التكرار وتمرير الأكاذيب عبر الإعلام

Avatar
كتب بواسطة أحمد مصطفى


تلعب وسائل الإعلام دورًا رئيسيًا في تشكيل تصوراتنا عن قضية أو سلعة أو إيدلوجية بغرض تحقيق أهداف غير معلنة غالبًا، تستغل في ذلك قدرتها على توظيف المعلومات التي تمتلكها، لتجيب من خلالها عن كيفية إعادة النظر تجاه الأمور المعتادة، أو تكيفنا مع مستجدات الأمور، أو إدراكنا لتطورات الأوضاع، أو تشكيل خريطة أولوياتنا، أو إعادة تفسيرنا للقضايا والمشكلات.
في ذلك نجد أن واحدة من أشهر وأقدم الطرق هي التكرار، الذي رغم قدمه إلا أنه ما زال مستخدمًا بشكل كبير ومبتكر للغاية، يتم ذلك غالبًا عبر إنتاج مغاير لنفس الأفكار المراد تسويقها، بحيث يمكنك أن ترى نفس المضمون داخل برنامج توك شو، ثم تشاهده بشكل آخر عبر محتوى درامي كمسلسل أو فيلم، ثم تجده بشكل آخر كإعلان أو داخل محتوى ترفيهي، وهكذا.
لكن، كيف يؤثر التكرار على عقلية الجمهور المتعلم؟
تؤكد دراسات آشلي 2014 Ashley وهولستي 1960Holsti وجورج جيربنر1968George Gerbner ، أن تكرار المضمون عبر التلفزيون لجمهور معين يخلق لديه تصور الواقع وفق ما تزرعه رسائل الوسائط الإعلامية، ثم يعتقد هذا الجمهور أنها الحقيقة الفعلية الصالحة، للحد الذي أكدت نتائج سنوات طويلة من البحث لدى جيربنر أن الأشخاص المشتركين في تكرار مشاهدة التليفزيون يعتقدون أن التلفزيون هو تصوير دقيق من العالم الحقيقي، أن ما يبثه هو الموجود بالفعل، بهذا تعزز وسائل الإعلام المعتقدات، وبقاء الوضع الراهن للأنظمة، ذلك لأن المشاهدين ليسوا على علم بمدى استيعاب أن ذلك تقليد أو غير حقيقي، بل وليس لديهم قدرة الرد على ما يرونه في الإعلام1.
وتشير نظرية علمية معروفة في الاوساط الأكاديمية هي نظرية التعرض المتكرر للباحث زاجونك 1968 Zajonc، إلى خطورة طريقة العرض المتكرر بوسائل الإعلام، وإن كان التعرض المتكرر ليس شرطًا لتعزيز اتجاه الفرد نحو المثير، لكن عندما يكون التعرض لكلمات مترابطة، ومتسقة في معانيها، بصورة متتالية، تحدث التهيئة المعرفية، ويؤيد ذلك هاريسون1968 Harrison، وماتلين1970 Matlin، وفي هذا تتوصل النظرية لعدة حقائق، يمكن اجمالها فيما يلي2:
1) على عكس المقولة القديمة بأن الألفة “التعود على الشىء” تؤدي إلى السأم (الملل)، نجد التأكيد على أن تكرار حدوث مثير ما، يؤدي إلى تحسن رد فعل الفرد نحوه.
2) إن الظروف المحيطة بهذا التعرض المتكرر لا يشترط فيها خصائص معينة، أي يكفي أن يحدث التعرض دون أن يتبعه المكافأة أو الثواب، فالتعرض في حد ذاته كافٍ لإحداث تغيير للفرد.
3) وجود ارتباط إيجابي بين زيادة التعرض وزيادة الاتجاه الإيجابي، كالتفضيل أو الحب.
ومن هنا تأكيدات الباحثين على قوة وسائل الإعلام، بخاصة التلفزيون في تنمية الصورة الذهنية، عبر تكرارها عن الشخصيات والأحداث والقضايا، وبالتالي تساعد المشاهدة المكثفة على تنمية التصورات الذهنية للجمهور، ليستشعر أن الرسائل تتسم بالتكامل والاتساق وأنها صورة مطابقة للواقع3.
