قصور مصر، تاريخ عبر العصور

Avatar
كتب بواسطة محمد عطية محمود


(1)
يقول الرحَّالة الفارسي الشهير “ناصر خسرو”1عندما زار مصر سنة 439 ه 1046 م، مفتتنًا بما رآه من نهضة معمارية شاهقة ساحرة للألباب، وشاهدًا على حقبة تاريخية مهمة من تاريخ مصر مع الحضارة، وما يمثلها من نهضة معمارية فارقة: “حينما يرى الإنسان من بعيد، مصر الفسطاط، يظن أنها جبل فيها دور من أربع عشرة طبقة وأخرى من سبع طبقات”
بهذا المنظور الهندسي البديع الذي يفتح زاوية الرؤية على المكان بنظرة جمالية خالصة تدعو إلى المهابة والعظمة والشموخ، من خلال حضارة مصر في العصور الإسلامية، وبدايةً من عصر الفاطميين تحديدا نجد أن تاريخ القصور والعمارة قد ضرب بجذوره ليعيد تقييم المشهد الحضاري من جديد، وليعيد تقديم وجه مشرق للعمارة الإسلامية أينما توجهت ركائبها سواء من الشرق أو الغرب أو من أحدهما إلى الآخر، فالنظائر المعمارية متعددة ومتمايزة، ولكل طبقة من طبقاتها رموزها التي تحقق لها التمايز والاختلاف، والشاهد على ذلك كما يشير كتاب “قصور مصر”2 للباحثة والصحافية المصرية “سهير عبد الحميد”، والذي يقع في حوالي 470 صفحة من القطع المتوسط، مزودًا بالصور والمراجع، حيث تقول:
“قصور مصر ليست مجرد أمكنة وجدران وشوارع إنما هي سجل يخلد أسماءً وشخوصًا وأحداثًا، رمزًا لنمط عمارة ساد وظروف عصر خلا، وثقافة مجتمع تعاقبت عليها السنون، وظلت تحمل شيئًا من توقيعه، لا يزال محفورًا في ومضة هنا أو أخرى هناك”3
وحيث ترتبط القصور بالتاريخ كآثار حية أو بائدة على حد السواء بمثولها في ذاكرة الوجود، من خلال كتب التاريخ والآثار؛ وكشاهد عيان أو كأطلال باقية من بعد عمار وازدهار؛ لتمثل نقاطًا مضيئة تعبر عن حضارات الشعوب، والتي تكتب بدهاليزها أسرارها وتفك بها شيفرات التاريخ في حقب متوالية، ولعل الناحية المعمارية لهي خير دالٍ على مقدار ما وصلت إليه الأمة من حضارة وتقدم في فترة من فترات الزمن، والتي ربما استمرت لتمثل تاريخًا عريضًا من حياة القصور دالًا على الحالة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية المتشابكة، واستثمارًا لهذا الكم المتداخل من الزخم التاريخي والإنساني المرتبط بتلك القصور، وما صاحب ذلك من نهضات معمارية، وانتكاسات وحالات من السلب والنهب والتخريب، أو التجميل والصيانة والمحافظة على حد السواء، إضافة إلى رصيد هائل من الصراعات المعلنة والمسكوت عنها على حد السواء؛ فيشير الكتاب/ المرجع، في أحد المواضع تأصيلًا لظاهرة إقامة القصور وبدايتها في القرنين السابع عشر والثامن عشر، وهي مرحلة القصور قبل حقبة محمد علي وأولاده:
“إلا أن القصور كانت تتميز وحدها – خلافًا لكل البيوت الأخرى – باستخدام الرخام كعنصر للزخرفة في الأرضيات أو على شكل أعمدة، كذلك الأخشاب المزخرفة، فقد كان ثمن الخشب والرخام يمثل تكلفة عالية للبناء، وكانت المساحات تتراوح ما بين 2500 متر مربع كما في بيت السحيمي، وتصل إلى أكثر من الفدانين كما في قصر عبد الرحمن كتخدا الذي كان يوجد على مقربة من بولاق” 4
