المرأة: بين جدلية الكراهية وحرية التعبير

Avatar
كتب بواسطة فاطمة الساعدي

مدخل ١

المفاهيم: خطاب الكراهية وحرية التعبير

تُعرف منظمة الأمم المتحدة حرية التعبير على أنه “حق أساسي من حقوق الإنسان كما أوردت ذلك المادة 19. وتصب حرية الإعلام والوصول إلى المعلومات في الهدف التنموي الأوسع نطاقا والمتمثل في تمكين الناس. والتمكين هو عملية متعددة الأبعاد الاجتماعية والسياسية تساعد الناس على التحكم في مسار حياتهم الخاصة. ولا يمكن تحقيق ذلك إلا من خلال الوصول إلى معلومات دقيقة ونزيهة وحيادية، ممثلة تعدد الآراء، والوسيلة للتواصل تواصلا نشطا عموديا وأفقيا، وبالتالي المشاركة في الحياة النشطة للمجتمع المحلي”.
وعليه فإن حرية التعبير تعتمد على النزاهة والمصداقية في تقديم المعلومات التي تهدف كما ذُكر إلى تمكين الأفراد والمجتمعات وبناء مساحة حوار هدفها الأسمى هو نماء ورفاهية الإنسان.

في المقابل يقوم خطاب الكراهية على زعزعة النسيج الديمقراطي للمجتمعات لأنه يعتمد على قمع الأخر كما أنه يعتمد الإقصاء والتخويف من الأخر سياسة ومنهجية تساعده على طمس الأصوات المغايرة. كما أنه يقوم بحملات عنيفة إن ترك بلا قيود ينتج عنه نزاع وتفكك في المجتمع بين مهاجم ومدافع. وهذا قد يقود لحالات عنف قد يمارسها المجتمع على الفرد أو الفرد على نفسه قد تنتهي بالموت أو الانتحار ولذلك فإن مواثيق وقوانين الدول الحديثة قد صنفت خطاب الكراهية على أنه جريمة كراهية يعاقب عليها القانون.

انعكاسات خطاب الكراهية في المجتمع

يفتقر العالم العربي إلى وجود مؤسسات تُعني بعمل إحصائيات موثوقة من شأنها أن تسلط الضوء على رأي المواطن العربي في مجموعة من القضايا التي تؤثر في تقدم وتطور المجتمع، من قياس جودة التعليم، إلى رأي المواطن في قوانين الدولة العامة، مروراً بتأثير السوق الاقتصادي على مستوى المعيشة وغيرها من القضايا التي يجب أن يُرصد فيها رأي الشارع حتى يتسنى للحكومات وضع القوانين والمقترحات وفقاً لاحتياجات المجتمع. وكذلك الحال في قضايا المرأة تواجه المجتمعات العربية شُحاً هائلا في معرفة الأوضاع المؤثرة على المرأة اقتصاديا واجتماعيا وسياسياً وإن ظهرت لنا بعض النتائج من مصر، لبنان، العراق والأردن وتونس بخصوص قضايا الشأن النسوي من معدلات طلاق ومستوى التعليم وقضايا النسب إلخ.. فهي تظل محاولات مؤسسات مدنية متواضعة وتفتقر إلى الدعم والتمويل الحكومي.

وفيم يتعلق بإحصائيات تأثير خطاب الكراهية على المجتمعات العربية فلم أجد عند كتابة هذا المقال معلومات من جهات حكومية تصب في ذات السياق، وهو ما يؤكد غياب الإرادة السياسية وضعف اهتمام الحكومات العربية برأي الشارع. وبالرغم من هذا التجاهل فالأجدر بنا ذكر دور المؤسسات المدنية والجهود الفردية لرصد تأثيرات خطاب الكراهية بشكل عام في المجتمع العربي ونبدأها بتقرير أسامة الرشيدي للجزيرة الذي ينقد دور المؤسسات الإعلامية العربية في هذا الشأن حيث يذكر أن:

“في شهر يوليو/ تموز عام 2015، صدر عن مرصد الإعلام في شمال إفريقيا والشرق الأوسط تقريرًا يسلط الضوء على خطاب الحقد والكراهية في الصحافة المكتوبة في خمس دول، هي: العراق، البحرين، اليمن، مصر، وتونس، وهو يأتي ضمن سلسلة من التقارير بدأت في عام 2013، واستمرت لسنوات”

وإن لم يفند أو يفصل التقرير حيثيات هذا النقد إلا أنه طرح بجسارة أسماء الدول التي يُدلل ظهور اسمها في التقرير على دور التدوين وعملية الأرشفة التي تتبعها بعض المنظمات، وكما أنها أيضا تعطي مقياسا لدرجة شفافية هذه المؤسسات في تقديم المعلومات لاستخدامها في دراسات وتقارير من هذا النوع.