من ناحية أخرى، أن الجماهير لا تتذكر أكثر الأفكار بساطة، إلا إذا تكررت عشرات المرات، لهذا يتم اللجوء إلى تكرار الأفكار بصيغ مختلفة، كيفما أوضحنا في صدر المقال دون أن تمس ما يستهدف نشره، إنما تحقق هدفه.
أي يظل الموضوع واحد لكن من زوايا مختلفة، وعبر صور متوافقة تتلاءم مع مختلف الجماهير، إذ لطبيعة الجماهير المختلفة ما يحتم تقديم عروض مختلفة لكل موضوع، وبهذا يكون التكرار وسيلة لثبيت المعلومات في عقول الجمهور أيضًا، وفي ذلك، ما تعمد إليه وسائل الإعلام من توالي نشر موضوعات تتصل بانتصارات الشعب أو مؤامرات الاستعمار، كما ما يستخدم في الإعلان التجاري، ومن أجل هذا لا تكتفي سلعة من السلع في الإعلان عن نفسها مرة واحدة، لكنها تعمد لتكرار الإعلان عن نفسها بكل وسائل الإعلام، حتى تطمئن إلى أن الإعلان قد استقر في الأذهان بصورة عميقة وطويلة الأمد4
هذا وتختلف أهداف عمد تكرار مضمون وسائل الإعلام، وفق ما يلي5:
1) تغيير الصورة القائمة للجمهور، يحدث ذلك عندما يكون مضمون وسائل الإعلام يخالف ما لدى الفرد من تصورات ذهنية، فهو يستقبلها على أنها مضامين غير واقعية، وكاذبة، ثم يرفضها، لكن مع استمرارية عرض الرسالة الإعلامية، وتكرار تعرض الجمهور لها، واستمرار تلقيه للرسائل، يبدأ في التشكيك في صحة الصورة الذهنية الموجودة لديه، وتحل محلها الصورة النقيضة التي خلقتها وسائل الإعلام.
قد يحدث ذلك بعدة أشكال، يمكننا ضرب أمثلة عندما يتعلق الأمر بصورة صديق قديم صار في مرتبة الأعداء، أو عدو قديم صار في مرتبة الاصدقاء أو الحلفاء، أو تجاه ايدلوجية جديدة، أو أفكار غريبة أو قيم مخالفة للموروث أو تقاليد تخالف ما هو سائد.
2) ترسيخ الصورة القائمة، إذ تستهدف وسائل الإعلام تكرار التعرض لتأكيد صورة ذهنية قائمة، وهذا أيسر بالتأكيد من التغيير، فيتم عبر دعم وتأييد المعلومات، والصور، فيتضاعف رسوخها للأفراد.
وهذا الأمر تستخدمه بشكل كبير الشركات الدولية والعابرة للقارات للتأكيد أنها ما زالت تحتفظ بمكانتها القديمة، كما ما تستخدمه بعض الدول الكبرى التى اهتزت مكانتها بالفعل ولكنها تسعى لإقناع الرأي العام العالمي بخلاف ذلك من أجل تمرير مصالحها وتأثيرها، خصوصًا الولايات المتحدة الأمريكية كنموذج واضح في ذلك، هذا لأن السمعة لها تكلفة كبيرة للغاية كما هو معلوم، ينطبق ذلك على الدول كما المؤسسات.
3) توضيح معالم الصورة الذهنية: عندما ترى وسائل الإعلام أن معلومات الجمهور غير كافية لتشكيل صورة ذهنية متكاملة، تعمد لإضافة معلومات توضح معالم الصورة، وتزيل الشك، وتكشف الغموض.
يمكن التوضيح بمثال واضح في ذلك، عندما تنتوي دولة القيام بحملة لترويج أمر غير مألوف، وقد حدث لدينا في مصر في حملات تنظيم الأسرة، خصوصًا في السبعينيات والثمانينات، فكانت محاولة التأثير على منظومة القيم القديمة الراسخة، ومن ثم إضافة معلومات جديدة غير مألوفة كيفما تفسير شعار “الراجل مش بس بكلمته”، أو تفسير بعض الأحاديث الدينية بما يناقض ما هو شائع، أو الاستفاضة في توضيح خطأ المفهوم الاجتماعي للعزوة، وإلى ما غير ذلك من مختلف جوانب القضية المراد نقل الإيمان إليها.