في حين يرجع الكتاب أهمية وجود القصور في التاريخ المصري والتي ترجع إلى أقدم العصور، والتي ترتبط تاريخيًا بالحضارات الأخرى التي تلاقت وتلاقحت مع الحضارة المصرية، ارتباطًا وثيقًا بما تخلفه هذه الحضارات وآثار وشواهد على القدرة الإنسانية على الإنشاء والتعمير، والتدمير أيضًا، ومن ثم صناعة التاريخ من خلال ذلك، تلك التي تصنع موروث الأمم ويصب في معتقداتها الدينية أو الاجتماعية أو الوجودية على حد السواء.. “أما عن القصور فقد بُنيت بالسويس منذ أقدم العصور، فقد اكتشفت مصلحة الآثار المصرية عام 1960 قصرًا يرجع إلى العصر اليوناني في جزيرة بوسط مياه الخور، والكثير من القطع الأثرية النادرة وتوابيت وتماثيل وغيرها، ويقال إن أنقاض هذا القصر تعود إلى مدينة تسمى “كليوباتريس”، وقد تم نقل محتويات هذا القصر إلى متحف السويس الإقليمي”5
ما يشهد على الامتداد التاريخي كعنصر للزمن، ارتباطًا بالنواحي الجغرافية التي تمثل جسورًا مادية وحقيقية على أرض الواقع بين أصحاب الحضارات وأصحاب الرؤى الفلسفية الطموح، تلك التي تستقي منها الشعوب تلك السمة من الحفاظ على موروثاتها وارتباطها الحميم بكل عوامل النشاط الإنساني من تجارة وصناعة واقتصاد تمثل فيه القصور وتلعب دورًا مهمًّا كصناعة تستلزم المزيد من المعدات والآلات والعوامل البشرية والإمكانات المادية الموجودة سلفًا والمستحدثة، والمطلوبة عبر خبرات أخرى، وهو ما يظهر في تلك النهضة المعمارية والفنية التي صاحبت تطور عملية تشييد وبناء القصور، وما بينها وبين الواقع العام من جسور وطرق.
العمارة الإسلامية
إلا أن التوجه العام الذي تنطلق منه الرؤية المؤسسة لفصول الكتاب الذي يتناول تاريخ تلك القصور، يرتبط ارتباطًا وثيقًا بتلك النظرة الفلسفية العقائدية لتشهد على نوع من العمارة الإسلامية المرتبطة بسمو الروحانيات، منذ عصر ما قبل محمد علي؛ فانتشرت القصور مع انتشار الفتح الإسلامي لمصر بدءًا من “دار عمرو بن العاص” التي أقامها بالفسطاط، ثم “دار عبد العزيز بن مروان” (القصر الذهبي) الذي أصبح دارًا للإمارة والحكم، ثم “دار صالح بن علي” في مدينة العسكر شمال الفسطاط، والتي استمرت مقرًا للحكم حتى أنشأ أحمد بن طولون “قصر الميدان” سنة 871 م، وقد قيل فيه أنه كان آية في الجمال والروعة، وهو الذي بلغ مرحلة من الترف والبذخ ربما لم تكن مسبوقة، فيذكر المقريزي أن: “حوائطه كانت مطلية بالذهب ومحلاة بنقوش اللازورد.. كما جعل فيه صورًا بارزة من الخشب تمثل نساءً برؤسهن أكاليل من الذهب المرصع بالجواهر”
ثم تلا ذلك “القصر الشرقي الكبير” أو “القصر المعزي” الذي بناه جوهر الصقلي للمعز لدين الله الفاطمي، وقد بلغت حجراته أربعة آلاف بحسب الروايات.
أما في القاهرة المملوكية فقد انتشرت القصور حول البِرك، ولعل أبرزها “بِركة الأزبكية” التي حفرها الأمير أزبك، وتوالت القصور التي أنشأها المماليك والتي مازالت قائمة بالقاهرة، ومن أشهرها قصر “الأمير يشبك”، وقصر “الأمير بشتاك”، وقصر “الأمير طاز”، وهو الذي قيل فيه عبر صفحات الكتاب أنه: “أنشأ هذا القصر الأمير سيف الدين عبد الله طاز ابن قطفاج وهو أحد أبرز أمراء دولة المماليك البحرية، صعد نجمه في فترة حكم الصالح إسماعيل بن الناصر محمد 733/745ه، 1343/1345م، وفي عهد أخيه المظفر كانت تقاليد الدولة بيده، وزادت مكانته خلال فترة حكم الناصر حسن بن الناصر محمد الذي جعل من طاز داوادار دولته ثم ولاه نيابة حلب”6
هذا بالإضافة إلى قصر “السلطان قايتباي”، وقصر “الأمير خير بك”، وبقايا منزل “السلطان الغوري”، ومن أشهر المنازل الأثرية القائمة: منزل “السناري” بالسيدة زينب، ومنزل “السحيمي” بقسميه الجنوبي والشمالي، وهي القصور والآثار التي تحاك حولها الحكايات والأساطير، والتي ارتبطت بعدد كبير من الأحداث المعاصرة التي أحيت الكثير منها وطمست الكثير منها، لكن تبقى الآثار دالة على هذا الوجود.