وفي السرد ذاته وجد الباحث ناصر الرحامنة من جامعة الشرق الأوسط في الأردن في بحثه عام ٢٠١٨ تحت عنوان (خطاب الكراهية في شبكة الفیسبوك في الأردن دراسة مسحية) الذي تناول عينات من المجتمع الأردني بأن:

• مفهوم أشكال الكراهية المتداول عبر شبكة الفیسبوك، اختلفت وتعددت حیث جاءت في مقدمتها “تشویه الحقائق أو تكذيبها”، وتلاها “عدم القبول بالاختلاف مع الآخرين.
• الآثار الناجمة عن انتشار خطاب الكراهية عبر شبكة يشير أن هذه الشبكات تعمل على إثارة الفتن بین مكونات المجتمع وتؤدي إلى الفرقة والتناحر، وأنها تفقد المجتمع تماسكه الداخلي فيصبح ضعيفا أمام الأزمات.
• حول الدور الذي تقوم به وسائل التواصل الاجتماعي تجاه خطاب الكراهية والعنف المجتمعي، فإن ذلك الدور یعتمد على طبيعة المستخدم -مستواه الاجتماعي والتعليمي، وأنها تساهم في نشر معلومات مضللة.

ومن العراق يؤكد لنا بيت الإعلام العراقي في تقريره المنشور عن دور وسائل الإعلام العراقية في تأجيج خطاب الكراهية في المجتمع أن:
• “غالبية مصطلحات الكراهية تستمد جذورها من أحكام فقهية دينية متطرفة أو أحكام مجتزئة أو أحكام دينية مجهولة المصدر تكتسب قوتها وانتشارها إثر تبنيها من قبل شخصيات دينية وسياسية واجتماعية عامة أوصلتها إلى الرأي العام عبر منابر إعلامية ومواقع التواصل الاجتماعي والانترنت”.
• كما لاحظ الراصدون بأن “المنشورات التي تتضمن إحدى عبارات الكراهية غالبا ما تلاقي تفاعلا كبيرا على مواقع التواصل الاجتماعي عبر مئات التفاعلات تتضمن الإعجاب بالمنشور وإعادة نشره على الصفحات الشخصية والتعليقات التي غالبا ما تكون ساحة للنقاش العنيف بين المتابعين، بينما لا تلاقي الدعوات إلى الخطاب المعتدل شعبية كبيرة”.

وعند التطرق للشأن النسوي فإن البحوث والإحصائيات تأتي على استحياء من العالم العربي ولارتباط قضايا النساء في العالم ببعضها البعض، فإننا نستطيع أن نأخذ نظرة عامه عن تأثير خطاب الكراهية اتجاه نساء العالم. فكما توضح منظمة الأمم المتحدة في الدراسات التي طرحت التحيز الجنسي أوGender bias كجريمة تحريض وكراهية من شأنها أن تؤثر على سلامة النساء في المجتمع أن ما نسبته
• ٤٦.١ ٪ من النساء في أفغانستان قد تعرضن للتعنيف الجسدي أو الجنسي من قبل شركائهن.
• ١٤٪ من النساء في مصر قد تعرضن للتعنيف الجسدي أو الجنسي من قبل شركائهن.
• ٥٪ من النساء الفرنسيات في إحصائية ٢٠١٤ قد تعرضن للتعنيف الجسدي أو الجنسي من قبل شركائهن. وتزداد هذه النسبة طرديا في الدول الأقل تقدماً والأكثر فقراً.