4) الإضافة إلى الصور الذهنية القائمة: حيث تضيف وسائل الإعلام معلومات وانطباعات إضافية لخلق تأثير نفسي أو سلوكي، ثم تحقيق إضافة بسيطة في الصور الذهنية المشكلة لدى الجمهور.
وهو أمر يتم بشكل لا يستشعره غالبية الجمهور، ويتم في بعض الأحيان عند ترقية شخصية مهمة، أو الرغبة في تأكيد أهمية مؤسسة ما، حين يحدث ذلك يتم تكرار المعلومات القديمة الجميلة والقوية مع إضافة بعض المعلومات القليلة التي تؤهل الرأي العام للدور الجديد.
5) إعادة تنظيم الصور الذهنية: أحيانًا تقوم وسائل الإعلام بتنظيم الصورة الذهنية لدى المتلقي بترتيبها، وتنسيق مكوناتها، وربطها ببعضها البعض، مما يجعلها أكثر فهمًا.
وهو أمر يتم بجهود مؤسسية ضخمة، وتم كثيرًا من خلال مؤسسات الغرب الممولة من أجهزة المخابرات الغربية كالأمريكية لمحاولة تشويه صورة العرب أو المسلمين، وهو أمر يتم بشكل ممنهج، حيث يتم إنتقاء روايات أدبية معينة لترجمتها، إلى جانب تصوير مشاهد سينمائية ونشر حوادث وصور يتم اختيارها بعناية وكأنها كل الواقع العربي، أو تفسير وقائع تاريخية منتقاة، وهو بذلك يجمع بين عدة صور ذهنية ما بين صورة تاريخية للعربي وصورة للعربي حالية وصورة علمية وأدبية للعربي أو المسلم، وصورة عقائدية وهكذا.
أما أهداف ذلك فقد ترتبط بحدوث حرب أو وجود ضغوط سياسية على دولة ما، أو لغرض الاستثمار في أحداث الأرهاب والمطالبة بتعويضات ضخمة او عقوبات تحقق مصالحها.
6) حسم اتجاه الجمهور نحو صورة ذهنية معينة: عندما تدرك وسائل الإعلام أن الجمهور يحمل صورتين ذهنيتين متضاربتين، مما يخلق اتجاهين متضاربين، فلا يستطيع الفرد أن يحدد اتجاهه نحو أي صورة إلا بمساعدة الإعلام، الذي يأتي بمعلومات إضافية لإحدى الصور لحسم اتجاه الجمهور.
وهو أمر لا يحتاج لأمثلة، لأنه من الجائز أن يحدث في أي أمر، سواء ربحي اقتصادي، أو سياسي، أو اجتماعي.
7) تغيير الصورة النمطية الصعبة: رغم أن الصور النمطية جاءت عبر رسوخها لفترة زمنية طويلة من الزمن، ومن الاستحالة تغييرها، إلا أن وسائل الإعلام تعمد لمحاولة إحداث هزات عنيفة للسعي لتحويلها من النقيض إلى النقيض، وإن كان هنالك صعوبات كبيرة، وحاجة لوقت نسبي.
ونعني في ذلك أن الصورة النمطية التي تكونت على مدار عقود طويلة متتالية، تتجاوز القرن (المائة عام) من الزمان، من المؤكد أن تغييرها أمر صعب لأنها متوارثة من جيل إلى جيل، وشائعة بين الجيل الجديد، وصارت بمثابة عقيدة لدى الأفراد، وبالتالي فتغييرها يحتاج لوقت وتكرار كبير لمعلومات جديدة مذهلة، كيفما ما حدث في النظرة تجاه المرأة، وهو أمر استغرق عقود طويلة في القرن الثامن عشر لتغييره في الغرب ثم الشرق، سواء عبر حقائق علمية أو دراسات إنسانية أو نماذج مشرفة، وما غير ذلك مما كسر في التصورات السابقة المتوارثة على مدار قرون طويلة من الزمن.