(2)
القصور منذ محمد علي إلى مصر الجديدة
يشير الكتاب إلى أنه أقيمت بالسويس في القرن التاسع عشر عدة قصور منها قصر محمد علي (كما ذكر الجبرتي) أن محمد علي أرسل إلى السويس في عام 1816 أخشابًا وأدوات بناء بقصد بناء قصر له بغرض الإشراف على إتمام الأسطول الذي يوجهه إلى الحجاز للقضاء على الدعوة الوهابية.. وقد وصفه الكتاب على النحوي التفصيلي بأبعاده المعمارية: “ويحتل القصر الذي أنشيء على الطراز التركي مساحة مستطيلة الشكل، ويتكون من فناء مكشوف يحيط به المبنى المكون من طابقين، وأهم ما فيه قبته الخشبية ذات الطابع الأثري التي تنقسم إلى إثني عشر قسما، كل قسم له زخرفة خاصة به، والمنطقة التي ترتكز عليها القبة عبارة عن مثلثات كروية في الأركان الأربعة تعلوها قمة مثمنة، وتتكون زخارفها من رسومات تصور معارك حربية، وأسفل ذلك شريط مثمن من الخشب مكسو بطبقة من الجص عليها زخارف تصور معارك حربية أيضًا، أما الأرضية أسفل القبة فهي من الرخام الأبيض”7، وهي التي تشي بأغراض تشييد القصر بتنمية وإذكاء تلك الروح القتالية.
وكذلك تجدر الإشارة إلى القصر العباسي الذي أقامه عباس الأول في طريق السويس عام 1848، وأسماه الدار البيضاء (الدار الخضراء)، كما أنشأ الخديو إسماعيل قصرين لخدمة الإشراف على العمل في قناة السويس، وبذلك دعت الأسباب المتعلقة بالدولة إلى بناء هذه النوعية من القصور التي بدأت تأخذ منحى مختلفًا عما كان في حقبة القصور الإسلامية، وربما كان الاختلاف مع العديد من نماذج القصور التي تلت ذلك مثل قصر “المانسترلي”، والذي سُمي أيضا بـ “كشك المانسترلي” لصغر مساحته، على جزيرة الروضة، وتبلغ مساحته – بحسب الوثائق التي استند إليها الكتاب – مائة مترًا مربعًا، ويتكون من: “صالة رئيسية مستطيلة تفتح عليها مجموعة من الحجرات في جهتيها الشرقية والغربية، ويلتف حول المبنى كله تراس حول النيل، وقد زينت حوائطه وأسقفه بزخارف نباتية وأشكال طيور محورة بها تأثير الروكوكو العثماني الذي شاع في عمائر هذه الفترة بتأثير أوروبي، ويظهر بينها علم الدولة العثمانية كعنوان لولاء المانسترلي لدولة الخلافة، كما يظهر التأثير الفرعوني بالكورنيش الذي تنتهي به الواجهات الخارجية”8
ما يشي بالتأثر البالغ بالتداخل الحضاري والحقبة التاريخية المرتبطة بإنشاء ووجود هذا القصر/ المكان الشاهد على العلاقات والتحولات والجذور والعلم والفلسفة، كما نجده في قصة قصر “الزعفران” الذي أقيم على أنقاض قصر “الحصوة” بالعباسية، والذي أراد الخديو إسماعيل أن يجعله على غرار قصر فرساي بفرنسا، والذي تلعب الأقدار دورًا كبيرًا في تحويله إلى مقر لثالث جامعة مصرية، وهي جامعة عين شمس، نسبة إلى تلك البقعة من الأرض التي ارتبطت منذ قرون عديدة بإنشاء “جامعة أون” أول شعاع للعلم والمعرفة في العالم..