*(هذه نماذج كأمثلة وليست من باب الحصر)

مدخل ٢:

يتجلى للباحث أن خطاب الكراهية الممارس ضد النساء سواء كان من الذكور أو من بعض النساء أيضا يحمل ترسبات تاريخية وثقافية يعزز تأثيرها في المجتمع كلا من الأسرة والمؤسسة على حد سواء. فهذه الممارسات التي تعتمد على الإقصاء والتهميش ورفض توزيع الحقوق والواجبات بشكل عادل ماهي إلا ترجمات حرفية للأفكار والمعتقدات التي ظلت تدور حول ماهية النوع الجندري وما يترتب عليه من حقوق وواجبات في المجتمع.

فالنوع الجندري أو الجنسي هو ما سيحدد ماهية “الأداء” الذي سيمارسه الإنسان في مجتمعه، وهذا “الأداء” هو ما سيرسم لنا مسارات وقيود قد تؤدي إلى خلق جو مشحون من التصارع والتطاحن بين الذكور والإناث في المجتمع وهو ما تقوم عليه باختصار شديد فكرة النظام الأبوي.

ماهية “الأنا” التاريخية:

من الملاحظ أن بداية تشكل هوية الإنسان الفاعلة ولحظة اكتساب شرعيتها تبدأ من لحظة الولادة وتعززها طريقة التربية التي تفصل فيها العائلة بين النوعين وينتج عن هذا اختلافات في الطريقة التي يؤثر ويتأثر بها كلا من المرأة والرجل في المجتمع. فعلى سبيل المثال بينت دراسة أجريت عام 2007 أن تأثير النوع الجندري في المجتمعات له إسقاطات مباشرة على محددات وعواقب المرض الجسدي والنفسي في المجتمعات النامية. فقد وجدت الدراسة أن “العوامل الاجتماعية مثل حرمان النساء من التعليم والمشاركة في الحياة العامة تؤثر على معرفتهن بالمشاكل الصحية وكيفية الوقاية منها وعلاجها. فقد أوجد التمايز الجنسي الاجتماعي تخصيصا تفضيليا غذائيا للذكور على الإناث. وفي المقابل وجدت دراسات تعارض هذا التفضيل الجنسي الغذائي، ولكنها أكدت على أن الفروق الحصصية الغذائية مرتبطة بالتحيزات الثقافية الاجتماعية التي تفرض على المرأة ممارسات وأدوار في المجتمع تفتقر إلى بذل الطاقة مقارنة بالرجل المتوقع منه صرف كميات أكبر من الطاقة الجسدية وبالتالي احتياجه لكميات أكبر وأفضل من الغذاء”.

وإذا أخذنا هذه الدراسة على سبيل المثال لا الحصر تتضح لنا أبعاد وتشعبات هذه الفروقات في المجتمع وعلى ضوئها يتحدد وينضج الدور المجتمعي والثقافي للرجل والمرأة وتتجلى سلوكيات معينة لكل منهما. كما تظهر هذه السلوكيات على مستوى العلاقات الفردية الخاصة بين الرجل والمرأة التي تتوسع دائرتها وتشمل بعد ذلك الجماعات البشرية المكونة للمجتمع. وحتى نفهم العلاقة بين النظرة الذاتية للفرد وبين الدور المجتمعي لابد أن نعود بالتاريخ قليلاً للمجتمعات البشرية البدائية.

فمنذ بداية تلاشي المجتمعات الأمومية البدائية التي كان للمرأة فيها دواراً مهما في القبيلة من طبابة وتوفير للغذاء وحماية المسكن والصيد أيضا، ومن تخاطب مع الأرواح في العالم الآخر وتنظيم علاقة الأفراد بإعطائها سلطه تشريعية تنبع من دورها الأمومي التربوي ووساطتها الروحية بين عالم البشر وعالم الإله المعبود وليس من دورها الجنسي فحسب. ومنذ انتقال الإنسان من الصيد للزراعة وانحسار المجتمعات المرتحلة عند الإنسان الأول، بدأ دور المرأة ينحصر في الجنس وقدرتها على الإنجاب وتوفير عمالة رخيصة لهذه الأراضي والإقطاعيات، حيث إن المرأة أصبحت امتدادا لإرث الذكر الذي تنتمي إليه جنسياً أباً أو زوجاً أو ابناً.

