات الصوت بين ألمانيا الشرقية والغربية، والتي سلبت النوم من أعين العديد من البرلينيين. حاول الشرقيون والغربيون عبر سنوات عديدة ان يكون صوت كل جهة منهم أعلى من الآخر. بداية هذه المنافسة كانت هي الأخرى غريبة، ومرتبطة بأغنية رئيس هندي. في 15 من يونيو لعام 1961، صرح رئيس دولة المانيا الشرقية والتر البريشت بأنه “لم تكن لأي شخص نية لبناء الجدار” بعد أقل من شهرين تصدى بعنف لإيقاف موجة آلاف الهاربين من المانيا الشرقية باتجاه برلين الغربية. وفي 13 من اغسطس لعام 1961 أمر بوضع حواجز مميتة على الحدود، والتي قسمت المانيا لعقود.

بعدها بفترة قصيرة وصل المستشار كونراد اديناور في 22 من اغسطس إلى برلين الغربية، ليعدها بحمايته المُطلقة. خطابه الجاد الذي قدمه أمام بوابة براندنبورغ تم التشويش عليه بشكل حساس؛ عن طريق بث موسيقى روك للموسيقي الأمريكي والجندي غوس باكوس من مكبرات صوت حرس الحدود في برلين الشرقية، حيث وظف الكاتب المسرحي في المانيا الشرقية ردوي ستراهل  كلمات أغنية غوس المشهورة عن زعيم هندي كوسيلة إستهزاء موجهة لرئيس بلدية برلين الذي سيصبح فيما بعد مستشار المانيا الغربية، ويلي برانت:

(في بون أيضا، ويلي برانت

لم تجد أي مساعدة

اتصل بك كونراد طالباً:

إختر الإتحاد الديموقراطي المسيحي

حينها قال الزعيم الهندي:

الغرب وحشي، والوظيفة صعبة!(

بعد هذه الحادثة بأيام قليلة، أمر برانت بإنشاء أداة دعائية متنقلة. كانت تُساق شاحنة “أستوديو الأسلاك الشائكة” على مدار الساعة على طول خط حدود برلين. كانت سيارات فولكسفاجن من طراز بوليز ذات النوافذ المحمية بأسلاك معدنية والتي تحمل بطاريات مكبرات الصوت على سطحها؛ تعمل حسب جدول زمني صارم. كان المحررون يقفون كل ربع ساعة أمام المركز الحدودي للشرق يقرؤون أخباراً وتصريحات لجنود الجيش الشعبي الهاربين، في بث مباشر مصحوب بموسيقى حية. كان الأمر متعلقاً بثني الجنود عن عدم التصويب على الهاربين “القتل يبقى قتلاً، حتى ولو كان مجرد أمر” كان واحداً من الشعارات المستخدمة.

هذا أمر مُريع

كتب النصوص صحفيون مثل هانس بيتير هيرز، والذي كان يعمل في محطة رياس برلين[3]. كان هدفهم كسر ولاء حرس الحدود لسلطات جمهورية ألمانيا الشرقية. تقول واحدة من النصوص ” اسألوا انفسكم مرة، لماذا يجب عليكم الوقوف هنا؟ يأمركم الجنود الأعلى رتبة بأن تبقوا هنا من أجل حفظ السلام….هذا أمر لا يؤمن به حتى هم. ليس من الصعب معرفة من يريد ايقاف السلام هنا، إنه البريشت. لقد قام ببناء جدران وأسلاك شائكة…هو يأمركم حتى بإطلاق النار على شعبكم 

رد جمهورية المانيا الشرقية جاء على شكل 190 مكبر صوت وضع على الحدود، وتم تشغيل الموسيقى الشائعة، وهجاء عن ويلي واين براندت، ومن هناك جاءت ايضاً تحذيرات للبرلينيين الغربيين عن خطط لحرب قريبة من قِبل حكومتهم. كانت هذه الأخبار تستمر حتى ساعات متأخرة من الليل.