لتتوالى حكايات القصور.. وليبرز قصر الأميرة “فاطمة إسماعيل” بالدقي، والذي شهد وضع حجر الأساس للجامعة المصرية 1914، فـ “في 31 مارس 1914 كان قصر الأميرة فاطمة إسماعيل في رقعته الواسعة بالدقي يستعد في أجمل صورة لاستقبال الخديوي عباس حلمي الثاني ليضع حجر أساس الجامعة المصرية الذي كان لصاحبة القصر الفضل في ترجمته من حلم إلى واقع ملموس عندما قدمت من أجله المال والجواهر والأرض”9
لتصبح للقصور ميزة جديدة، وهي إطلاقها كمحراب للعلم والتربية والنهضة التثقيفية التي تلعب دورًا بالغ التأثير في حياة الأمم والشعوب، وكارتقاء مفصلي جديد للدور الذي تلعبه القصور وانتقالها من مرحلة الشموخ والحفاظ على هيبة التاريخ والشخصيات التاريخية المؤثرة في تكوين هيبة ذاتية أو خاصة، أو هيبة وشموخا حضاريين يضربان في عصب تكوين الشخصية المصرية وترسيبات طبقاتها التي تحمل الكثير من الجينات الوراثية والتاريخية في علاقات تتضارب وتتقابل من حيث الرفاهية والعزة من جهة، والتخبط في دركات الفقر والتخلف من جهة أخرى، لتصير القصور منارات للعلم والثقافة والفن والإبداع؛ فالقصور حمَّالة أوجه كما التاريخ!!
وقصر “السكاكيني”، التي تشير الحقائق إلى طرافة وجوده وإنشائه وما أثير حوله من أن الفئران كانت صاحبة الفضل في تشييده وهي من المفارقات العجيبة التي يشير إليها الكتاب حول القصور حيث امتلأت الخنادق أثناء حفر قناة السويس بالفئران، فتوقفت المعاول وآلات الحفر وتعطل العمل، إلى أن جاءت فكرة السكاكيني باشا – الذي يقال أنه اشترى الباشاوية وهو في الأصل مقاول – بتحميل عربات مليئة بالقطط لطرد هذه الفئران وقد نجحت الفكرة ونال تأثيرها رضا الخديو الذي أنعم على السكاكيني باشا بإشراكه في تشييد دار الأوبرا، ليصعد نجمه، وتتجلى قصة القصر فيما يمكن تسميته وهج الماضي حيث يواصل الكتاب في صفحاته وسطوره العامرة بالحكايات التي تشير إلى ما يميز القصر من تزاوج معماري بين الشرق والغرب من خلال هذا الوصف البديع الذي يتنافس فيه جمال المنظر مع جمال التعبير التشكيلي والموحي برومانسية بالغة البذخ:
“وعندما تصل إلى السكاكيني تأخذك ملامح القصر منذ الوهلة الأولى، أعمدته الرخامية التي تبدو وكأنها قطفت من بهو روماني، التماثيل المعلقة على الجدران مازالت بكامل عنفوانها وتألقها، وحدات الأرابيسك في النوافذ، الحرف الأول من اسم الحبيبة باللغة الإنجليزية، وقد نثر على الجدران بشكل جمالي، قبة القصر الكبيرة التي يستقر أسفلها القصر كمبنى عريض متعدد الارتفاعات، الحديقة الواسعة بأشجارها العتيقة”10
فضلًا عن التفاصيل الداخلية المدهشة التي تنم عن تحفة فريدة في التصميم المعماري، وفي المزج بين الذوق الرفيع المتمثل في جميع أطياف الحضارة الأوربية وتصميماتها امتزاجا باللمسات الشرقية والمصرية، وما تبرزه من قيمة العلاقات المتوازية بين الشرق والغرب وانتقاء كل خيوط الذوق الرفيع الذي يشهد على علاقات سياسية واقتصادية واجتماعية محايثة.. وهو مما يبرز دورًا مهمًا من أدوار القصور في التأثير والتأثر لحيازة الجمال والسمو.