وبمصطلحات أكثر بساطة نستطيع القول إن المرأة اعتمد وجودها على قدرتها على الحمل والإنجاب عدا ذلك هي لا تتواجد خارج الإطار المادي الجسدي الذي رُسم لها. وقد قرأنا في التاريخ العالمي والعربي عن طريقة تعامل المجتمعات مع المرأة كسلعه تشترى وتورث وتوأد، وفي بعض المجتمعات تفقد اسمها وهويتها عند الزواج وتستخدم كوسيلة ضغط وتهدئة دبلوماسية بين القبائل المتناحرة وتدفن حية مع زوجها كمتاع للحياة الأخرة حتى إن تم البعث يجد الرجل من يعتني فيه ويلبي احتياجاته.

بالمقابل تشكلت الهوية الذكورية في المجتمع كونها المركز الأساسي للحياة. فالرجل من يبذر البذرة ومن يحمي الأرض ومن يزرعها ومن يبني المسكن بقوته الجسدية ومن يحارب الأعداء دفاعاً عن قبيلته وحماية لثقافته وبالتالي اتُخذت هذه الفروقات البيولوجية كأعذار لتعزيز هذه الأدوار الثقافية المجتمعية. فتم وضع الرجل في مقدمة الهرم لا من أجل شيء، ولكن لقوته الجسدية ووضعت المرأة تحته فعليا ومجازيا لا لشيء، ولكن لضعفها الجسدي. وبالتالي شيئاً فشيئاً رتبت المجتمعات نفسها على هذه الهرمية وفرضتها نظاماً أساسياً للحياة وهذا ما أدى إلى إقصاء المرأة من الحيز العام وقيدها بالحيز الخاص.

السلطة والجنس:

ومن هذا المنطلق التاريخي ظهرت العلاقة بين القوة والجنس. وانتشرت فكرة “الفاعل” القوي والمسيطر و” المفعول به” الضعيف المتلقي لهذه القوة والغير قادر على مساواتها بقوة مشابهة. وبطبيعة الحال وبسبب التركيب البيولوجي انتشرت فكرة ممارسة الجنس لفرض السلطة والقوة وهو ما مارسته الشعوب المستعمرة أيضا في الحروب، حيث كان اغتصاب النساء وسبيهم وسيلة للسيطرة على المجتمعات المغلوبة ووسيلة أيضا لإنهاء نسل هذه الشعوب وبذر بذور المستعمر الجديد القوي.

وبالتالي تحولت المرأة لوسيلة استعمارية تستخدم لإخضاع المجتمعات وهذا ما أنتج بدورة بداية النظر للمرأة على أنها مصدر للخزي والسبي والعار. وفي السياق التاريخي العربي انتشرت الأفكار حول أن المرأة (لا تغني في الحرب شيئًا، بل تكون عبئًا على القبيلة لأنها مقصد الأعداء يريدونها سبية، وسبي المرأة عندهم عار لا يسكت عنه، ولا يقعد دونه)

وفي السياق التاريخي الحديث، فقد ذكر تقرير صادر عن منظمة الأمم المتحدة أن في خضم المجزرة التي وقعت في رواندا في عام ١٩٩٤ بلغ عدد النساء اللواتي تعرضن للاغتصاب من قبل الجنود ما يقارب ١٠٠٠٠٠-٢٥٠٠٠٠ ألفاً في ٣ أشهر فقط. كما زاد عدد النساء المغتصبات في الحرب الأهلية بسيراليون عن ال٦٠٠٠٠ ما بين أعوام ١٩٩١-٢٠٠٢. وفي السنوات الأخيرة أطلت علينا داعش بالمنهجية نفسها فقد وثقت منظمة الأمم المتحدة أن ما عدده ٧٠٠٠ امرأة وفتاة تم أسرهن واخضاعهن للعبودية الجنسية القهرية في الهجوم الذي شنته داعش على منطقة جبل سنجار.