كان الجميع غاضبين لأبعد الحدود

يتذكر مايكل كلات صراع الإزعاج الذي عايشه عندما كان في 11 من عمره، كان منزل والديه يبعد 100 متر فقط عن الحدود:  ” كانوا دوماً يقومون بتشغيل تلك الموسيقى التي قاموا بتغيير جذري في كلماتها، بصوت عالٍ جداً وغير محتملعلى سبيل المثال، كانت هناك أغنية تقول في نسختها الأصلية   :”ميامي تمتلك سيداً، ذلك السيد يبدو مثل الوزير” قاموا بتغيير الكلمات لتصبح:  “يبدو مثل وزير للحرب ذلك السيد” .

أرهق الطنين المستمر العديد من الناس . “هذا أمر مُريع” صرح احد المواطنين في مقابلة مع قناة رياس في 14من ديسمبر من عام 1961 “ كنا نغطي آذاننا كلما فتح الأخوان هناك افواههم في الساعة الثامنة. حالما يبدؤون؛ لا يمكنك حتى التفكير في النوم” حاول البرلينيون الغاضبون في الشرق التغطية على اصوات مكبرات الصوت بأبواق سياراتهم، ولكن محاولاتهم لم تفلح في تغطية ما كان يتم خلال عملية بناء الجدار في برلين.

غاز مسيل للدموع وحصى

عاشت برلين الغربية في الأول من مايو لعام 1962 هزيمة مريرة: خلال احتفالات عيد العمل غرق الرايشتاغ في موجة من الضوضاء القادمة من الشرق. حتى طفح الكيل بالتقنيين من استوديو الأسلاك الشائكة، ورفعوا صوت نظامهم السمعي حتى 120 درجة، بينما كانت المانيا الشرقية تعمل على 95 حتى 105 درجة فقط.

عمل فريق مكون من المحررين والتقنيين على سلاح سري. فبعد تلقي الموافقة الرسمية على طلبهم، أصبح استوديو الأسلاك الشائكة يعمل على اربعة شاحنات مرسيديس، بطاريات مكبرات الصوت الضخمة تصل إلى ثلاثة عشر متراً في الهواء، ومدى وصول الصوت يمتد أكثر من خمسة كيلومترات.

تطور صراع الدعاية ليصبح أكثر من مجرد كلام بين الطرفين. قام الشرقيون على الحدود برمي قنابل الغاز من الجدار على باصات استوديو الاسلاك الشائكة، بينما الوحدات الغربية ترمي الغاز المسيل للدموع.

كخاتمة لهذا الصراع، قام استوديو الاسلاك الشائكة بتشغيل اسطولهم مرة أخرى لإزعاج احتفالات الشرقيين في يوم الجمهورية عام 1965

الأستوديو الخاص بنا” – نادى المحرر هانس بيتير هيرتز – “عاد بقوة نظام 5000 واط! ” حالما بدأ البث، لم يكن بمقدور الشخص سماع صوته في الكابينات الخاصة به. “يجب على المانيا الشرقية أن تعرف، أنها لن تستطيع الفوز في حرب مكبرات الصوت!

حل الهدوء بعد أربع سنوات، واستمر استوديو الاسلاك الشائكة ينشر الأخبار بهدوء بين الشعب، عبر لوحات دعائية متنقلة و إعلاناتٍ بحروف النيون المضيئة. فقط في بعض الأحيان كانت تصلهم إجابةٌ عاليةُ الصوت من الشرق:  “توقف!  ليس بهذه السرعة، نحن لسنا بعيدين!” .

نُشر النص الأصلي باللغة الألمانية في مجلة Der Spiegel (31.08.2016)

رابط النص: Lautsprecherkrieg in Berlin: Völkerverständigung mit 5000 Watt – DER SPIEGEL

رابط الصور: Lautsprecherkrieg in Berlin: Völkerverständigung mit 5000 Watt – DER SPIEGEL


[1] منطقة في الجنوب الغربي من برلين

[2] الجيش الشعبي الألماني التابع لألمانيا الشرقية  

[3] محطة إذاعية تابعة للجزء الأمريكي من برلين

العدد الأخير العدد الرابع والعشرين بعد المائة ثقافة وفكر

عن الكاتب

Avatar

رونزا اليحمدي