ولا يفوت الكتاب، ولا يفوتنا، أن نلمح من خلاله إلى قصر “السلطانة ملك”، وهو القصر الشاهد على تولية أول وآخر سلطان للبلاد، وهو السلطان “حسين كامل” الذي وهبه لزوجته الشركسية “نيري فير” التي أتت من بلاد القوقاز لتكون سلطانة على مصر، ولتسمى بهذا الاسم العربي “ملك”، وهو القصر الذي أقيم على بقعة من بقاع بداية انتشار الحضارة وبزوغ العلم في العالم بأسره “هليوبوليس” أو مصر الجديدة، ليتبين لنا العديد من الظواهر والخفايا التي تجملها القصور بعبق وجودها للتزاوج مع أسباب الأساطير ومنبت غواية الحكايات التي لا تنتهي..
“في هذه البقعة التي احتلتها أون (هليوبوليس) مدينة الشمس حيث ولدت نبوءة الملوك أبناء رع.. هنا مهد جامعة أون التي علَّمت أساطين الفكر اليوناني: أبوقراط، وأرسطو، وأفلاطون. هنا بدأت مغامرة البارون البلجيكي إمبان عام 1906 لإنشاء ضاحية هليوبوليس أو مصر الجديدة”11
قصور أخرى
ما يشهد بالفعل على هذا التوجه التاريخي لتشييد القصور كعلامات فارقة على حقب الزمان المتوالية، وكحكايات تحتفظ بها القصور لأصحابها ومشيديها، وتصبح تاريخًا خاصًا يلتحم بالعام ليوقظ ذاكرة الشعوب، ليبلغ بنا التنوع والثراء الذي تثيره تلك القصور للوصول إلى حالة فريدة من حالات التفرد والتميز، كشاهدة على كل أسرار الحياة في مصر المحروسة، فيأتي نموذج بارز من تلك القصور، وهو قصر “الأميرة نعمت مختار”، التي كانت حدائقها تمثل مصر في مهرجانات البساتين الدولية، حيث يقع القصر في حي المرج القديم المعزول تقريبًا برغم كونه البوابة الشرقية لمدينة القاهرة، وكذا قصر “الأميرة فوزية” الذي صار مقرا لمجلس الدولة، وقصر “عزيزة فهمي” الذي دافع عن حقوق المرأة واحتضن كتب الجامعة الأمريكية، وقصر “عائشة فهمي”، وهي القصور التي ارتبطت في أغلبها بأسماء النساء والأميرات لتشكل ظاهرة فريدة، وملمحا من ملامح أسماء القصور وأصحابها في مصر
(3)
قصور الإسكندرية
• قصر المجوهرات
هو القصر الشهير بـ “متحف المجوهرات الملكية” بالإسكندرية، وهو قصر الأميرة “فاطمة الزهراء حيدر” الذي يقع على كورنيش البحر في منطقة زيزينيا، بشرق الإسكندرية، ويشهد تحويله من قصر لأحد أفراد الأسرة المالكة إلى متحف ومعرض لمجوهرات العائلة المالكة للجماهير وللتاريخ بمصر بعد ثورة 23 يوليو 1952، إلا أنه يشهد أيضًا على التحفة المعمارية التي صممها إيطاليون على الطراز الإيطالي، بداية من عام 1919 بتعليمات زينب هانم فهمي، وأتمته ابنتها فاطمة الزهراء حيدر في عام 1923 ليكون مقرًا صيفيًا لها ولأسرتها:
“والقصر تحفة معمارية على الطراز الإيطالي على مساحة 4185 مترًا مربعًا، وأشرف على إنشائه أنطون لشياك، والقصر مكون من دورين وبدروم مقسم إلى 11 غرفة، وهو في حد ذاته متحف لفنون العمارة الأوروبية، فقد قام بتنفيذه مهندسون وفنانون إيطاليون وفرنسيون وبلجيك على الطراز الأوروبي، وتبنت المدرسة التي نفذت ديكورات القصر مبادئ مدرسة مايكل أنجلو التي تستخدم الألوان الهادئة، والقصر يتكون من جناحين: شرقي وغربي… (بهما المزيد من التفاصيل المبهرة)”12
كما يشهد القصر بمقتنياته ومحتوياته حالة من البذخ الشديد لأفراد وحكام تلك العائلة التي حكمت مصر منذ أول عهد محمد علي وحتى منتصف القرن العشرين، قرن الثورات وانتفاضات الشعوب على مستوى العالم، والشاهد على التحولات العظمى في العالم وفي المنطقة العربية والشرق الأوسط، فيفرد الكتاب في هذا المقام تفاصيل الجواهر واللآلئ/ إرث الأسرة المالكة من المجوهرات، سلالة محمد علي الكبير، فيضم المتحف ما يقرب من إحدى عشر ألف وخمسمائة قطعة تخص أبناء تلك الأسرة بدءًا من مقتنيات المؤسس الأكبر لها “محمد علي باشا”: كعلبة النشوق الذهبية المرصعة بالألماس، والشطرنج الخاص به الذي يحمل أكثر من 425 قطعة ألماس، ومن عصر الخديوي سعيد طاقم قهوة فرنسي زنته 25 كيلوجرامًا من الفضة أهدته له الشركة العالمية لقناة السويس، فضلًا عن العديد من الأوشحة والساعات الذهبية والقلائد المصرية والتركية والأجنبية، والعملات الأثرية المختلفة العصور.