وليس هذا فحسب فقد أثرت هذه الأفكار المشوهة للنظرة النفسية الجنسية أيضا للطرفين على الطريقة التي يعبر كل من هما عن رغباته الجنسية. وأصبح ذكر الرجل مقرونا بحبه للمتعة والجنس وتعدد مغامراته الجنسية وكثر معها نتاجه البشري وتم ربط الرغبة والشهوة المطلقة بالرجل وفي المقابل فقد منعت المرأة من التعبير عن رغبتها الجنسية فهي لا تتماشي مع هويتها الضعيفة “المفعول بها” كما ذكرنا سابقا وربطت الثقافة قيودا على هوية المرأة الجنسية ومنعت من التعبير عن ذاتها أو حتى الخوض في هذا السياق ووصفت بالعهر والفساد كما تجاوزت الثقافة العربية هذا حيث ربطت مفهوم الشرف بالمرأة.
فعند قراءتنا للتراث والتاريخ نحن لا نستطيع تجاهل الشعر العربي كمرجع لهذه الأمثلة حيث نلاحظ استمرارية النظرة الحسية المادية للمرأة فيطل علينا امرؤ القيس في بيته الفاحش:

وَيَومَ دَخَلتُ الخِدرَ خِدرَ عُنَيزَةٍ
فَقالَت لَكَ الوَيلاتُ إِنَّكَ مُرجِلي
تَقولُ وَقَد مالَ الغَبيطُ بِنا مَعًا
عَقَرتَ بَعيري يا اِمرَأَ القَيسِ فَاِنزُلِ
فَقُلتُ لَها: سيري وَأَرخي زِمامَهُ
وَلا تُبعِديني مِن جَناكِ المُعَلَّلِ
فَمِثلُكِ حُبلى قَد طَرَقتُ وَمُرضِعٍ
فَأَلهَيتُها عَن ذي تَمائِمَ مُحوِلِ

وزاد عليه المتنبي في قوله:

ﻫﺎﻡ ﺍﻟﻔﺆﺍﺩ ﺑﺄﻋﺮﺍﺑﻴَّﺔٍ ﺳﻜﻨﺖْ
ﺑﻴﺘًا ﻣﻦ ﺍﻟﻘﻠﺐ ﻟﻢ ﺗﻤـــﺪﺩْ ﻟﻪ ﻃﻨﺒﺎ
ﻣﻈﻠﻮﻣﺔ ﺍﻟﻘﺪ ﻓﻲ ﺗﺸﺒﻴﻬﻪ ﻏﺼﻨًا
ﻣﻈﻠﻮﻣﺔ ﺍﻟﺮﻳﻖ ﻓﻲ ﺗﺸﺒﻴﻬﻪ ﺿﺮﺑﺎ
ﺑﻴﻀﺎﺀ ﺗﻄﻤﻊ ﻓﻲ ﻣﺎ ﺗﺤﺖ ﺣﻠﺘﻬﺎ
ﻭﻋـﺰ ﺫﻟﻚ ﻣﻄﻠﻮﺑﺎ ﺇﺫﺍ ﻃﻠﺒﺎ
ﻛﺄﻧﻬﺎ ﺍﻟﺸﻤﺲ ﻳﻌﻴﻲ ﻛﻒ ﻗﺎﺑﻀﻪ
ﺷﻌﺎﻋﻬﺎ ﻭﻳﺮﺍﻩ ﺍﻟﻄﺮﻑ ﻣﻘﺘﺮﺑﺎ

وغيرهم الكثير في العصور اللاحقة الذين اعتمدوا النظر للمرأة كعنصر جنسي مستحق للغزل عفيفة وفاحشة أو عنصر جنسي يفيض منه الشؤم والعار. كما تماهى معاصرو الشعر العربي فصيحة ونبطية مع أسلافهم السابقين واشتهر في العصر الحديث كثر كنزار قباني الذي تبحر في قصائده عن المرأة والذي لقب بشاعر المرأة لا لشيء، ولكن لفحشه وتفرده بين أقرانه في هذا السرد الجنسي ونترك للقارئ حرية البحث عن هذه القصائد التي أتخمت المنشورات الأدبية والشعرية للأسف.

ما بعد السرد التاريخي

تتداخل المسارات النفسية والاجتماعية تداخلا متشعبا حيث يصعب فصل عناصره بدون عملية تحقيق قاسي للمادة التاريخية التي نستطيع من خلالها ربط فروع هذا الخطاب المعاصر المعادي الكاره للمرأة بجذور الهوية الجنسية والأدوار التي روج لها تاريخيا. فمن غير المنطقي أن تتوقع الحركة النسوية اليوم احتفاءً واحتفالا بها وهي تحاول أن تكسر هذه المنظومة التي شيطنتها وهمشتها عبر القرون، ومن الطبيعي أن يواجه النضال النسوي هجوماً صارخا ومدمراً من المدافعين عن النظام الأبوي الذي بدأ بغرس أظافره في النسيج الثقافي للمجتمعات من٨٠٠٠ إلى ١٠٠٠٠ سنة ق.م.