هذا والشعوب بصفة عامة أسرع في بناء صورة عندما تتكرر المشاهد، بما يصبح تمثيله لدى الشعب بشكل أسرع، ويؤدي إلى استيعابه، وفهم الإجراءات الموصوفة، خصوصًا عندما تلتقي النقاط المرجعية مع خبراتهم السابقة، حتى أن جيانغ وويير Jiang&Wyer,2009 يشيران إلى أن ذلك يعتمد على استخدام التصورات كأداة وظيفية، ومنها الانتاج الفني المبتكر في تكرار المضمون، كحال الأدلة الدامغة على استخدام الصور الفنية في غرض تجهيز المعلومات، أي بهدف تحقيق استجابة عاطفية بناء على اتجاه الحركة في اللغة )اللغة تصنع صورًا) أي استخدام العاطفة واستحضار بعض الأحداث المحتملة، كحال مصرف بنكي تمت سرقته بأمريكا، وتم من خلاله تمثيل الرعب الذي حدث بشكل لم يحدث في الحقيقة (ليحقق الإعلام هدفا لأجهزة الأمن الأمريكية، ومكسبًا كبيرة لأجهزة الأمن تكلفته أو مردوده الاقتصادي والاجتماعي ضخمة جدًا)6.
بل وتنتشر آلية التكرار بالغرب ليل نهار، عبر قاعدة أن الروايات عندما تردد نفس الشيء بشكل متواتر فالكذب يمر في التاريخ، ويصبح حقيقة، مثلما ترويج اليهود لـ”الهولوكست” فصار من يعترض يتهم بعداء السامية، وكذا أمريكا في حروبها، فمن يعترض هو ضد الديمقراطية أو ضد حقوق الإنسان، أو يهدف لنشر أسلحة الدمار الشامل7.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش:

  1. Ashley Evans, Female Body IMAGE And THE Mass Media: A Content Analysis OF Prime Time Television Advertisements And How They Lead To Body Dissatisfaction In Women, Master of Arts in Communication Unpublished, (Gonzaga University: Faculty in Communication and Leadership Studies: May 2014) p7, 11.
  2. شيماء ذو الفقار حامد زغيب، دور المادة الإخبارية في التليفزيون المصري في تشكيل اتجاهات طلاب الجامعة نحو الأداء الحكومي، دراسة مسحية، رسالة ماجستير غير منشورة (جامعة القاهرة: كلية الإعلام – قسم الإذاعة والتلفزيون، 2002)، ص ص: 48 – 49.
  3. شيماء ذو الفقار حامد زغيب، دور المادة الإخبارية في التليفزيون المصري في تشكيل اتجاهات طلاب الجامعة نحو الأداء الحكومي، دراسة مسحية، رسالة ماجستير غير منشورة (جامعة القاهرة: كلية الإعلام – قسم الإذاعة والتلفزيون، 2002)، ص ص: 48 – 49.
  4. ( ) عبد اللطيف حمزة، الإعلام والدعاية، ط 1 (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1984م)، ص ص : 164، 359.
  5. ( ) عبد الحكيم عامر سيد عامر، دور الإدارة العامة للإعلام والعلاقات العامة بوزارة الداخلية في تكوين الصورة الذهنية لرجل الشرطة لدى المواطن المصري، رسالة ماجستير غير منشورة (جامعة عين شمس: كلية الآداب – علوم الاتصال والإعلام، 2009م)، ص ص : 55 – 57.
  6. ( ) Richard P. Eibach,, The Role of Visual Imagery in Social Cognition, In : D.E. Carlston (Ed.), The Oxford Handbook of Social Cognition. (New York: Oxford University Press: 2013), p 15 – 16.
  7. ( ) سعيد اللاوندي، جناية الميديا على منظومة القيم في المجتمع المصري، في: هاني عياد (محرر)، البنيان القيمي والشخصية المصرية.. إشكالية الحاضر وتحديات المستقبل، ط 1، (القاهرة: هيئة الخدمات الإجتماعية: 2006م)، ص: 121
العدد الأخير العدد الخامس والعشرين بعد المائة ثقافة وفكر سياسة

عن الكاتب

Avatar

أحمد مصطفى