• أتيليه الإسكندرية (قصر كرم)
كما يرتمي في أحضان الإسكندرية قصر “كرم” القائم عليه الآن “أتيليه الإسكندرية” جماعة الفنانين والكتاب بالإسكندرية، بالحي اللاتيني، وهو الصورة المثلى لارتباط القصور بالثقافة والفنون كبيئة صالحة لاحتضان فعالياتها، وكتفعيل لدورها كنواة لمراكز ثقافية منتشرة في العديد من ربوع مصر، والتي تحدثنا عنها في تحويل القصور إلى نواة للجامعات أو مقر لها، كما في جامعة عين شمس، كما أورد الكتاب.. والقصر هو الذي أنشأه تاجر الأخشاب الثري كرم عام 1893 ولكن بوابته تعود إلى العام 1883 كتاريخ إنشاء مسبك مارتينللي الذي نفذ بوابته، وهو صاحب القصر يوناني الجنسية، وهو ما يعبر عن ملمح من ملامح الكوزموبوليتانية التي تميزت بها الإسكندرية كمدينة متعددة الثقافات والأعراق والجنسيات، ويشير الكتاب إلى انتقال ملكية القصر من السيد كرم إلى آخرين وتداولها وصولًا إلى البنك المصري الإيطالي في 1956، والذي قام الفنان محمد ناجي بتأجيره منه منذ ذلك التاريخ، وحتى نشوب معركة طرد الأتييله من القصر والقائمة حتى الآن تنتظر التدخل العاجل، ومازال يقود المقاومة فيها الفنان العالمي عصمت داوستاشي مع مجموعة كبيرة من مثقفي المدينة وفنانيها وأدبائها ضد هذا الإقصاء الذي يحول القصر إلى مجرد مكان:
“وتشير الوثائق إلى أن الأتيليه لم يكن بمعزل عن الحياة السياسية في مصر، فها هو ينظم محاضرة عن مصر بعد الحرب، وذلك في نوفمبر 1973 ألقاها أحمد كامل باشا مدير عام بلدية الإسكندرية، وذلك في ظل أحداث الحرب العالمية الثانية، ومعاناة مصر المريرة منها”13
• قصر محمود سعيد
كما يدلف الكتاب إلى قطعة أثرية أخرى بديعة في الإسكندرية، وملمح ثقافي فني آخر، وهو قصر محمود سعيد أو “صومعة الفن بالإسكندرية”، وهو الذي يقع في منطقة جناكليس التي تنتسب إلى تاجر يوناني – كملمح آخر من ملامح الكوزموبوليتانية في الإسكندرية التي ترتبط شوارعها وميادينها ومؤسساتها ومبانيها إلى حد بعيد بحضارة البحر الأبيض المتوسط من فرنسية وإيطالية ويونانيعة وتركية – ويمثل القصر ميراثًا فريدًا للفنان العالمي محمود سعيد ومرسمًا له، وملتقى للعيد من أجيال الفن التشكليلي وعلاماته الرائدة منذ تاريخ إنشائه على يد ناظر نظار مصر “رئيس الوزراء” محمد محمود سعيد باشا والد الفنان العظيم قبل الحرب العالمية الأولى في عام 1910.