فمن يدافع عن النظام الأبوي ويرفض النسوية كونها حركة حقوقية هو في حقيقة الأمر يدافع عن نفسه وعن التمكين الذي يمنحه له النظام الأبوي الذي يسمح له بقمع الآخر المختلف عنه. ويجدر بنا ذكر أن النظام الأبوي لا يستعدي المرأة فقط، فهو نظام هرمي يعتمد على تسخير الجماعات لخدمة الأفراد وقد تختلف مآرب هؤلاء الأفراد وتتعدد فهناك من لديه مآرب سياسية وهناك من لدية مآرب دينية بالرغم من تداخل السلطة والدين في كثير من الأحيان وهناك من لديه مآرب قومية أو اقتصادية. فالنظام الأبوي هو نظام اقطاعي بحت يهدف إلى خلق فقاعات وجيوب منفصلة في المجتمع تعمل على توفير سبل العيش والرفاهية والحماية والدعم لقلة من الأفراد. وفي سبيل تحقيق هذه الغايات تقوم هذه القلة بتطويع الدين سابقاً والقانون حالياً لخدمة مصالحها وحدها، كما تعمل في الوقت نفسه على خلق العداء وتقوم جاهدة على شيطنة الآخر وإسقاطه من النسيج الإنساني، وتعدّه مرة أخرى كيانا ماديا لا يستحق أن يحصل على حقوقه الأساسية الإنسانية.

الأبوية.. نظام عالمي قديم متجدد

لمدّة من الزمن استخدم النظام الأبوي شماعة الدين لتمرير أيدولوجياته القمعية في المجتمعات البشرية. ولأن الأديان تتلاقى في جوهرها وإن تباعدت أماكن انتشارها جغرافيا نلاحظ تكرار وتجانس للصور النمطية التي استخدمت وبالأخص في الأديان الإبراهيمية من أجل تطويع الشعوب والسيطرة عليها. فقد طوع الرجل الأبيض الأبوي المسيحي الدين لكي يفرض سلطته على الشعوب السمراء حتى أنه عدّهم كائنات بلا روح تنتظر الإنقاذ كما علقت مشانق التفتيش المسيحي حبالها في سبيل إقصاء أي اختلاف أيديولوجي في مراحلها التبشيرية الدموية. وهو ما قلده فيه الأبوي المسلم واليهودي بافتراض أن سبيل الحق يعتمد على اقصاء الاخر المختلف ومن رفضه فهو محكوم بالهلاك الروحي إلى الأبد. ونلاحظ في كلا الأمثلة التشابه في الاستعارة الذي اعتمد على الخوف كعنصر تحفيز للدخول في الدين انقاذا للروح.

وفي العصر الحديث انحسر مد الدين في مجابهة مد العصرنة التي للأسف ارتدتها الحكومات الاستعمارية الأبوية قناعا أباحت فيه لنفسها قتل خيرات وثقافات الشعوب المستضعفة ونهبها بحجة التقدمية والحداثة التي تتصف بها الدول الاستعمارية في حربها الضروس مع التخلف والرجعية. وهذا ما خلق انعدام في التوازن وتوزيع الثروات والقوى في عالمنا المعاصر وعليه تم تصنيف العالم لدول عالم أول ودول عالم ثالث. فالنظام الأبوي لا يفرق بين ذكر وأنثى هو جوع نهم للسلطة والقوة لا ينتهي.

وعندما ننظر لمجتمعنا العربي المسلم اليوم نرى انعكاس آثار النظام الأبوي في سوء توزيع الثروات واحتكار السوق والسياسة وفي سوء تنظيم القوانين أيضا. وعندما نخص المرأة بذكر اشكالياتها في الخطاب النسوي فهو بسبب تجاهل الحكومات والدول لاحتياجاتها والنظر إليها من ضمن الصالح العام فقط ولا تتعدى هذه النظرة الحيز الخاص الذي تعيش فيه المرأة. بمعنى أن القوانين تصاغ وتكون في صالح المرأة في حال كان هذا الصلاح يعود على المجتمع ككل كحقها في العمل وحقها في محاربة المستعمر والدفاع عن الوطن والتعليم لكن عندما نتجاوز هذه القضايا لندخل في فضاء المرأة الخاص ونناقش قضايا الحضانة والميراث وتساوي الأجور أو حق التملك والاستثمار والمواطنة نجد الواقع صادماً. وليست هذه القضايا وحدها فقد تم إقصاء المرأة من تقديم قراءات تشريعية فقهية أيضا في الدين الإسلامي واحتكر الرجل هذا الدور له ورفض أي محاولة تقوم بها المرأة لإعادة قراءة كتب التراث وتقديم تفاسير تخصها.

ولم يكتف النظام الأبوي وأتباعه من اقصاء المرأة وعزلها، بل ومارسوا العنف عليها لفظيا وجسديا، فمن تنشز عن القاعدة تهاجم وتقذف وتعنف وتغتصب وتقتل. وكم تفنن الأبويون الأصوليون في توفير الدلائل التي تبيح اضطهاد المرأة حتى يتمكنوا من إعادتها لحظيرة الأبوية. وعندما ظهر الخطاب النسوي هوجمت رائداته وروج لهن على إنهن داعيات للعهر والجنس والانفلات الأخلاقي وهي كما وضحنا النظرة الذكورية المادية الإباحية السائدة التي لطالما نظر بها الذكوري الأبوي للمرأة. كما تم إرغام النساء كثيرا على تقديم لهجة اعتذارية في كل مرة تتحدث امرأة عن حقها فهي تبدأ بتقديم تبريرات تحاول بها حماية نفسها من الشيطنة والعنف وكما نلاحظ حديثا التهمة الجديدة التي تلصق بالنسويات تهمة العمالة الخارجية.

تساؤلات

لربما ما يجب الحديث عنه في الوقت الحالي هو أسباب خوف بعض الرجال من النسوية واستماتتهم في الهجوم عليها. ورغبتهم الملحة في ممارسة التنظير الذكوري الذي يحرم المرأة من تقديم سردها الخاص بقضاياها ويعتمد نسخة الرجل الخاصة في تفسير قضايا وإشكاليات المرأة، مستمرا بذلك في تجاهل أصوات النساء من حوله. لماذا يرفض بعض الرجال تفسيرات المرأة؟ لماذا تتهم المرأة بعاطفتها ولماذا تعدّ العاطفة نقصا في المقام الأول؟ وهل نستطيع أن نفصل العاطفة عن العقل عند التعاطي في القضايا الإنسانية؟ هل يعي هؤلاء سوء ممارساتهم ضد المرأة ولذلك يرفض إعطائها فسحة من الحقوق حتى لا تنقلب عليهم؟ ولماذا كل ما تحدثت امرأة عن غضبها يتقدم الرجال ليوضحوا لها أنها تختار لغة تعميمية فيبادروا بإعلامها أن “ليس كل الرجال على حد سواء؟”

لماذا يفترض الرجال حُمق المرأة في التعميم؟ لماذا يحتاج الرجل إلى أن تطمئنه المرأة كل مرة أنها لا تتحدث عنه، بل عن الآخر المعتدي؟ ولماذا عندما لا يجد سبيل لإسكاتها يطلب منها خفض صوتها وتغيير لهجتها التي دائما ما يصفها بالحدة؟ ولماذا يغضب في كل مره تعارضه المرأة وتقدم طرحاً مختلفاً عنه؟ ولماذا عندما لا يستطيع مقارعتها بالحجة والدلائل يقوم بمهاجمتها في ذاتها ويشكك في وطنتيها ويؤلب المجتمع عليها؟

وأخيرا ما المشكلة في السرد الذي تقدمة المرأة ولماذا لا يثق الرجل في إمكانية المرأة أن تكون مصدراً موثوقاً للمعلومة؟

رفاهية تقرير المصير

ربما يعود خوف بعض الأبويين لإدراكهم بضعفهم وعدم قدرتهم على السيطرة على معطيات حياتهم اليومية. حيث إنهم مدركين لمدى فظاعة هذا النظام الأبوي الرأسمالي ولذلك يمارس الرجل الأبوي هذا القمع الممارس عليه من قبل الاقتصاد والسياسية القمعية وحياة الفقر التي لا يستطيع تغييرها بالتالي يتشاطر على المرأة، مدعما بذلك مقولة آن المرأة آخر مستعمرات الرجل.