“بعد وفاة الفنان الذي عرفه النقاد بأنه أمير الرسامين تحول قصر ابن الباشا بأكمله إلى صومعة للفن تضم أعمال محمود سعيد والأخوين أدهم وسيف وانلي وأعمال كبار الفنانين”14
كما يشير الكتاب إلى أن بدروم القصر الذي كان مقرًا لخدمات أهل البيت؛ قد صار متحفًا للفن المصري الحديث، ويضم المتحف ثماني قاعات للعرض: قاعتان مخصصتان لجيل الرواد من الفنانين، ومنهم الفنان محمد ناجي والفنانة عفت ناجي، وسائر قاعات العرض بها أعمال كبار الفنانين المعاصرين، وفي المتحف 216 لوحة فنية و75 عملًا نحتيًا؛ مما يحعل متحف الفن المصري الحديث أكثر المتاحف تنوعًا وتجددًا وتميزًا.
• قصر أنطونيادس
“قصر أنطونيادس بمساحته البالغة 50 فدانًا، هو اختزال لمدينة قدر لها أن تكون ملتقى حضارات البحر المتوسط؛ فالأرض مصرية، والباني يوناني، والطراز فرنسي وإيطالي وروماني وأندلسي.. واكتمل الأمر عندما قرر البارون اليوناني أنطونيادس إهداء قصره وحديقته إلى الحكومة المصرية ليكون ملكًا لبلد الملتقى عام 1917″15
يتميز القصر بشساعة مساحات حديقته – في المدخل الجنوبي لمدينة الإسكندرية – وهي الحديقة المحاطة بحدائق النزهة وحديقة الحيوان والحدائق النباتية، وهي جميعًا – كما يشير الكتاب – جزء من حديقة النزهة الكبرى التي يعود تاريخها إلى عهد البطالمة 300 ق. م وكانت ضمن ضاحية أيلوزيس، بمعنى جنات النعيم، وكانت قبلة أهل المدينة للمتعة والترفيه، وقد قسمت الحديقة إلى قطاعات يملك قياصرة العالم بعضًا منها، مثل قيصر النمسا وبروسيا.. فـ “في تلك الجنة الساحرة قرر البارون اليوناني أن يشيد قصرًا منيفًا على نسق الطراز المعماري لقصر فرساي بباريس، وأضاف إليه لمسات من طرز معمارية مختلفة كالأندلسي والإيطالي واليوناني والروماني لتكتمل جنته انبهارا”16
لتشمل ملحقات القصر من حدائق العديد من التماثيل الإغريقية التي تحف القصر أعلى شرفاته، وخلف القصر ساحة المسرح المحفوفة بالخضرة والأعمدة الرومانية المخصصة لاحتفالات أنطونيادس، إلى جانب أشجار النخيل ونباتات الزهور المعمرة وحديقة الورد التي أنشأها المهندس الفرنسي ديشون عام 1928 على مساحة تربو على الخمسة أفدنة وبها ما يقارب 32 صنفًا من الورود، فضلًا عن حديقة المشاهير النادرة التي يشرف عليها القصر ويبدو من وسطهم: الرحالة والمكتشفون العظام: “كريستوفر كولمبس”، و”ماجلان”، و”فاسكو داجاما”، وأساطير وآلهة الإغريق: فينوس ربة الجمال، وإله الشعر إراتو.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش:
1 ناصر خسرو قبادیاني (1004 – 1088 م رحالة وشاعر وفيلسوف فارسي،.صاحب كتاب الأسفار أو السفرنامة، دوّن فيه أخبار أسفاره في أرجاء العالم الإسلامي، وامتاز بوصف دقيق لبيت المقدس ووصف نادر لأحوال وسط الجزيرة العربية وشرقها أيام القرامطة والأخيضريين في القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي). الكتاب باللغة الفارسية ويتمتع بقدر من الشعبية في إيران، إلا أنه مترجم أيضًا إلى العربية. (ويكيبيديا)
2قصور مصر – سهير عبد الحميد – الهيئة المصرية العامة للكتاب – طبعة أولى – 2020
3 الكتاب ص 7.
4 الكتاب ص 14
5الكتاب ص 59
6 الكتاب ص 19
7 الكتاب ص60
8 الكتاب ص65
9 الكتاب ص81
10 الكتاب ص 101
11 الكتاب ص103
12الكتاب ص 250
13 الكتاب ص 279
14 الكتاب ص312
15 الكتاب ص 318
16الكتاب ص319

العدد الأخير العدد الخامس والعشرين بعد المائة ثقافة وفكر سياسة

عن الكاتب

Avatar

محمد عطية محمود