يدرك الأبوي الإقصاء الذي يمارس عليه من قبل السلطة النخبوية التي تقبع على رأس هرم النظام الأبوي، فهو لا يستطيع تقرير مصيره وهو لا يملك معرفة مستقبله وكما أنه لا يستطيع أن يفكر بنفسه ولنفسه .لا يملك المشاركة في صناعة قراراته وقوانين مجتمعه ولذلك نجد أن الهجوم يستفحل ويضيق الخناق على النسوية في دول العالم الثالث ذات النظام القمعي الديكتاتوري فهي حلقة مفرغة من العنف يستقوي فيها السياسي والاقتصادي ورجل الدين على المواطن الذي بدوره يستقوي فيه على المرأة في المنزل والمجتمع وهي بدورها في بعض الأحيان تستقوي على غيرها من المستضعفين وتمارس عليهم فوقيتها المستمدة من النظام الأبوي عندما تهمش الطبقات الفقيرة والعمالة الوافدة وغيرها من النساء وهكذا تدور الدائرة.

في اللحظة التي يتم فيها تمكين المجتمع ومشاركة أفراده كافة في صناعة مستقبلهم فقط عندها سنتمكن من استيعاب المصطلحات الحقوقية التقدمية وسنعمل على تمكين جميع أطياف المجتمع حيث إن الرؤية الواضحة تهدف لبناء مستقبل أفضل لأبناء المجتمع. حينها لن ننظر للجنس كمعيار تقدمي ولن نهاجم الآخر بهدف إقصاءه، بل سنعمل للفائدة والمصلحة العامة ورفاهية الأفراد بالأخص وفق ضوابط القوانين الإنسانية الإنمائية.
المراجع:

  1. الرشيدي، أسامة. تقرير حول خطاب الكراهية في الإعلام العربي .
    https://institute.aljazeera.net/ar/ajr/article/1503
  2. بيت الإعلام العراقي، رصد خطاب الكراهية في الإعلام العراقي
    http://www.imh-org.com/%D9%85%D8%AF%D8%B1%D8%B3%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B9%D9%84%D8%A7%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82%D9%8A
  3. إحصائيات العنف ضد النساء. منظمة الأمم المتحدة
    https://unstats.un.org/unsd/gender/vaw
  4. تقرير عن جرائم الاغتصاب في الحروب. منظمة الأمم المتحدة. https://www.un.org/en/preventgenocide/rwanda/assets/pdf/Backgrounder%20Sexual%20Violence%202014.pdf
  5. ISIS’ Use of Sexual Violence as a Strategy of Terrorism in Iraq
    https://www.e-ir.info/2021/07/27/isis-use-of-sexual-violence-as-a-strategy-of-terrorism-in-iraq/
  6. الرحامنة، ناصر. ٢٠١٨, خطاب الكراهية في شبكة الفیسبوك في الأردن دراسة مسحية.
    i. https://meu.edu.jo/libraryTheses/5af2b422be3b1_1.pdf
  7. مصطفى جابر، هبة. ٢٠١٨, صورة المرأة في الشعر الجاهلي: دراسة نسوية، مجلة الدراسات اللغوية والأدبية
  8. أبو النجا، شيرين، & Abouelnaga, S. (2020). النسوية العربية – Arab Feminism: مواقف وممارسات. Alif: Journal of Comparative Poetics, (40), ٣٢-٦٤. Retrieved July 18, 2021, from https://www.jstor.org/stable/26924879
  9. Carol Vlassoff, Gender Differences in Determinates and Consequences of Health and Illness
    J Health Popul Nutr. 2007 Mar; 25(1): 47–61. PMCID: PMC3013263. https://www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC3013263/
  10. Noah Harari, Yuval. Sapiens: A Brief History of Humankind. 2015, Publisher Vintage Publishing ,UK.
  11. Understanding Masculinities and Violence against Women and Girls, United Nation Library, https://www.un.org/en/preventgenocide/rwanda/assets/pdf/Backgrounder%20Sexual%20Violence%202014.pdf
العدد الأخير العدد الخامس والعشرين بعد المائة ثقافة وفكر سياسة

عن الكاتب

Avatar

فاطمة الساعدي